أنا مشروعه الكبير
كان عليّ أن أتحمّل الميكانيكيّ الذي أضحى يمنّي نفسه بقطعة أرض فوق القمر، كلّما مررنا أمامه.
- يبدو أنّه يهمّ بخطبتكِ بعد إعلان نتائج «البكالوريا»، إنّه يستعدّ، لقد زاد تعلّقاً بك بعد ارتدائكِ الحجاب الشّرعيّ، انظري... حتّى رائحة عرقه المقزّزة زالت، يا حلاوة... وكأنّه مدير شركة.
- سبحان الله في خلقه، هذا ما قالته لي «صفاء» البارحة.
- إنّه يحبّك... سيعاملك مثل أميرة «ويلز».
ألقتها في أذني كمن تبوح بسرّ عظيم بصوتها العذب، فرددت بغيظ:
- هاتف أمّي لا يهدأ أبداً من اتصالات والدته المصون، ساعة كاملة وهي تبارك لها ارتدائي الحجاب، وكأنّي كنت كافرة.
أطلقت «ابتهاج» ضحكة لفتت بها انتباه جميع المارّة في الشّارع، ثمّ وضعت يدها على فيها.
- دعيه يغرق.
وشردت منشغلة بالأهمّ، بما قاله لي قبل عرضنا الأوّل بلحظات:
- «إلهام» أنتِ مشروعي الكبير، لا تخذليني.
هناك شيء آخر طبخناه منذ أشهر على نار هادئة، وسيستوي الآن... أيّام قليلة تفصلنا عن الحفل.
★★★
قرّرت إهداءه لوحاً من الشّوكولاتة في آخر يوم للتّدريبات، كي يتذكّرني... حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولا.
- مجنونة، نحن في رمضان هل تتوقّعين أنّه سيفطر على شيء مرّ؟، سيضعها في الثّلاجة ثمّ ينساها، وربما ألقاها من النّافذة، هذا طبعاً إذا لم تجديها قد ذابت، لا تنسي، نحن في الصّيف.
وراحت تضحك بشدّة، وسط نظرات «حبيبة» و«إشراق» والأخريات.
- لا أعتقد أنّكِ صائمة اليوم «ابتهاج».
هزّت رأسها نافية.
كنّا في المدرّج ننتظر حضور الأستاذ الذي كان في لقاء مع المدير، وما إن رأت جزعي منها، حتّى أتبعت كلامها بجملة أخرى، تنضح بجرعة عالية من الإحباط، وتحمل بذور الشّوك:
- لماذا تصرّين على إعطائه شيئاً تحبّينه أنتِ فقط؟، أين الدّيمقراطيّة في هذا؟.
- لماذا تقولين أنتِ هذا؟، ما دخل الدّيمقراطية في موضوعنا؟، يا حفيظ.
- لماذا لا تغيّرين عادتك؟.
- أيّ عادة؟.
- إهداء الشّوكولاتة.
- ما بك اليوم معي «ابتهاج»؟، هل هناك خطب ما؟.
حدّقت بي قليلاً كأنّها تريد قول شيء ثمّ تراجعت في اللّحظة الأخيرة حين دخل الأستاذ.
في تلك الحصّة، وضع كلّ منشدة من مجموعة الإسناد بجانب منشدة أخرى لا تنتمي لذات المجموعة؛ أي أنّه وزّع الكتلة الصّوتيّة قدر ما استطاع، وهذه الطّريقة العبقريّة تسمح بالتّغطية على الأصوات التي ما زالت لم تتقوّ بالشّكل المطلوب، أو تأخّرت لسبب آخر خارج عن السّيطرة.
هنا لن يسمع الجمهور سوى الأصوات القويّة الصّحيحة، ممّا سيحافظ على ماء وجه المنشدات، كما تفيد المنشدة الضّعيفة كثيرا، إذ تجد إلى جانبها نموذجاً ممتازاً للاقتداء به:
- سيتذكّر الجمهور بداية الأنشودة ونهايتها بصفة خاصّة، لذلك احرصن على تقديم أفضل ما لديكنّ، أنتنّ منشدات، ويجب أن يلمس الجمهور ذلك.
