48 تأخير غير مفهوم
- متى سيزورنا الأستاذ؟.
- لا أدري «عبد النّاصر» حبيبي... والله لا أدري.
قلتها صادقة وفي نيّتي التّخلّص من سؤاله، غير أنّ تقدّمه نحوي هو ما شجّع «عفاف» على القول:
- وعدني بكمبيوتر إذا نجحت في شهادة التّعليم الابتدائيّ.
عانقتها وقد تذكّرت وعده لي... وانفجرت في البكاء.
- هذا ما حدث «ماما سوسو».
★★★
بعد هذه المشاركة، انسحبت العضوات الجديدات مثلما انسحبت «ابتسام» من حياتي نهائيّا.
أمّا رئيسة الجمعيّة، فكلّما رأتني من بعيد احمرّ وجهها خجلاً من فعلة ابنتها، مكتفية مكرهة بالتّحيّة المسائيّة إذا التقينا وجهاً لوجه.
أمّا هو فغاب عنّي ليغيب عنّي استقراري، وأنا أرى مستوى الأطفال يرتفع دون أن تكون لي القدرة على مجاراته.
عشرات الأسئلة تتدفّق عليّ، دون أن يرسو قاربي في مرسى، فأحاجي نفسي متشكّكة:
- ربما اتّصلت به رئيسة الجمعيّة وضغطت عليه لتزوّجته ابنتها، خاصّة وأنّ هذه الأخيرة على علاقة طيّبة مع والدته، وهو الآن في شهر العسل مع تلك الثّعلوبة، وأنا الأرنوبة، السّاذجة أنتظره هنا كالبلهاء، كالتي تنتظر باخرة في الصّحراء.
ثمّ يتلاعب بي شيطاني أكثر:
- أو... هل اختطفته منّي زميلته الأستاذة؟، يا ربّ السّماوات، هل كان يتلاعب بمشاعري وأنا التي أحببته في صمت؟.
فأفقد الأمل:
- يا لخيبتك العظمى يا «إلهام» ويا لغبائك الشّديد!.
بعد دقائق أستغفر وأنا أفكّ الأحجية:
- لو كان ذلك صحيحاً لعرفت، ولعرف الجميع في الجمعيّة، هذه الأشياء تنتشر سريعاً بين النّساء... أمّا أستاذة الكيمياء، الطّويلة السّمراء، فلم يسمع عنها أحد منذ أن انفجرت عليها بعض المحاليل في مختبر الثّانويّة.
تحجّرت في صدري تنهيدة سرعان ما شقّت طريقها إلى الخروج:
- آه، أين أنتِ الآن يا «ابتهاج»؟.
كانت خالتي -التي أضحت الآن رسميّا أمّي- تحسّ بما أعانيه، ولا تنفكّ تعيد على مسامعي عبارتها:
- إيّاك يا «إلهام» أن تهيني نفسكِ باسم الحبّ، إيّاكِ وإيّاكِ ثمّ إيّاك، ضعي هذا نصب عينيك، الله أرحم بعباده في كلّ زمان ومكان.
- ربما يكون متردّدا، لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله.
- هو متأكّد من شعوركِ نحوه، لكن هذه الأمور تتطلّب عادة وقتا، الرّجال لا يفكّرون مثلنا نحن النّساء.
- تذكّري أنّ «ابتسام» كانت توطّد علاقتها بأمّه.
- الزّواج قسمة ونصيب.
ثمّ تلمع عيناها:
- لن يُعدم حيلة في فتح الموضوع معك، اصبري فقط، أنا متأكّدة من أنّه سيفعل، بمشيئة الله، سيفعل... سيفعل.
ثمّ واصلت في حزم:
- لا تدعي الشّيطان يتلاعب بمشاعرك في لحظات ضعف، «ومن يتوكّل على الله فهو حسبه، إنّ الله بالغ أمره»، ألستِ تقرئين هذه الآية في صلاتك؟.
- لكن «ماما سوسو»، غاب طويلاً هذه المرّة، لم يعد يحضر...
- مجرّد تهيّؤات، كان يغيب عنك من قبل، ليست مرّته الأولى.
- لا أعرف، إحساسي يخبرني أنّ شيئاً ما حدث، ربما... اتّصلي به «ماما سوسو».
- بصفتي...
