أوراق الشّجر
ولم أخذلها...
لقد حقّقت معدّلاً تجاوز 15.5.
معدّل مكّنني من التّجوّل في المنزل مرفوعة الهامة، دون أن أخشى لومة لائم، وكان سبباً مباشراً في سجودي لله، شكراً على نعمته التي منّ بها عليّ.
ورحت أنتظر العطلة بفارغ الصّبر، حيث غيّر فيها الأستاذ توقيت الحصص إلى الحادية عشرة صباحاً، مضيفاً حصّة إضافيّة لا تتجاوز ساعة واحدة، مثل الحصّة الأولى، جعلها يوم السّبت، قال إنّنا سنخصّصها للأناشيد مؤقّتاً بدءاً من الأسبوع الثّاني.
بعد انتهاء مرحلتي التّصحيح الصّوتيّ وفترة الامتحانات، تفاجأنا بعودة بعض الوجوه السّابقة، فبدا المدرّج ممتلئاً كسابق عهده.
قالت «حنان» دون اكتراث:
- سيُسمعنه زخرف القول غرورا، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
- صبيّ يُستدرج بقطعة حلوى!.
تعجّبت «حبيبة» ضاحكة وهي تعيد ضبط خمارها.
زفرت «إشراق» قلقة في وجه إحداهنّ وكأنّها تريد ضربها، ثمّ قالت لنا متعمّدة إسماعها:
- معكِ حقّ، حين يجهز الطّعام يأتي الجميع بملاعقهنّ دون حياء، لا يجب أن نسكت يا «حنان».
وساندتها «مليكة» بوجه متجهّم، وحاجبين مقطّبين:
- لقد قطعنا شوطاً كبيراً في تصحيح الصّوت، وبذلنا جهوداً من أجل ذلك، كيف يُعقل أن تغيب الواحدة منهنّ دون إذن مسبق ثمّ تخرج فجأة من تحت الأرض؟، كلّنا لدينا دروس وامتحانات وأشياء تشغلنا.
أمّا «ابتهاج» فقد بدت مطمئنّة وهي تمضغ شريحة بيتزا، زُيّنت بالجبن والتّونة، كانت قد احتفظت بها منذ صباح ذلك اليوم:
- سيكنسهنّ مثل أوراق الشّجر، وأنا مسؤولة عن كلامي.
وأتى الأستاذ مستفسراً عن غيابهنّ، فشرعت كلّ واحدة في التّملّق والكذب، لكنّه سرعان ما اتّخذ موقفاً حازما، ظهر في نبرة صوته المتوازنة وعينيه:
- لست أنا من يقرّر، البنات في الفِرقة هنّ من يقبلن عودتكنّ أو يرفضنها.
ثمّ أشار إلينا بيديه الاثنتين وهو ينظر لمجموعة منهنّ:
- هنّ صاحبات الدّار.
- آه يا «ماما سوسو»، لو كنتِ في مكاني وأنتِ تسمعين هذا الكلام!.
هذا ما واجهت به خالتي على مسمع من أمّي.
وغمرتني قشعريرة توغّلت في كلّ ذرّة في جسدي، لقد فرض احترامنا عليهنّ ببضع كلمات، ففرض وجوده أكثر بيننا.
نظرت إليّ «ابتهاج» ثمّ نظرت إلى البقيّة وكأنّها تطلب رأينا، فرفضنا جميعاً إلاّ «حنان»، التي راحت تردّد في نبرة استعطاف:
- اعذروهنّ ولا تغلقن باب الرّحمة يا بنات، رحمة الله وسعت كلّ شيء.
غير أنّ الأستاذ أخذ برأي الأغلبيّة:
- تفضّلوا خارجا، لقد قالت الفِرقة كلمتها وانتهى الأمر.
