وضع القراءة:

39 الوجه الأنثويّ الجميل

لا يريد أبي أن يكرّر خطأه للمرّة الثّانية:
- يجب أن تكون قلوبنا واسعة، تحتوينا أجمعين مثل منزلنا والأرض المحيطة به.
ثمّ يضيف مشجّعا:
تقاربن فيما بينكنّ... زرن بعضكنّ بعضا مثلا، أريد تنمية علاقات وطيدة بين الجميع.
وهل أجرؤ أنا على دخول غرفة أمّي؟.
أبي الذي تهرّب من تساؤلاتي حول موتها المفاجئ، بصمت يغلّفه وهو يتأمّل صورته التي ما زالت على الحائط، يريد الآن تقوية أواصر الثّقة المتبادلة، عبر وجبات مشتركة في مطبخ «ماما سوسو» أو مطبخ «بشرى»، التي تقول دائماً كلّما جلست قبالتها إنّها تحبّ صوتي كثيرا، لأنّه يذكّرها بطفولتها، حين كانت منشدة في الكشّافة.
- سأريكِ طريقة تحضير طبق لم تتناولي أشهى منه، تعالي عندي من حين لآخر «إلهام».
هذا ما تقوله لي زوجة أبي الثّانية، ثمّ تضيف:
- كم أحبّ الحديث معك بالإسبانيّة؟، وكأنّي في «مدريد».
- هل حقّا تحبّين أبي؟.
وهذا ما يلقيه «أيّوب» في وجهها أمام خالتي، بعدما تجاوز صدمته، فيتورّد الوجهان، وتضحك «صفاء» عليهما، ليختفي نهائيّا ذلك الأخدود الذي طالما ميّزها كعلامة فارقة.
سبحان من توفّى أمّي لنحسّ جميعاً بقيمتها الحقيقيّة في الأسرة.
يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، وشاء تعالى أن ينزع عنّا شيئا؛ ليؤتينا أشياء كانت بالأمس القريب مجرّد أمنيات.
يا لرحمتك الواسعة يا ربّ.
أخيراً... كشفت لنا الدّنيا عن وجهها الأنثويّ الجميل الذي ألفناه، بعدما ظلّت مكفهرّة الملامح قاتمة الألوان.
وتذكّرت ما قاله الأستاذ لنا ذات يوم:
- لا تنسوا الآية الكريمة «وتلك الأيّام نداولها بين النّاس».
★★★
وكيف أنساه وقد نهضت سبع مرّات من فراشي لأرى ردّه؟.
- ألا تلقون نظرة على الإنترنيت؟، هذا الانقطاع لا يبدو طبيعيّا، أم هو حظّي التّعيس يتجسّد الآن في شيء ماديّ؟.
بصوت حنون دافئ أجابتني «صفاء» وهي تشحن هاتفها:
- ماذا أفعل لك «سوبرانو»؟، أدمنت الإنترنيت مثلك إلى درجة لا أتخيّل نفسي دونها، لكن يبدو أنّ المشكلة لديهم هناك في «اتّصالات الجزائر».
وتشير بيدها في حركة عشوائيّة نحو الشّرق.
- هل لديك الإنترنيت في هاتفك؟.
فتتهرّب منّي بعبارات مطّاطيّة:
- لديّ مشكل في البطّارية.
- لا تكذبي، هاتفكِ جديد.
- لكنّه ليس أصليّاً.
- يا ساتر... أنتِ كالضّفدعة، لا يهمّك أين تقفزين بقدر ما تهمّك استمراريّة حركة القفز.
تتظاهر بالصّمم، فيستولي عليّ اليأس والإحباط ليلاً، فأواسي نفسي:
- لماذا لا أكون زوجته الثّانية؟، أيّ بأس في ذلك؟، لأبي زوجتان، وأموره على أحسن ما يرام، إذا أرادني هو، فما شأن العالم بنا؟، لكن... هل تقبل زوجته؟.
أضع الوسادة فوق رأسي:
- سأحدّثها بالأمر، وإن لم تقبل فسأريها فيديوهات الحفل، كي تقتنع أنّي تحفة فنّيّة صنعها زوجها الأستاذ، إذن من حقّه أن يكون صاحب التّحفة، وحتّى لو نظرنا إلى المسألة فلسفيّاً لوجدناها منطقيّة تماماً.
وغفوت دون أن أشعر.
لم أفق صباحاً إلاّ على طرقات «ماما سوسو» على باب غرفتي كنقرات عصفور، تناديني لتناول الفطور، وسرعان ما راحت تستفسر عن سبب انتفاخ جفوني، فرحت أسحقها بين ذراعيّ سعيدة:
- صباح الخير «ماما سوسو»، يا أحلى ماما في الدّنيا كلّها.
- سبحان الله، هذا ما يقوله لي «عبد القادر» مع تغيير بعض المصطلحات.
★★★
وأعود للبيت بعد يوم شاقّ في الجامعة.
- مرّت شاحنة فقطعت خيط الاتّصال دون قصد.
- المهمّ؟.
وأطلقت ضحكتها الكنز ففضحت بها ما أرادت مفاجأتي به.
- آآآ، عادت الشّبكة!.
ولا أعرف كيف وصلت إلى غرفتي بتلك السّرعة القياسيّة.
بأصابع ترتجف أعدت إدخال جميع البيانات، وفتحت علبة الرّسائل، واقفة من جلال الموقف، أفرك عينيّ اللّتين راحتا تدمعان بشدّة من ضوء شاشة الكمبيوتر، متلهّفة إلى جوابه الذي أرّقني لأيّام.
- ما زلت أعزبا، لم يشأ الله لي أن أتزوّج بعد، كلّ شيء عنده بمقدار.
هذا ما كتبه لي حرفيّاً تلك اللّيلة، والله هذه هي كلماته.
كتمت صرختي براحة يدي اليمنى غير مصدّقة، ثمّ أحسست بأنفاس «ماما سوسو» خلفي.
التفتّ إليها مندهشة من كوني لم أنتبه لوجودها أصلا، وحين التقت عينانا ابتسمت ابتسامتها الكنز، فتوزّع تلألؤ وجهها على مساحته الألماسيّة في تناسق ربّانيّ بديع، وهي تطمئنني بنبرة تدفّقت منها مشاعر الحنان:
- كلّ شيء عنده بمقدار يا «إلهام»... كلّ شيء عنده بمقدار.
وعانقتها بدموعي المندلقة على وجهي كالماء المسكوب، ثمّ بدأ صوت نشيجي يعلو ويعلو، وهي تربّت على كتفي مردّدة بصوتها الدّافئ:
- آه يا «إلهام» الصّغيرة، آه يا ابنتي.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.