الخطوات الأولى
- هل تعرفين ما تقوله البنات عنكِ في الثّانويّة؟.
هززت رأسي نافية متظاهرة بعدم الاهتمام.
- أصبحتِ الذّراع اليمنى للأستاذ، أنتِ الآن تشكّلين أحجية حقيقيّة، ستكتسحين مجال الإنشاد جارفةً معكِ كلّ شيء، بالمناسبة... أنا صديقتك.
هذا ما قالته لي «ابتهاج» ضاحكة، وهي تستعدّ لافتراس قرص البيتزا الذي منّ الله عليّ منه بشريحة، غير أنّ هذا التميّز بقدر ما كان مريحاً لي، بقدر ما كان سبباً وجيهاً في انزعاج البعض منّي.
ومن يتصدّى لغيرة النّساء إن ثارت؟.
بالمناسبة، تتحرّج كثيراً «سعاد» من مرافقتي لها؛ و«المرافقة» هنا معناها التّدريب الشّخصيّ لمنشدة وُجد أنّ لديها ضعفاً في إصدار صوت ما، بوقوفي أمامها وجهاً لوجه، على بُعد ما يقارب الثّلاثين سنتيمترا، مع حثّها على تقليدي، وهذا ما يسمّى أيضاً مخطّط «التّقابل المباشر»، حيث تتراوح المسافة الفاصلة بين عشرين سنتيمترا وخمسة أمتار، وهو عكس «التّنافر بالظّهر».
- أعرف هذا قبلك.
هذه العبارة هي توأم لسانها.
انتهت فترة التّصحيح والتّقوية الصّوتيّة على أحسن ما يرام؛ كنت الوحيدة فيها التي أنهيت تقليد جميع أصوات مقام «العجم»، ديوان «C4»، بينما وصلت بعض الطّالبات إلى صوتيْ «لا» أو «سي»، وعلِقت أخريات في صوت «صول».
فترة دامت ثمانية أسابيع، تعلّمنا أثناءها أشياء لم نكن نتخيّلها، ولعلّ قانون «الإلقاء والتلقّي» هو أهمّ شيء رأيناه يتجسّد أمام أعيننا.
يرتبط هذا القانون بمساحات التّدريب المتباينة؛ فقد كنّا نتدرّب في مدرّج مغلق، لئلاّ تتشتّت أصواتنا، ونحن في حاجة ماسّة لسماعها جيّدا، من أجل الوقوف على مواطن الخطأ، ثمّ اعتمدنا على مخطّط «التّنافر بالظّهر»، حين أصبحت ذبذباتنا تشكّل خطراً على آذاننا، في انتظار مرحلة التّدريب في الهواء الطّلق، في العطلة إن سمحت الظّروف، كما قال لنا الأستاذ، مؤكّداً على تجنّب الرّياح الباردة في فصل الشّتاء، والجوّ المشبّع بالغبار في فصل الصّيف.
هل تعرفون هذا؟.
يرسل الدّماغ البشريّ أصواتاً قويّة إذا اعتاد على استقبال أصوات ضعيفة، فهو الذي يتحكّم في عمليّة إصدار الصّوت عبر الأحبال الصّوتيّة، وهو من يفسّر معاني الأصوات التي تصله عبر طبلة الأذن.
- يجب ملاحظة شيء في منتهى الأهميّة؛ كلّما اتّسعت المساحة التي يتدرّب فيها المنشد، كلّما تقوّى صوته، هناك أماكن خاطئة لا تصلح للتّدريب؛ كالأماكن الصّغيرة الضّيّقة، التي تجعل من الصّوت مكبوتاً ضعيفاً، عكس الأماكن الواسعة المفتوحة، التي تسمح بتحرير الأحبال الصّوتيّة لتصل لأقصى طاقتها، وهذا هو باختصار قانون «الإلقاء والتلقّي».
هذا ما قاله لنا الأستاذ في إحدى الحصص في إحدى فترات الرّاحة التي عادة ما تكون عشر دقائق.
عندها قالت «إشراق»:
- ماذا لو بدأنا التّدريب مباشرة في الهواء الطّلق؟، أقصد اختزال الوقت.
ونظرت إلينا محاولة كسب تأييدنا.
- لا تتسرّعي، إذا كانت الأصوات ضعيفة سيصعب تشخيص أخطائها، وبالتّالي يصعب تصحيحها؛ لأنّ الذّبذبة هنا تضيع في كلّ الاتّجاهات، لذلك من الأفضل حصرها في مساحة صغيرة مناسبة، ركّزن معي، أقول مناسبة، لأنّنا حين نقول «الصّوت» نقول «الذّبذبة»، أي باختصار لا يوجد صوت دون ذبذبة تنتقل عبر الهواء، وتقاس بالهرتز (Hz).
كنّا نعاني من كبت صوتيّ تختلف درجته من منشدة إلى أخرى، لأنّنا نستعمل قوّة بسيطة تتناسب طرداً مع كلامنا العادي في حياتنا اليوميّة، لذلك يعدّ الارتفاع بالنّغم شيئاً نادراً لدى جميع النّاس، وبالتّالي إذا أردنا تجسيده لم تطاوعنا أحبالنا الصّوتيّة، إلاّ بعد جهد جهيد، يستهلك فترة زمنيّة تختلف من شخص إلى آخر.
هذا هو تفسير التّفاوت بين المدد اللاّزمة للتّصحيح الصّوتيّ.
ثمّ نظر ناحية «ابتهاج» التي لم تستوعب ما يدور أمامها، فراح يسهب في التّوضيح:
- لو طلبت منكِ الرّكض لمسافة مئتي متر، هل تقدرين؟، أجيبيني بصراحة؟.
