لست أستاذ موسيقى
يوم الثّلاثاء تربّعت على عرش سعادتي، حين أكّدت «ابتهاج» أنّها رأته البارحة يتحدّث مع المدير، وقالت إنّه يبدو شخصاً جيّدا؛ متوسّط الطّول، قويّ البنية، قمحيّة بشرته تكاد تلامس أخفّ درجة نادرة من السّواد.
طوال الطّريق وأنا أفكّر في لوح الشّوكولاتة الدّاكنة الذي أحضرته معي، كهديّة ترحيب، لكن ما إن ذكرت هذا أمام «ابتهاج»، حتّى قفزت وكأنّ مسّاً شيطانيّاً أصابها:
- إيّاك يا مجنونة؛ من ذا الذي يأكل شوكولاتة بمرارة العلقم؟، في هكذا مواقف نقدّم أشياء سكّريّة المذاق.
وراح لعابها يسيل حول شفتيها، وهي تواصل عرض نظريّتها:
- كي يأخذ عنكِ انطباعاً جيّدا، فأل حسن إن أردت، من حسن حظّكِ أنّنا وحدنا.
- أهذا رأيكِ بصراحة؟.
قلتها متردّدة، متمنّية لو تتذكّر شيئاً على حين غرّة، فتسعدني بتغيير موقفها، لكنّها أجابت بعينين مغمضتين وهي تهزّ رأسها بسرعة السّلحفاة:
- نصيحة أخويّة.
★★★
أمام مدرّج الثّانويّة، وجدنا ثلاثة طلاّب فقط، «محمود» و«عبد الكريم» و«رضا»، والباقي كلّهنّ طالبات، حوالي خمسين فتاةً كنّ ينتظرن بالدّاخل، حتّى أنّ الأستاذ نفسه كان مندهشاً من هذا الإقبال الضّخم.
كان منظر الحاضرات يخيفني، جلس الذّكور وحدهم في جهة، ونحن البنات نحتلّ كلّ شبر تقريباً من المساحة الباقية.
- هل يمكن أن أفرض نفسي بين كلّ هؤلاء؟.
تتكرّر هذه العبارة كثيراً في داخلي، وأنا أتأمّل هذا الجمع الذي أغلبه من المحجّبات؛ حجاباً شرعيّاً بلباس فضفاض يستر كامل البدن، وخمار منسدل إلى ما تحت الكتفين، وأخريات مثلي، بخمار يعلو لباساً فضفاضا، يصل إلى ما تحت الرّكبة بقليل، يكشف عن سروال جينز أزرق اللّون، عالي الجودة، من علامة «إيفرلان»، كثيراً ما أتشاجر مع أختي بسببه.
وهناك بعض الطّالبات اللاّتي كان النّسيم العليل يداعب شعورهنّ على فترات متقطّعة، مثل أختي «صفاء»، التي قالت لأمّي قبل أيّام، حين أشارت عليها بارتداء الخمار على الأقلّ:
- لماذا العجلة؟، ما زلت صغيرة، دعوني أتمتّع بطفولتي.
- اضبطي هندامكِ جيّداً يا بنت.
تقولها بخطاب جنرال، ثمّ تتوسّع بالتي هي أحسن:
- إذا كنتِ تريدين من النّاس أن يحترموك، فاحترمي نفسك، لا أريد أن يتحدّث عنكِ الجيران بسوء، السّمعة مثل الرّائحة.
فتجيب سرّاً وقد أُقنعت جزئيّاً:
- أنا في وزن الرّيشة، من سيحدّق بي؟.
بصعوبة جلسنا أربعتنا في صفّ الطّاولات الأوّل، متلاصقات كقطع الجبن.
كان المدرّج دافئا، وكنت متلهّفة على رؤية هذا الأستاذ، وكأنّ مغناطيساً يجذبني إليه، وبدا لي أنّ الكلّ متلهّف لرؤيته مثلي، ثمّ انتابني إحساس داخليّ، سرعان ما تطوّر إلى هاجس غيابه لطارئ ما، والتفتّ نحو «ابتهاج» التي عاجلتني بالقول:
- لا تقلقي، رأيت سيّارته متوقّفة في الخارج، من المؤكّد أنّه الآن مع المدير في مكتبه.
وقفت إحدى الطّالبات عند باب المدرّج، ثمّ هتفت فجأة:
- إنّه قادم.
وجرت نحو مقعدها في حركة رشيقة، بدت حركات «ابتهاج» أمامها تصويراً بطيئا.
