وضع القراءة:

44 زيارات تفتيشيّة

حديثة عهد بالإشراف أنا، ومن غير المعقول أن أواصل سيري دون خبير.
- يختلف بناء الحصّة التّدريبيّة الموجّهة للكبار عن مثيلتها الخاصّة بالصّغار، ويجب ألاّ تحيدي عن هذا مطلقاً يا «إلهام».
أهزّ رأسي موافقة وأسترسل في عبارات التّقوية النّفسيّة، لبناء جسور متينة بيني وبينهم:
- ممتاز «رغد»، أنتِ تقومين بعمل جيّد.
- رائع «عبد النّاصر»، محاولة تستحقّ كلّ التّقدير والاحترام.
- جيّد جدّاً «عفاف»، هذا ما أريده منك بالضّبط.
«كلّ شيء في حياة الطّفل قد يشكّل منعرجاً خطيراً في حياته مستقبلا».
عبارة قالها عرَضاً قبل أربع سنوات من الآن، وما زالت عالقة في ذهني وكأنّه قالها قبل ساعات، لم أتخيّل آنذاك أنّه سيأتي يوم أتعامل فيه معها تعاملي مع نار الفرن.
أضحيت الآن ألعب الدّور الذي لعبه الأستاذ في فترة سابقة من حياتي، أشخّص أصواتهم، وأسجّل «بيانات الرّصد» في دفتر خاصّ كما علّمني؛ مثل مستوى الأداء الصّوتي وما يرتبط به من تنفّس وتردّدات سليمة للذّبذبة، والشّعور بالوزن النفسيّ؛ ويشمل هذا مدى صحّة الصّوت، بحيث يكون سليماً خالياً من عيبي الكبت والانزلاق، ومشكلتي البحّة والنّشاز العرضيّ.
- هل أنا جاهزة الآن؟.
وأضحك على براءتها وهي تسألني بصوت يكاد يكون باكيا، حين وضعت إمضائي على كشف الفحص العامّ للقدرة الصّوتيّة «SV 5».
هذه هي «عفاف»، مرآتي ذات العشرة أعوام.
ثمّ أتحوّل إلى مستوى قوّة الصّوت؛ بحيث يكون تردّد الذّبذبة في قيمته الفضلى قدر المستطاع، وأعرف ذلك بالأزيز الذي يطرق الأذنين، ثمّ مدى سلاسة عمليّة التّنفّس، بحيث تكون عادية خالية من مظاهر التّطوّر الصّوتيّ؛ كرنين استرجاع الهواء، أو السّعال، أو إفراز الدّموع، أو احمرار الوجه.
وأخيراً درجة التّناغم في عمليّات الأداء بين الفرديّ والمجموعة من جهة، وبين أفراد المجموعة فيما بينهم من جهة أخرى، ومدى الشّعور بالوزن النّفسيّ، والقدرة على ترجمته إيقاعيّاً، دون نسيان التّأثير البصريّ، وما يرتبط به من هندام وتفاعل وانسجام جسديّ بين المنشدين.
★★★
- إنّها عمليّات بالغة التّعقيد عزيزتي «بشرى»، كأنّي أرسل صاروخاً إلى الفضاء.
- يتقدّم الزّمن وتتقدّم معه كلّ الأشياء.
- هل كنتم تتدرّبون على هذا المنهج حين كنتِ في الكشّافة؟.
- لا... كنّا نردّد الأناشيد فقط، لا تصحيح الصّوت ولا تمارين لتقوية التّنفّس.
- يا لجمال الشّعور الذي يخالجني «ماما سوسو»، لمّا أجدهم وقد نجحوا في تقليد أصوات الدّيوان الموسيقيّ!، في تسارع غريب لم أعهده من قبل، بل عساي أكون صائبة حين اخترت لهم أنشودة «أحبّا يا قلبي» لفرقة «الأشواق» الجزائريّة، نظراً لمستواهم الذي أضحى يناطح السّحاب.
