41 هو مشروعي الكبير
- سأؤسّس أوّل فرقة إنشاديّة لي.
هذا ما واجهت به مرآتي وأنا أحاول تسريح شعري، بعد حمّام مسائيّ دافئ، أرحت به جمجمتي المتهالكة من وطأة التّفكير المتصاعد.
ثمّ أجدّد نيّتي:
- هو عمل تطوّعيّ أقابل به وجهه تعالى حين ألقاه، لا أبتغي منه شهرة أو نفوذا، أو تقرّباً من السّلطات.
وتحرّكت نحو الهدف، في عطلة الشّتاء لسنة 2019، بحشد من ثمانية عشر طفلاً وطفلة، اشترطت أن يكونوا قد وُلدوا قبل عشر سنوات من الآن، تفادياً لأيّ مشكل قد يسبّبه منهج التّدريب الصّوتيّ المعتمد.
ويأسرني التّفكير فأكاد أجنّ وأنا أخاطب ذاتي:
- هل سيأتي لمساعدتي؟.
ثمّ تأخذني مخيّلتي من سيرته إلى الإنشاد الذي انجرف أغلب صانعيه إلى استعمال آلات العزف الموسيقيّة، فأخرجوا هذا الفنّ عن هويته، وأخشى أن يُفرض عليّ ما لا أقبله جملة وتفصيلا، ولا سيما وقد وعدتني رئيسة الجمعيّة بكلّ ما أرغب به من تجهيزات.
هذا ما أُسرّ به لخالتي، فتستعيذ بالله.
ثمّ أمرّ على «بشرى»، فتسألني عن جديدي في الجمعيّة، فأتجلّد صوناً للضّمير:
- إذا فُرض عليّ استعمال آلات العزف سأستقيل مباشرة، لن أرضخ لأيّ ضغوط مهما كانت المغريات.
فتناقشني من باب السّعة والجواز، وأناقشها من باب «كلّ شيء إلاّ وله أثر»:
- أنتم من بقيتم تحافظون على الإنشاد الحقيقيّ هناك في ولايات الصّحراء، أمّا هنا فقد اختلط الحابل بالنّابل.
تترك كلّ شيء وتستمع لشرحي:
- إذا تمّ استعمال آلات العزف بدل توظيفها في الإنشاد فهو توقيع شهادة وفاته.
لدينا خطوط حمراء لا يجب تجاوزها لأنّها سور حماية، وفكر فلسفيّ بُني على قاعدة صلبة، ما يكون الاستهتار به إلاّ نتيجة طبيعيّة لتشوّش الرّؤية والأفكار، ثمّ من المؤكّد أنّ هناك من سيلمس فداحة الأخطاء التي ارتكبها بحسن نيّة، لكن للأسف سيكون متأخّراً جدّاً، إلى درجة أنّ مسألة إعادة القطار إلى سكّته قد تستغرق سنوات طوال، وربما صراعات داخليّة سيكون الكلّ فيها خاسرا.
ويبهجني اهتمامها بالموضوع، فأتشجّع للمواصلة:
- لقد تربّت أجيال متعاقبة على أخطائهم، وكلّ جيل سيضيف أخطاء أخرى، ويساهم بدوره في التّميّع والتّعفّن، الشّيء الذي يجعلني أتساءل دائماً عن المستفيد الأوّل من محو الخطّ الفاصل بين فنّ الإنشاد وما يشبهه من فنون غنائيّة أخرى، ولا أجد إجابات وافية.
فتجيبني بجديّة وهي تضع آخر اللّمسات على طبق صحراويّ لذيذ للعشاء:
- من يستهتر في حماية نفسه، فهو المذنب الأوّل فيما يحدث له.
ثمّ بسقت لي سيرته من جديد وأنا أتناول قطعة لحم من الطّبق، كنخلة تشرئبّ بجذعها عالياً في السّماء، فيغمرني الشّوق الفيّاض:
- أخيراً سأراه عن قرب بعد كلّ هذه السّنوات.