ظهرت علينا علامات وجل، فقال مشفقا:
- لا ترتعبن، لا تخشين شيئا، غداً إن شاء الله سنواجه من يجب أن نبرهن أمامهم على مصداقيّتنا، من يجب أن نصدمهم صدمة جميلة، إذا تلعثمت أيّة واحدة فيكنّ أو اختلطت عليها الكلمات، فلتمرّ مباشرة نحو الكلمات الموالية، لا تنسين أنّ هناك وزناً وإيقاعاً يحكمنا جميعا، يجب أن تسايرنه على النّحو الأمثل، إيّاكنّ والنّظر لبعضكنّ البعض، هذا الفعل بالذّات سيدفع المتفرّجين إلى الاعتقاد أنّ شيئاً ما ليس على ما يرام.
كانت كلّ العضوات تنصتن باهتمام شديد، وراح يواصل:
- «جاهزيّة الفرقة» تنقص إلى خمسين بالمائة أمام الجمهور، بسبب عاملي الرّهبة والتّخوّف من حدوث طارئ.
- يا إلهي العادل، هل معنى هذا أنّ كلّ تعبنا ذهب أدراج الرّياح؟.
- توكّلي على الله دائماً «إشراق»، سأكون معكنّ، صدّقيني... سيختفي شعور الخوف مباشرة في اللّحظات الأولى التي نبدأ فيها، جوهر المشكل نفسيّ بالدّرجة الأولى، أصدقن النيّة لله وحده، لقد أخذنا بالعلم، فلنتوكّل عليه، إنّه يحبّ المتوكّلين... لن يخذلنا، ومن المستحيل أن يخذلنا، يجب أن نترك أثراً بليغاً في النّفوس، أثراً لا يُنسى مطلقا.
- لكن أستاذ، أوّل مرّة أواجه فيها جمهوراً مثل هذا، الطّلبة والأولياء والسّلطات، شيء مرعب بحقّ.
ردّت عليه وهي تمسح جبهتها من العرق، محاولة تعديل خمارها بما يتناسب مع المساحة الممسوحة، ومطاردة قطرتين اتخذتا انحناء أنفها ملاذاً لهما، بينما نظرت إليّ «ابتهاج» هامسة بحسرة:
- سأطهر اليوم أو غدا، ويوم الحفل سأكون صائمة، سأتضوّر جوعا... سأتوتّر... أنا أعرف نفسي، سيتوقّف قلبي وأسقط على الخشبة يا فتيات، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله.
وراحت تكرّر الشّهادة وهي تتلمّس مكان قلبها، ولأنفاسها أزيز كأزيز محرّك السيّارة الهرم.
- ليس هناك ما يستدعي كلّ هذه الكميّة من القلق والتّوتّر.
قالها الأستاذ وهو ينظر إلينا مخاطبا، أو بالأحرى ينظر إليّ، ثمّ أردف محذّرا:
- إيّاكنّ والهواجس، سيتمّ تكريم المتفوّقين والمتفوّقات، والأساتذة البارزين والمحالين على التّقاعد، سيتمّ تكريم البعض منكنّ، أين الشّجاعة؟، أنا أقول إنّ لديّ لبؤات.
وانتفضت لهذه الكلمة:
- أنا معك أستاذ، والله لن نخذلك.
نكزتني «ابتهاج» قائلة:
- سنكرّم قبل إعلان نتائج «البكالوريا»؟.
خطفت الكلمة منها:
- ستكون معنا فوق المنصّة؟.
قلتها وقد تغيّر صوتي الذي خانني أمامه.
- طبعاً «إلهام»، أنتنّ بحاجة إليّ هناك أكثر من أيّ مكان آخر، لن أتخلّى عنكنّ مهما حدث.
قالها وهو يركّز نظراته عليّ مباشرة هذه المرّة، فاستأنست بعينيه اللّتين زادتاني ثقة أكثر من استئناسي بتطميناته.
يا الله على بلسمي وترياقي، يا الله على عمق إحساسي بأنّي الوحيدة المقصودة بتلك الكلمات.
وراودني يقين غريب أنّه لن يتخلّى عنّي مطلقا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!