- سيتوقّف قلبي قبل خط النّهاية أستاذ.
انفجر الجميع ضحكا، فراح يفكّك فكرته غير عابئ بهنّ:
- لأنّكِ لستِ رياضيّة، عادتكِ بين الأكل والنّوم والدّراسة، فألِفَ جسمكِ هذا منذ زمن، لكنّ فتاة أخرى، رياضيّة، سيبدو لها الأمر بسيطاً للغاية بل طبيعيّاً.
أردف ويداه خلف ظهره:
- حسنا، ما رأيكِ لو قلت لكِ مارسي الرّياضة؟، كيف سيكون حالك بعد عام مثلا؟... ستتعبين في البداية، ثمّ يهون الأمر، غير أنّ خمسمائة متر تبقى صعبة لك، ثمّ بالممارسة ستصبح خمسمائة متر مثل مئتي متر، وهكذا دواليك.
تغيّرت فجأة نبرة صوته، فتوجّه إلينا مباشرة في لهجة أقرب للتّحذير منها إلى الإرشاد:
- لذلك أوصيكنّ بضرورة الحرص على الحضور والتّدريب، هنا معي في الحصّة فقط، وليس في مكان آخر، يجب أن تكون هذه التّمارين قائمة على منهج مدروس، فلا تتغيّبن إلاّ للضّرورة الملحّة، الغياب المتكرّر سيرجعكنّ إلى نقطة الصّفر؛ نقطة البداية، وكلّما تقدّمتنّ خطوة؛ تتقهقرن خطوة؛ زائد واحد ناقص واحد، هل ترضين بذلك؟.
تبادلنا نظرات ممزوجة بالرّفض، لتغتنم «حنان» الفرصة:
- أستاذ، أريد أن أسألك في شيء ربما يكون حسّاسا، لماذا نستعمل آلة موسيقيّة في التّدريب؟، وأنت تقول إنّ الإنشاد لا يكون إلاّ بالصّوت أو بآلة إيقاع.
- حسنا، نحن لا نستعمل آلة موسيقيّة، بل نوظّفها من أجل إعطائنا صوتاً صحيحاً نتّخذه مرجعيّة، لاحظي هنا أهميّة المصطلح، فالدّماغ لا يستطيع الوصول إلى الأصوات الصّحيحة هكذا في الطّبيعة، وهذه الأصوات التي نتدرّب عليها الآن هي حاصل بحث عميق، قام به علماء الرّياضيّات، الذين أوجدوا التّقسيم الصّحيح لها، لدينا سبعة أصوات تتكرّر، كلّما نزلنا أو صعدنا في السّلّم الموسيقيّ، فتتغيّر قيمة الذّبذبة، هذه الأصوات السّبعة هي التي تكوّن المقام الموسيقيّ، إذن يجب توفّر آلة موسيقيّة لا تخطئ، كي نتّخذها مرجعاً سليماً كلّ السّلامة، وإلاّ أصبحت الأصوات التي نعطيها لأدمغتنا على أساس أنّها مرجعيّة، غير سليمة، فنتعلّم الأصوات الخاطئة، ونبني عليها ألحاناً خاطئة أيضا، وإذا كان الأساس فاسداً فكلّ ما يُبنى عليه سيسقط وينهار.
ثمّ توقّف يقرأ وجوهنا.
هممت بالتّدخّل... غير أنّه واصل شرحه بكلّ هدوء:
- نحن مجبرون على الاعتماد على آلة موسيقيّة اقتصاداً للوقت والجهد، لقد انتهى زمن المعجزات، فكيف نكلّم من كان في المهد صبيّا؟.
أعجبني كلامه فقد كان هو المنطق.
ثمّ أضاف واضعاً سبّابته اليمنى على صدغه:
- هناك قاعدة في الفكر الإنشاديّ الحديث تقول «كلّ شيء إلاّ وله أثر»، وهذا يجيب اختصاراً على سؤال يطرحه الكثير من النّاس، لماذا لا نستعمل آلات العزف الموسيقيّة استعمالاً خفيفاً فقط؟.
رفعت يدي قائلة:
- بالضّبط، هذا هو انشغالي أستاذ.
تفحّصتني «سعاد» من أسفل إلى أعلى ثمّ صرفت بصرها عنّي.
- الاستعمال الخفيف يا «إلهام»، معناه غياب حدّ واضح فاصلٍ يمكن الاستناد إليه في تبنّي موقف ما، كلّ واحد إلاّ ولديه قيمة هلاميّة لهذا الاستعمال الخفيف، وعليه فإنّ عدم الاستعمال هنا هو الحلّ الأمثل لحلّ الخلاف جذريّا، دون أن نتوه بين الآراء.
- إذن هو مبدأ؟.
بهذا سألت وأنا أحاول ضبط خماري، فأجابني وهو ينتقل بعينيه من واحدة إلى أخرى:
- يجب أن تعرفوا شيئاً هامّاً؛ نحن...
وأشار إلينا راسماً شكل دائرة عملاقة مثّلنا بها:
- نقف على ركائز تسمّى «العقيدة الإنشاديّة»، هي التي توحّدنا.
وراح يشرح مكوّناتها؛ الجانب الدّينيّ، والفكريّ، والفنّي.
في الأخير تمّ تمييز نوعين من الأصوات في فرقتنا، «مريم» و«مليكة» «آلتو»، والباقي كلّهنّ «سوبرانو»، إلاّ أنّ الأستاذ قال إنّ لديّ خامة صوتيّة فريدة من نوعها.
أنا «سوبرانو»، ولكن... ليس ككلّ «السّوبرانو».
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!