- فرقة «الأشواق»؟، «محمّد شعيب»؟...
- هل تعرفينها؟.
- طبعاً، من منطقتنا من «بشّار»، من لا يعرفها هناك؟.
وراحت تنشد وهي تحضّر السّلَطة، ثمّ توقّفت:
- فرقة قديمة من التّسعينيّات... لديها فرقة للبنات أتعلمين؟.
وهزّت خالتي رأسها إعجابا.
- ممتاز... في الصّحراء ولديهم فرقة منشدات؟.
- نعم عراقة الفرقة عبّد لها كلّ الطّرق، لو رأيت يا «سميّة» مدى حبّ النّاس لهم.
- حين تتغلغل الثّقة بما يكفي فسيسارع الكلّ إليك، لأنّك الملجأ الآمن.
بهذا أجابتها خالتي، لكنّي أحسست أنّها تقصدني، فأنقش عبارتها في قلبي نقشا، مقارنة حكمتها بحكمته.
★★★
وكلّما تسلّل إلى أنفي شيء من عطره، أيقنت أنّه سيكون هنا بعد لحظات، وحتّى الأطفال تعلّقوا بأبيهم الجديد، فصاروا يسألونني عن موعد مجيئه، ولا أملك إلاّ أن أتذرّع بانشغاله في العمل.
- المشرفة الجيّدة هي من تقلّل من تدخّل هامش الظّروف في عملها، لا تقلقي... سآتي إليكِ من حين إلى آخر.
هذا ما صارحني به مفتّشي، وأنا أرتدي قفّازاتي البيضاء، مركّزاً على بعض الكتب الهامّة في الفكر الإنشاديّ الحديث، التي أوصى بوجوب الاطّلاع عليها، من أجل تشكيل رؤية نظريّة صلبة عامّة، تتأسّس عليها أفكاري، مثل «المنظار في النّقد الإنشادي»، و«تأمّلات في الفلسفة الإنشاديّة»، و«قضايا إنشاديّة» للشّيخ «أبو محمود التّرمذيّ».
وأصبر...
متيقّنة أنّي لا أستطيع بناء المدينة الفاضلة، لكن سأحاول على الأقلّ بناء المهندس والمهندسة، اللّذين سيصمّمان منازلها وشوارعها ومرافقها العامّة.
أنا مسبار وعي ثقافيّ يتشكّل طرديّاً مع شماطة العجوز؛ سأغيّر العالم وأضع بصمتي راسخة في التّاريخ... والله المستعان.
نعم، ليس سهلاً البتّة أن يرتاح لك أصحاب الصّفحة البيضاء، ليس في قدرة أيّ شخص غريب أن يحتضن «عفاف» أو «رغد» الأمّورة، أو أن يعانقه «رشدي» أو «عبد النّاصر» أو «مروان»، ويفصح لك الجميع دون استثناء، عن مشاعرهم وهم في غاية السّعادة والحبور، بل ويبوحون لك آمنين بما يختلج في خلدهم ويدور.
- سأكون مثل الأستاذ.
هذا ما يجاهر به «عبد النّاصر» أمام زملائه وزميلاته متفاخرا، فأتمثّله حبيبي حين كان صغيرا.
آه يا زمن... كلّما توغّلت في التّعليم أكثر، أيقنت ما كان يتكبّده معلّمونا وأساتذتنا من عناء، منذ اليوم الأوّل الذي رافقتني فيه أمّي إلى المدرسة الابتدائيّة، وهي تمسك بيدي، محاولة طمأنتي أن كلّ شيء سيكون على أحسن ما يُرام.
- انتبهي للوريد الوداجي الأيمن.