عبارة ظلّت ترنّ في رأسي، وأخيراً... سأرى سرّ قلبي الذي داريته عن تخومي، لولا وشاية عينيّ وخيانة صوتي، وتحريض فؤادي... سأراه أمامي وأنا أجهل ردّ فعله حين يراني أمامه.
- فيم تفكّرين؟، ستعضّين لسانك.
وينفجر الجميع ضحكا، غير أنّي لا أعبأ بهم وأستمرّ في شرودي بعد أن أجاملهم بابتسامة:
- هل سأعجبه بهذه النّظّارات الطّبيّة البيضاء؟، أم سينفر منّي متذرّعا؟.
- نحن هنا.
- دعيني «صفاء».
إلاّ أنّها تتشبّث بمشاكستي، وكأنّي أختها الصّغرى.
★★★
في غرفتي أقول في نفسي وأصابعي تتراقص على لوحة المفاتيح:
- من المؤكّد أنّه الآن في العمل، وليس له وقت ليرى تفاهاتي.
وطالت مدّة الرّدّ، دقيقة ودقيقتان، ثمّ إحدى وعشرون دقيقة... وتوجّست من اعتذاره.
- يا للفضيحة أمام رئيسة الجمعيّة، سأتكفّل بالأطفال وحدي، وفاة أمّي علّمتني مواجهة الصّعاب، وفاة أمّي علّمتني أن أعي جيّداً مشقّة الصّعود، وأنا المولودة بملعقة من ذهب، سأقاوم رغم ألاّ رصيد لي في الإشراف، سأتصرّف كأرملة ترك لها زوجها في معترك الحياة أطفالا، فهل ستتخلّى عنهم؟، أم ستقتلهم وتنتحر؟.
ثمّ أتسلّح بما أحاول ترسيخه في اللاّوعي:
- لله الأمر من قبل ومن بعد، والله لا يضيع أجر المحسنين.
قبل يوم السّبت المبارك بيومين وأنا أعاني بقايا زكام أبى أن يفارقني صلحا.
تصلّبت بعد صلاة الصّبح أمام المرآة متعرّقة أتفحّص أبعاد جسمي بتفاصيله:
- الحمد لله؛ أثر الشّوكولاتة الدّاكنة، مرآتي لا تكذب.
رحت أكرّر العبارة التي أرفع بها هرمون السّعادة، ثمّ نزلت إلى المطبخ مسرعة، منتهزة فرصة تأخّر الجميع في النّهوض:
- تأمّليني جيّداً «ماما سوسو»، ما رأيكِ في شكلي؟.
- جميلة وأنيقة ورشيقة كعادتك، أنتِ تشبهين الطّبيبات، لكن لماذا «إلهام»؟.
- هل سينفر منيّ؟... سينفر... أليس كذلك؟، يا إلهي الرّحيم، مرّت سنوات لم يرني فيها.
- من؟.
وأسهبت لها في الحكي، وكلّما تحدّثت عنه تحوّلت إلى إمبراطورة.
- آه... لهذا كنت شاردة البارحة... سآتي معك.
فصرخت ممسكة برأسي من هول ما قالته:
- كلاّ، سيشكّ في الأمر، لا يوجد سبب منطقيّ لحضورك.
- هل أنتِ متأكّدة من كونه سيأتي؟.
- لم يجبني...
- أرافقكِ لأعرف من رئيسة الجمعيّة مصدر الصّورة.
- لا تهمّني الآن الصّورة «ماما سوسو».
تردّدت لحظات قبل أن أنطق بها:
- لنفرض أنّه سيأتي، ماذا ستقولين له؟؛ ابنة أختي متيّمة بك، من فضلك يا أستاذ... تزوّجها.
وانفجرت ضاحكة ملء شدقيها، ويا لضحكتها الجذّابة التي تنسي هموم المعدّلات.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!