دخل علينا نشيطاً مسلّما، ورائحة عطره تغمر المكان، فرددنا السّلام جميعاً بصوت واحد، ثمّ ساد الصّمت، ترقّباً لما سيقول:
- يمكنكم مناداتي «سمير»، فقط، دون تكلّف، أنا موجود هنا لخدمتكم.
بصوت رتيب جميل جمال وجهه، ثمّ سار بضع خطوات مردفا:
- أنا لست أستاذ موسيقى؛ أنا هنا لأعلّمكم «فنّ الإنشاد»، تذكّروا هذا جيّدا، «فنّ الإنشاد»، الموسيقى جذع مشترك لجميع الفنون الغنائيّة الموجودة في العالم، الدّينيّة وغير الدّينيّة؛ الدّينيّة مثل «المزامير» عند اليهود، و«التّرانيم» الكنسيّة، وغير الدّينيّة مثل «الحوزي»، «الجاز»، «الريغي»، «الكاونتري»، «الروك»، «المارياتشي»، «السّلو»... إلخ، هذا على سبيل المثال لا الحصر.
أدهشنا كلامه الذي يبعث على الاطمئنان، يا ليت كلّ أساتذتنا يتمتّعون على الأقلّ بجزء بسيط من هذه الشّفافيّة.
همست «آسيا» ببراءة الأطفال، وهي تتلمّس شعرها المجعّد:
- أين أستاذ الفلسفة المتكبّر الآن ليرى ما نراه ويسمع ما نسمعه؟.
فطأطأت «ابتهاج» رأسها مستميتة في كتم ضحكتها.
ثمّ سمعته يسأل:
- من درس أو درست الموسيقى؟.
رفعت بعض البنات أياديهنّ مع أحد الطّلبة، أمّا أنا وأخريات؛ فاكتفينا بالفرجة، وقد تملّكني تشاؤم تبدّد وأنا أسترجع أنّي هنا لأتعلّم، ويجب أن أتعلّم، مهما كلّفني الثّمن.
يجب أن تساهم المرأة في تشكيل العالم، يجب أن تضع بصمتها في كلّ ميدان تستطيع الخوض فيه.
ثمّ سأل عن المنشدين الذين نعرفهم:
- من تجيب أو من يجيب... أرجو أن يعرّفنا على اسمه.
قالت «حنان»:
- «أحمد أبو خاطر»، وأستمع كثيراً للمنشد «مشاري العرادة» وخاصّة سلسلته «يا رجائي».
وقالت «ابتهاج»:
- «أبو الجود»، «عبد المجيد الفوزان»، «مشاري العرادة»، «سعد الغامدي».
فيما لم تحدّد «إشراق» أيّ اسم.
وهمست «بثينة» بحياء:
- «موسى مصطفى».
وأضافت «زينب»:
- «أيمن الحلاّق»، «معتصم العسليّ»، «يحيى حوى».
ثمّ نطق «محمود» دفعة واحدة:
- «أبو راتب» «أبو الجود» «أبو محمود التّرمذي».
وتوالت أسماء الحضور والفنّانين.
أمّا أنا فكنت محتارة، لا أدري ما الذي يجب عليّ قوله، خطر لي اسم «سيلين ديون»، لكنّه حين نظر إليّ أجبت فورا:
- «سامي يوسف».
كان ألبومه «المعلّم» ما زال يعرف رواجاً كبيرا، وهو ما أدخله عالم الإنشاد من بابه الواسع، لكن فاجأنا الأستاذ بقوله:
- «سامي يوسف» ليس منشدا، إنّه مغرّد، مثل «ماهر زين».
فصمت الجميع مشدوهين لمدّة خلتها ربع ساعة أو أكثر، راح الأستاذ يوضّح فيها بإيجاز ما حدث:
- سجّل «سامي يوسف» ألبومه الأوّل «المعلم» بالإيقاع فقط، في فترة حرجة في تاريخ الإنشاد، وهي سنة 2003، كان ألبوماً مميّزا، لم يعرف جمهور الإنشاد مثله من قبل، خاصّة بعد تدعيمه بفيديو كليب نموذجيّ، مثّل نقلة ثوريّة، فوجد نفسه وسط العائلة الإنشاديّة.
قفزت «ابتهاج» من مكانها:
- الذي عُرض في «إقرأ»؟.
ردّت عليها بعض الأصوات:
- «mbc».