وأراني إيّاه واضعاً إصبعه على مساحة صغيرة في رقبة «عبد النّاصر»:
- هذا الوريد هو مؤشّر هامّ لبداية التّخلّص من الكبت الصّوتيّ، إذا رأيتِه بارزاً بهذا الشّكل، فهو علامة جيّدة على عمل الأحبال الصّوتيّة، هذا الانتفاخ محمود، لأنّه يدلّ على بذل جهد إيجابيّ في التّصحيح.
- لماذا لا يظهر في طبقات الأصوات الغليظة؟.
- يظهر من صوت «فا» من «C3»، عموما.
وحين يتكلّم يجب أن يصغي إليه الجميع:
- هناك نوعان؛ وريد وداجي ظاهر وآخر غائر، ومن كليهما لدينا اثنان، على جانبي الرّقبة، وظيفتهما نقل الدّمّ من الدّماغ ومناطق الوجه إلى القلب لتصفيته، ثمّ يعود نقيّاً محمّلاً بالأوكسجين عبر الشّريان، لاحظي أنّ ظهور هذا الوريد غالباً ما يكون في الجهة اليمنى بالنّسبة لرقبة المنشد أو المنشدة.
- معنى هذا أنّ بروزه دليل على أنّ المنشد أو المنشدة يبذل جهداً حقيقيّاً في تصحيح الأصوات الصّدريّة؟.
- ممتاز... رغم أنّه عند بعض مدارس الغناء يفسّر بكونه أثراً سلبيّا.
ثمّ أضاف:
- في النّهاية هو أثر فيزيولوجيّ في الرّقبة، لكن كيف يجب أن يُقرأ، هذا هو الإشكال الحقيقيّ.
وحين رنّ هاتفه نزع قفّازيه محاولاً إنهاء الموضوع:
- منهم من يقول إنّ الوريد الوداجي الظّاهر الأيمن أقرب إلى السّطح من نظيره الأيسر، والله أعلى وأعلم.
وما زال يدهشني تواضعه!.
- على كلّ حال... لا تهمّنا هنا التّفاصيل بقدر ما تهمّنا الصّورة العامّة.
وخرج مسرعاً وهو ينظر إلى رقم المتّصل، ثمّ سمعته يقول منشرح الصّدر:
- أنا قادم.
ولا أعرف لمَ أكون سعيدة لسعادته!.
لقد كنّا في مرحلة تسمّى في الفكر الإنشاديّ الحديث مرحلة «تأهيل الذّات»؛ وهي فترة تشرنق، تحضّر فيها الفرقة جيّداً، استعداداً للمرحلة التّالية، مرحلة «تحقيق الذّات»؛ مرحلة المشاركات والتّسجيلات، وكان حريصاً على تذليل كلّ الصّعوبات التي تقف في سبيلي.
كانت تفصلنا نصف ساعة فقط عن نهاية الحصّة حين اكتحلت عيناي برؤياه، دخل مرفوقاً برئيسة الجمعيّة والكاتبة العامّة، التي أرادت ضمّ ابنتها للفرقة، وراحت تشتكي من صوتها الذي يشبه طنين بعوضة.
غير أنّه ابتسم واثقاً وهو يمسح على رأس «عفاف»:
- لا تخشي شيئا، درجة استيعاب الأطفال عالية بمرّتين أو أربع من درجة استيعاب الكبار، وعليه فالنّتائج التي يمكن تحقيقها قد تتخطّى توقّعاتنا، خاصّة إذا توفّرت مادّة إنشاديّة جيّدة المحتوى، ذات لدونة خاصّة.
ونظر إليّ كأنّه يخاطبني مكملا:
- وارتبط المشرف أو المشرفة بعلاقات طيّبة مع ذويهم، بما يضمن استمراريّة سلِسة للتّنشئة والتّوعية والتّربية.