كان الجوّ مشمساً صافيا يشبه كثيراً فصل الرّبيع، ممّا أغرانا بتجريب قوانا الصّوتيّة في الهواء الطّلق، فشكّلنا في السّاحة الممتدّة أمام المدرّج حلقة كبيرة، حوت ثماني عشرة منشدة، وفق مخطّط تدريب يسمّى «الدّائرة المغلقة»، من أجل سماع بعضنا بعضا، نظراً للفائدة العظيمة منه، وهي تركيز الذّبذبات في منطقة وسط الحلقة، فلا تضيع هباء في الفضاء.
★★★
وواصلنا العمل تماماً كالحصص السّابقة، وقوفاً أمام كراسيّ تمّ إحضارها من قاعة مجاورة، وهذه المرّة غيّر الأستاذ مضخّم الصّوت، لأنّ أصواتنا أصبحت تطغى على المضخّم الأوّل، وهو مؤشّر إيجابيّ أفرح الكثيرات منّا.
استغلّ الأستاذ فترات الرّاحة ليعرّفنا على شيء هامّ طلب تركيزنا الشّديد فيه، وهو رقم الدّيوان الموسيقيّ الذي يجب للمنشدة التّدرّب عليه، بناء على نوعيّة صوتها، فمثلاً صاحبات صوت «سوبرانو»، مثلي أنا، سيجدن أنفسهنّ مرتاحات أكثر في «C4»، أمّا صاحبات صوت «آلتو» فيرتحن أكثر في «C3».
قلت محتارة:
- حسناً أستاذ... لكن إذا تواجد نوعان صوتيّان في الفِرقة، ما الحلّ هنا؟.
- ممتاز «إلهام»، تفطّنت لمشكل يغفل عنه كثير من مشرفي الفِرق الإنشاديّة.
وراح يسير في وسط الحلقة بنشاط:
- دعوني أسألكنّ شيئا، ما الأوْلى؟، الحفاظ على صحّة المنشدات أم الحفاظ على مستوى الفِرقة؟.
مالت «ابتهاج» نحوي هامسة بشيء لم أفهمه، كأنّها تطلعني على رأيها الخاصّ.
نطقت «حنان»:
- صحّة المنشدات أستاذ.
- هل توافقنها الرّأي؟.
- مستوى الفِرقة أستاذ.
قالتها «بثينة» و«سعاد» و«نور الهدى».
نظر إليّ، فخمّنت أنّه يطلب إجابتي، فقلت فورا:
- صحّة المنشدات أستاذ، لأنّ مستوى الفِرقة يتحدّد بمستوى منشداتها ومهارتهنّ في الأداء، وصحّة أصواتهنّ، ولا وجود لفِرقة إنشاديّة إذا غابت منشداتها.
- ممتاز «إلهام»، هذا هو ما أبحث عنه، ستكونين بمشيئة الله مشرفة قديرة، «غراثياس سوبرانو».
وتفرّست «سعاد» في وجهي تفرّس ذئبة، كشفت خلاله عن حقد أسود، بدأ ينمو في قلبها نحوي نموّ الوليد، غير أنّي لم أعبأ بها، وتابعت الأستاذ الذي واصل شرحه:
- ستتضرّر صاحبات نوع «الآلتو» إذا صعدن مباشرة إلى «C4»، وربما لن تكون صاحبات «السّوبرانو» مرتاحات في «C3»، إذن هنا سنقدّم العناء والإجهاد على الضّرر، وتكون التّسخينات الصّوتيّة في «C3» للجميع، هذه الطّريقة الأولى.
ورفع سبّابته اليمنى عاليا، منتظراً مرور أقلّ من ربع دقيقة، حتّى أوشكت على سؤاله، ثمّ رفع الإصبع الأيمن الثّاني، فبدا لي وكأنّه يشير إلينا بعلامة الانتصار:
- وهناك طريقة ثانية... تتمثّل في صمت «السّوبرانو» حين يكون «الآلتو» يتدرّب في «C3»، ثمّ يصمت «الآلتو» حين نصل إلى «C4» مؤقّتا، حتّى تتّسع مساحتهنّ الصّوتيّة.
ورنّ هاتف «بثينة» على حين غرّة.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!