مثلّث «برمودا»
يقولون إنّ الشّخص البدين يشغل المكان بجسمه أوّلا، لكن «ابتهاج» تشغله دائماً بآثارها.
- ما أخبار الشّوكولاتة؟، ألن تهديه لوحا؟.
- آه يا «ابتهاج»، نسيت الأمر برمّته، لم يعد له فائدة الآن.
- على رأيك.
لكن سرعان ما عادت الفكرة لتلمع في ذهني من جديد.
★★★
كان كلّ شيء على ما يُرام، حتّى سمعت أصواتاً تتعالى في الإدارة، بمجرّد اقترابي من مكتب الأساتذة.
- أرجوك سيّدي المدير، هذا الموضوع لن يكون مساحة للنّقاش، لقد اخترت وانتهى الأمر، وأعي جيّداً ما أقوم به.
نعم، هذا ما سمعته بصريح العبارة، وكانت «نورة» واقفة أمام النّافذة قرب مكتبها، ترقب ما يحدث بين الأستاذ والمدير، الذي راح يسوّغ له بعض الإغراءات.
- دعنا من هذه المبادئ التي لا تطعم أحدا، ها هو القرار، أريتك إيّاه كي لا تقول إنّي أكذب، ما الذي يزعجك؟، في النّهاية كلّها أسماء، والدّنيا فانية.
يا ربّ السّماوات، أحسست أنّي بحاجة للأوكسجين أكثر ممّا هو موجود في الجوّ.
- آسف، لا يمكن، العمل عمل، ولا مجال لشيء آخر.
- على كلّ حال سأدعك تفكّر، لدينا الوقت، كلّ الوقت، حفل الاختتام ما زال بعيدا.
وأطال الكلمة الأخيرة، ثمّ حين تفاجأ بصرف بصره عنه أكمل مسرعا:
- ولا تنس أنّ القرار له صلاحيّة محدودة.
قالها بنبرة محذّرة، وهو يطوي ذراعيه أمام صدره.
وانطلق جرس نهاية الحصّة.
ارتبكت حين التقت عيناي بعيني «نورة»، وغادرت المكان منسحبة إلى الخلف، لأضيع بين الحشود.
- آه أمسكتك، ماذا كنتِ تفعلين هناك؟.
- لا شيء «ابتهاج»، لا شيء.
- هل تعرفين ما حدث قبل ساعة من الآن؟.
- كلاّ، ومن هذه التي تجرؤ على تحدّي الرّادار؟.
- «إشراق»، تأجّلت خطبتها، والمسكينة الآن في القسم تبكي بحرقة، أعتقد أنّ «باتريسيا»...
لم تكمل جملتها، بل تبعت نظراتي القلقة مباشرة ناحية الإدارة، حين التصقت عيناي بالأستاذ، الذي غادر مسرعاً وفي يده ورقة يتلاعب بها النّسيم، يكاد يمزّقها غيظا.
والتقت عينانا... فتوقّف كأنّه يريد الحديث معي.
تسمّرت مكاني واجمة لا أدري ما الذي يجب القيام به هنا، ثمّ انصرف حين رأى «سعاد» تقترب منّي مع شلّتها.
- ماذا يحدث بالضّبط؟.
تساءلت بهذه الجملة متمتمة.
- مرحبا «سوبرانو»، هل من جديد؟.
تجاهلتها.
- نعم يا «ابتهاج»، أنا معك، ما بها «إشراق»؟.
ألقيت بها في وجهها محاولة صرف انتباهها عمّا يحدث، فواصلت:
- المسكينة، كسر «نزيم» قلبها، كانت تحضّر جديّاً...
- من «نزيم»؟.
- آه يا «إلهام»، الشّاب الذي يأتي لرؤيتها في نهاية كلّ أسبوع، صاحب السّيّارة «BMW» السّوداء، ركّزي معي، ما بك؟.
- لا شيء، أشعر ببعض الإرهاق.
ومددت يدي لأتناول قطعة من الشّوكولاتة الدّاكنة التي أحملها معي.
غير أنّها سحبتني بقوّة قائلة:
- تعالي معي نصعد إليها، أشمّ رائحة قذرة بدأت تنتشر في المنطقة.
وسدّت بإصبعيها فتحتي أنفها، وقد تقلّصت ملامحها فجأة، كمن تعثّرت بجرذ ميّت.
- لديّ ملفّكِ يا برميل النّفط.
غير أنّ «ابتهاج» تملّصت من مواجهتها.
ونظرت إلى «سعاد» التي غادرت المكان منزعجة من تجاهلنا لها، بعدما هدّأتها إحدى الحرباءات.
- قرار تأجيل خطبتها لا يمكن أن يكون عفويّا، يقول إنّ والدته قد توفّيت بسكتة قلبيّة.
- رحمها الله، وما الغريب في ذلك؟.
- لا أعرف، لكن من النّاحية الفيزيائيّة، هناك خلل.
ثمّ تجشّأت فحمدت الله، وارتسمت آثار الغبطة على وجهها الذي يزيد امتلاء يوماً بعد يوم.
★★★
في القسم كانت المسكينة في حالة يُرثى لها، وحولها «آسيا» و«زينب» و«نغم» يحاولن التّخفيف عنها بمشقّة.
لم نكن نعرف أنّ «نورة» كانت خلفنا تماما، وما إن رأتني حتّى همست لي:
- أحتاجك في الإدارة لاحقا.
وراحت تواسيها محاولة كشف خيوط الموضوع.
- آه يا «ماما سوسو»، وجدت نفسي ضائعة بين أضلاع مثلّث، الأستاذ والقرار الذي أجهل فحواه، نظراته لي ومحاولة حديثه معي، ثمّ عدوله عن ذلك في آخر لحظة، و«سعاد» التي تريد استفزازي أمام الطلبة والطّالبات.
كنت ملقيةً رأسي على صدرها، أحاول إخراج ما تراكم في نفسي من ضغوط، ولا أدري كيف ارتبط مثلّث الإيقاع الذي كان الأستاذ يشرحه في الحصّة، بمثلّث الضّغط الذي وجدت نفسي محشورة بين زواياه.
- لاحظن هذا، سرعة اليد الظّاهرة في حركتها هي التي توحّدنا جميعا.
ورسم شكل مثلّث مع ضلع زائد في الهواء بيده اليمنى، ثمّ أردف وهو يقف:
- في اليد اليمنى الحركة الأساسيّة للوزن، وفي اليسرى مرآته، يعني أنّكنّ ترين في اليد اليسرى شكل الإيقاع الحقيقيّ الذي من المفروض أن ترسمنه أنتنّ في الهواء، تابعن دائماً حركة اليد اليمنى، لأنّها تقدّم سرعة الإيقاع التي يجب احترامها.
بدا كلامه واضحاً دون أيّ لبس، أمّا عند التّطبيق فالأمر يختلف من واحدة إلى أخرى.
عانت «ابتهاج» من معرفة الزّمن الصّحيح لتنخرط في الأداء مع المجموعة، مثل «فريال» التي كانت تحرّك لسانها اقتداء بالأخريات.
- لا ترضخن لضغط المثلّث، أنتنّ من تتحكّمن في زواياه.
يا ربّ السّماوات، كأنّها شيفرة وجّهها لي كي لا تنتبه باقي المنشدات.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!