ثمّ أضاف دون أن يشيح بوجهه عنّي، على مسمع من رئيسة الجمعيّة التي شدّها كلامه:
- على مهلك، العمل الجيّد يتطلّب وقتا، لا تتعجّلي النّتائج، الجمهور كتلة من العواطف يستعمل أحكاماً عاطفيّة أكثر منها عقليّة... لا تبن عليه كلّ البناء، ولا تنظري إليه كأنّه ناقد يعرف ما يفعل، هي العاطفة التي تتحرّك، ومن خصائص العاطفة إذا تحرّكت أنّها لا تستطيع ضمان ثباتها واستقرارها تجاه موقف معيّن، لهذا عليكِ بالإتقان والعلم بالشّيء ما استطعتِ... لا تنسي «مزارعي الحديقة الخلفيّة».
★★★
- آه يا «ماما سوسو» لو رأيته وهو يتكلّم أمامنا... كأنّه بروفيسور.
- رأيته الإثنين الماضي، كان برفقة أمّه يتسوّقان، ومرّت بقربهما بعض الكلاب المتشرّدة، وقفت أمامهما مستعدّاً لأيّة مساعدة... كما تعلمون جميعاً أنا الحارس الذي لا يهادن الشرّ.
فينطق أبي وقد غالبه ضحك استصعب كتمه، وهو ما زال يمضغ لقمة صغيرة وضعها في فيه قبل لحظات:
- متزوّج؟.
- لا يا أبي ليس بعد، لقد كان...
وتركلني خالتي من تحت المنضدة تنبيها، قبل أن تنزلق منّي أيّة كلمة ليست في محلّها.
- نعم يا أختي العزيزة، في عينيكِ كلام تريدين قوله.
- أسألكِ شيئاً وأجيبيني دون لفّ أو دوران.
- بالتّأكيد، ولماذا أراوغ؟.
- هل تفعلين هذا كلّه لله، أم لعيني الأستاذ؟.
عبارة ألقت بها «صفاء» على مسمع كلّ من كانوا جالسين إلى المائدة، ونحن نتناول العشاء في مطبخ «بشرى».
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 1 قد أُعذر من أنذر 2 2 ظاهرة تفوّقت على «أمّ كلثوم» 3 3 النّصف الآخر 4 4 حدثَ يوم الخميس 5 5 وزيرة السّعادة 6 6 لست أستاذ موسيقى 7 7 طريقتي الخاصّة في التّرحيب 8 8 ... لكنّه يوظّف الموسيقى 9 9 «سوبرانو» 10 10 مركز الإصغاء 11 11 الخطوات الأولى 12 12 أوراق الشّجر 13 13 تهديد داخلي 14 14 وقاحة أنثى 15 15 ضفاف الاحترافيّة 16 16 تماسّ كهربائي 17 17 تفّاحة المنزل 18 18 مثلّث «برمودا» 19 19 تهديد خارجيّ 20 20 الإنذار 21 21 هروب «بثينة» 22 22 إعصار «باتريسيا» 23 23 نزاهة القاضي 24 24 أنا مشروعه الكبير 25 25 يوم الامتحان... يُكرم المرء أو يُهان 26 26 شكراً جزيلاً... لماء السّماء 27 27 شهادة ميلادي 28 28 حلمي... وحلم أمّي 29 29 خداعٌ أبيض 30 30 مؤامرة عيد الفطر 31 31 لا سلام مع الصّيّادين 32 32 الأرنوبة! 33 33 ثمن العصيان 34 34 حديث مع الملائكة 35 35 شجرة الحزن 36 36 متلازمة الانسحاب 37 37 كيف أنساكِ «سوبرانو»؟! 38 38 مشاريع ارتباط 39 39 الوجه الأنثويّ الجميل 40 40 لا تهيني نفسكِ باسم الحبّ 41 41 هو مشروعي الكبير 42 42 الثّعلوبة 43 43 موقفه يكفي 44 44 زيارات تفتيشيّة 45 45 مراوغة رومنسيّة 46 46 فراء الثّعلب 47 47 طعنة بسكّين المطبخ 48 48 تأخير غير مفهوم 49 49 فستانان لخطبتي 50 50 المجد لنا... نحن الفتيات

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.