- لا بأس، «إقرأ» أو «mbc»، ما يهمّنا هنا أنّ «سامي يوسف» مغرّد وليس منشدا، و«التّغريد» فنّ غنائيّ يشبه فنّ «الإنشاد» يؤدّى بآلات العزف الموسيقيّة، أمّا «الإنشاد» فيؤدّى بالصّوت فقط، أو بآلات الإيقاع، مهما كان نوعها، ركّزوا معي... سنة 2003 سنة محوريّة في الفكر الإنشاديّ، بدأ يعرف نموّاً في بداية القرن الحادي والعشرين بسبب العالميّة، وتشابكها مع العولمة، ثمّ ظهور الحركات الإنشاديّة العالميّة، مثل حركة «الفجر الأخضر»، وحركة «البراعم»، وحركة «المقام الجديد».
ثمّ تابع مستطرداً بحركة من يديه:
- لا تشغلوا تفكيركم بمعلومات لا تحتاجونها الآن؛ لا تتعجّلوا طلب العلم.
ونحن ننظر ولا نملك سوى النّظر، مبهورين بهذا العمق الذي يتجسّد أمامنا عن شيء كنّا نراه في الفضائيّات ولا ندرك خباياه.
- سنركّز في الأيّام القادمة على تصحيح الصّوت، وتقويته بطريقة علميّة، هنا في المدرّج.
ونظر عالياً في الفضاء:
- أعتبره مقرّاً نموذجيّاً للتّدريب، شيئان... أحبّ توكيدهما لكم.
ورفع سبّابته اليمنى مساوياً بينها وبين وسطاه، ثمّ اشترط ضامّاً راحتيه إلى بعضهما:
- أوّلا؛ في الحصّة أرجو أن تضعوا هواتفكم على الاختيار الهزّاز، ثانياً؛ لا أقبل التأخّرات، لاحظوا أنّنا حين نتحدّث عن الوقت فإنّنا نتحدّث عن الدّقّة، لأنّ التّدريبات يجب أن يقوم بها الجميع في وقت واحد، ثالثاً؛ لا أقبل الغيابات إلاّ للضّرورة الملحّة، كي لا يتقدّم طلاّب عن طلاّب.
لكنّه ابتسم مواصلا:
- لا تقلقوا، سنتوقّف في فترة الاختبارات، ولا سيما اختبارات نهاية السّنة لحساسيّتها بطبيعة الحال، ونتدرّب حتّى في عطلتي الشّتاء والرّبيع.
قلت في نفسي:
- ممتاز، هذا معناه ارتياحي الكامل من عبارات أمّي المملّة حول ضرورة المراجعة.
انتبهت لكونه ظلّ واقفاً طول مدّة حديثه، ينتقل بنشاط من مكان إلى آخر، على امتداد المساحة الأماميّة للمدرّج.
★★★
ثمّ أتت اللّحظة التي قال فيها شيئاً مميّزا:
- الصّوت هو الأساس في كلّ الأناشيد، هو الأداة التي تبرز كلّ مكوّنات النّشيد أو الأنشودة، كالشّعر واللّحن والتّوزيعات، أي باختصار؛ إذا توفّر لديكم صوت سليم، فبالآهات فقط ستطربون المستمع، دون حاجتكم للكلمات.
رفعتني عباراته إلى أعلى قمّة في جبال «الهيمالايا»، وانتظرت أن يسأل عن صاحبات الأصوات الجميلة، أو على الأقلّ أن يسمع أصواتنا فيحكم بنفسه فأتلّق... لم يفعل، فتسلّلت إلى أعماقي بعض الخيبة.
غير أنّه أردف مباشرة:
- سنخصّص حوالي شهرين، لتمارين تصحيح الصّوت، وتقويته دون التّعرّض لأيّة أنشودة، وأكرّر؛ دون التّعرّض لأيّة أنشودة، بمعدّل حصّة واحدة أسبوعيّا، ما سيكون مجموعه إن شاء الله ثماني حصص، نحاول استغلال كلّ ثانية فيها.
نظرت «ابتهاج» نحوي متعجّبة:
- معناه أنّنا لن ننشد؟.
نظرت يميناً ويسارا لألتقّى نظرات تشي بعدم ارتياح عند الحاضرات؛ أسلوب العمل هذا يبدو مخيفا.
قالت «آسيا» أنّ الأمر لم يعد يعنيها، وبناء عليه لن تعود مرّة أخرى إلى هنا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!