وصمتّ أفكّر في ذريعة ما، لكنّها أجهضت فكرة كانت ستتشكّل:
- ثقي أنّ دعوتك مستجابة، فإذا أخّرها عنك؛ فلحكمة بالغة لا نعلمها، وإذا منعها عنك؛ فلأنّه علم أنّ فيها ضرراً سيقع، غير أنّه سيعوّضك عنها بشيء آخر.
اقشعرّ بدني وأنا أسمع عبارتها الأخيرة.
- ماذا تقصدين بيُعوّضني؟.
وضعت يديها على وجهي وراحت تشرح:
- ألوهيّة اللّه تقتضي حكمته، أمّا مشكلة الإنسان فتعجّله في الحصول على مبتغاه مهما كلّفه الأمر، ما يدريك؟، لعلّ ما تريدينه شرّ لكِ وأنتِ لا تعلمين، فيمنع الله بحكمته عنكِ حمق دعوتك.
- هل تقصدين أنّ...
قاطعتني مغلقة الموضوع كي لا يمتدّ إلى أفكار جانبيّة أخرى:
- لا تتركي إيمانك يهتزّ ولو جزءاً من الثّانية، هذا قصدي.
- والله لو طلبتِ منّي تسلّق جبال «الهيمالايا» لكان أسهل.
وخُيّل إليّ أنّ الزّمن قد توقّف نهائيّا، وبتّ لا أعرف ما معنى الاستمرار.
يا ربّ السّماوات... سأجنّ... والله سأجنّ.
وأهملت نفسي لأيّام.
★★★
طرقت «بشرى» باب غرفتي المفتوح باسمة:
- مساء الخير جميعاً.
- مساء الخير، يا لحظّنا منك، أصبحتِ مشغولة جدّاً، نترقّبك كهلال شوّال.
- ما بيدي «سميّة»، نحضّر لموسم الاصطياف.
قلت متعجّبة:
- من الآن؟!.
فهزّت رأسها إيجاباً وقد ظهرت على ملامحها آثار التّعب:
- أحسست بدوخة خفيفة فصعدت لأرتاح، وتركت «عبد القادر» في المكتب، قال إنّ لديه برنامجاً عليه تجهيزه مع «خالد» في ظرف ثلاثة أيّام، لأجل طلب تصريح من الوزارة.
- ألف مبروك، أنتِ حامل.
وراحت تقبّلها وسط حيرة «بشرى» وحيرتي.
ثمّ استنار وجهها كالبدر متلوّناً بالأحمر قائلة:
- بشّرك الله بما تحبّين... بشّركما الله بما تحبّان.
وراحت تكرّرها حتّى تلاشى صوتها في الرّواق.
نعم هذه هي خالتي، صاحبة الوجه الألماسيّ، ومستودع الرّقّة والحكمة.
★★★
- أهلاً «إلهام»، أريد التّقدّم لخطبتك رسميّا، إذا كنتِ موافقة سآتي السّبت القادم، الرّابع عشر من مارس إن شاء الله تعالى رفقة والدتي، فكّري جيّداً، أنتظر جوابك الصّريح.
نعم... هكذا... ببساطة شديدة، يقول الله للشّيء كن فيكون.
منحة ربّانيّة تركتني أطلق صرخة فظيعة مدويّة وأنا أمسك برأسي، قرب منتصف اللّيل، بعد بشارة زوجة أبي الثّانية، بأربع وعشرين ساعة، ليُهرع الجميع إلى نجدتي.
في أقلّ من خمس دقائق، كان الباب مرميّاً على الأرضيّة، بعد أن اقتحم أبي الغرفة بجسارة المقاتلين، وخلفه «ماما سوسو» و«صفاء»، وامتزجت مشاعر المفاجأة مع صدمة الاقتحام، فألُجم لساني وأنا أنظر إليه، وعلى وجهه أمارات الفزع، مستعلماً منّي عمّا حدث، دون أن يترك لي أيّة فرصة لإجابته.
أمام قوّة الأثر التي أنستني غريزة الكلام، أراد -وهو يحملني بين يديه- نقلي للاستعجالات، حيث ظنّ أنّي وقعت على الطّاولة الزّجاجيّة، ولم تنقذني إلاّ إشارة يدي أن كلّ شيء على ما يُرام.
ثمّ غلبني الشّوق والبكاء، فارتميت في حضن «ماما سوسو»، أرسل على صدرها كلّ ما جادت به غدّتي الدّمعيّة وما قصّرت وصيفتي، وكأنّي أفرغ الطّاقة الكامنة التي تولّدت من سنوات عجاف قضيتها في الانتظار.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!