وضع القراءة:

تماسّ كهربائي

لم يكن وحده حين أتانا مهرولاً وبطنه الضّخم يرتجّ أمامه، فقد كان قريبه حارس الثّانويّة صاحب الأنف الأفطس، أهمّ شخصيّة التصقت به منذ بدء مزاولة عمله، الذي يُشتبه أنّه عُيّن فيه بمكالمة هاتفيّة.
وتبعهما بعض عمّال الإدارة، وقد انجذبوا لأدائنا انجذاب الدّبّ إلى عسل النّحل.
أتوا ليروا بأنفسهم ما بذلنا أسابيع لتحقيقه؛ قوّة صوتيّة وانسجام تامّ، وتحكّم بديع بكلّ المقاييس.
- رائع أستاذ، عمل رائع، ما هذا؟! ما هذا؟!... «برافو».
وما زال يكرّرها بالفرنسيّة على مسامعنا، وكلّما اهتزّ لسانه بعبارات الثّناء اهتزّ ما برز من جسده، في حركة تناغميّة ما زالت «ابتهاج» تضحك عليها عالياً كلّما تذكّرتها.
- يجب أن نأخذ صوراً لهذا الإنجاز... يجب تخليد لحظات النّجاح أستاذنا، ما الذي أراه أمامي؟!... أوّل مرّة أسمع هذه الأصوات القويّة منذ أن أصبحت مديراً لهذه المؤسّسة التّربويّة، سنكتسح المقاطعة كلّها دون منازع.
ومضى يمسح على بطنه، كأنّه سيتناول خروفاً مشويّا، في حين هزّ الحارس رأسه بشدّة موافقا.
نظر الأستاذ إليهما بريبة.
لم أتبيّن جيّدا كنه ريبته، حتّى جذبه المدير إليه من سترته جذباً تلاءم مع صوته الخفيض، وسرعان ما التصق به محاولاً إقناعه بإلحاح شديد بما لم أستطع إدراكه، مبرزاً في يده اليمنى ورقة يظهر منها جزء كبير من ختمه الدّائريّ، وإمضاؤه الذي يشبه خربشة طفل صغير.
ثمّ رأيت الأستاذ يهزّ رأسه نافيا، في حركة عنيفة غاضبة، تزامنت مع اهتزاز بطن الأوّل بعبارات الثّناء، وهو يهمّ بالانصراف، متبرّماً من الموضوع الذي طُرح عليه، بعدما ألقى نظرات قلقة نحوي.
راح المدير يداري حرجه الشّديد وراء ابتسامة مصطنعة، سرعان ما سانده الحارس بنفاقه المسموع.
قالت «نغم» التي كانت بقربهما:
- لقد رفض طلبه.
- أيّ طلب؟.
تساءلت وأنا أحاول إعادة كرسيّي إلى مكانه، مدارية اضطراب صوتي، فيما راحت حبّات عرق تتسلّل من جبهتي، رغم اعتدال حرارة ذلك اليوم.
- يبدو أنّه يحاول التّأثير على الأستاذ للمرّة الثّانية.
ألقتها «ابتهاج» في وجهي، وسعادة عارمة تغمر وجهها بعد أن رأت إحدى الشّرطيّات تلوّح لها من بعيد.
ولمّا استغربت جملتها قالت:
- قضيّة «سعاد»، سأعود بعد قليل، لقد جاءت «سامية» لزيارتي، إذا سأل الأستاذ عنّي فأخبريه أنّي لن أتأخّر.
- من هي حتّى نخصّص لها قضيّة؟، لا أعرف لماذا تقدّسون حثالة كهذه؟!.
كانت تلك أوّل مرّة أرى فيها «إشراق» غاضبة إلى هذا الحدّ؛ أهي ذاتها التي كانت تستعدّ لارتداء الحجاب؟.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.