31 لا سلام مع الصّيّادين
تقترب السّاعة الآن من الحادية عشرة صباحاً.
بدأت الزّغاريد تُسمع جليّاً أمام منزلنا، ثمّ رنّ جرس الباب فخفق قلبي.
أومأت لي أمّي بالذّهاب كي أحضّر نفسي، كنت جاهزة تقريباً، تنقصني بعض اللّمسات الخفيفة، ومتوتّرة جدّاً أمام المرآة، حيث انعكست صورة «صفاء» وهي تطمئنني بروتوكوليّا:
- خطبة غير رسميّة، باستطاعتكِ الرّفض، لا تتوتّري «إلهام».
فقلت بإصرار وأنا أغلق أزرار الفستان:
- والله العظيم لن أتزوّجه مهما فعل من أجلي.
فقالت «صفاء» بمكر واضح على وجهها:
- كوني مهذّبة مع أسرة زوجك.
جملة استفزّتني كي ألتفتَ إليها مستنكرة لامبالاتها الطّفوليّة، فعاجلتني:
- ستنتحرين مثلما نراه في أفلام السّينما؟، يا سلام... ويبكي الجميع عليك بالمناديل.
وأنا أجلس ثانية أمام المرآة، وشوشت لها:
- من أجل ميكانيكيّ لا يتجاوز ذكاؤه درجة حرارة الغرفة؟.
أرجعت المشط إلى مكانه متحمّسة:
- إذا كنتِ تخطّطين للهروب من النّافذة فسأساعدك في النّزول، ما فائدة الأخت إذا لم تساعد شقيقتها في ظروف صعبة كهذه؟!.
- لن أهرب... هم من سيهربون.
ارتسم على وجهها اهتمام بسيط، بدأ يتعاظم كلّما مرّت الثّواني ولم أجبها بشيء.
- آهٍ لو تعرفون ما ينتظركم؟...
ما كدت أكمل جملتي في نفسي، حتّى دخلت خالتي فجأة علينا تستعجلني بحركة تشجيعيّة من يدها:
- هيّا «إلهام»، لا تتركيهم ينتظرون كثيراً.
ثمّ أمسكت بكتفي وقد لامست نبرتها نبرة الدّيبلوماسيّين:
- لن يجبرك أحد على الزّواج، الرّأي الأخير لكِ وحدك، وسيبقى لكِ وحدك، هذه حياتك الخاصّة، سبحان الله!.
نهضت من مكاني:
- تذكّرا شيئاً واحداً سيكون هامّا لكما، لست أنا من بدأت الحرب، لكن أنا وحدي... من ستنهيها.
تبادلتا النّظرات، وعلامات الضّياع والحيرة مرسومتان على وجهيهما رسما، وقبل أن تتكلّم «ماما سوسو» قلت:
- يقولون إنّ القهوة مفيدة جدّاً للبشرة، هل الصّينيّة جاهزة؟.
واقتحمت المطبخ، لأجد «أيّوب» يتناول المثلّجات، وقد وضع أمامه قناع «باتمان».
ما إن رآني حتّى قال بحماسه المألوف:
- أعلم أنّكِ لستِ راضية، لست مغفّلا يا أختي، لو احتجتِ مساعدة من أيّ نوع لا تتردّدي، «باتمان» هنا في خدمتك، أنا الحارس الذي لا يهادن الشرّ، لن أتخلّى عن مبادئي.
- كن جاهزاً للتّدخّل؛ هم من سيكونون بحاجة للمساعدة.
- إذن سأحضر الرّداء الأسود.
وانطلق راكضا.
- آهٍ لو تعرفون ما ينتظركم؟، سأجعلكم تندمون...
ورحت أكرّر ذلك مجدّداً في نفسي استئناسا، وأنا أرى خلسة حاشيته التي جلست متربّصة في الصّالون، مسرورات كأنّهنّ نجحن في اصطياد حمامة.
★★★
دخلت مطأطأة الرّأس دون إلقاء السّلام، أسير في خطوات متقاربة متثاقلة، متظاهرة بالحياء، وما إن رأتني أخته حتّى قفزت نحوي تريد تقبيلي عنوة، وتبعتها أختها الثّانية، لكنّ اندفاع أمّه نحوي بدّد طاقتهما:
- يا سلام على عروستنا القمر، الله أكبر، الله أكبر.
- الله أكبر عليكم، هل تظنّين أنّي أضحية العيد؟.
أرادت تغطية جزعها بابتسامة صفراء، فاستغلّيت تراجعها إلى الخلف وتظاهرت بالتّعثّر بطرف فستاني، وألقيت على وجهه وملابسه البيضاء الجميلة، كلّ ما ثقلت به الصّينيّة.
ثمّ اقتحم «أيّوب» الصّالون في حركة بهلوانيّة، مرتدياً بزّة «باتمان»، ممّا زاد من ارتباكهنّ؛ فراحت إحدى شقيقتيه تصرخ طالبة النّجدة، بينما أرادت الأخرى الفرار، غير أنّ «أيّوب» كان قد سدّ مدخل الباب رغم جسمه الضّئيل، فبدا كقطّ شرس استُنفر من هجوم كلب عليه.
عمّ المكان هدوء حذر.
ثمّ انصرفوا كلّهم دون كلمة واحدة، بعدما تبادلوا بعض الإشارات البصريّة، آخذين معهم باقة الأزهار، وألقت التي كانت تطلب النّجدة قبل قليل نظرة حائرة على «أيّوب»، وهي تمرّ بجانبه مرتعشة.
كان وجه الميكانيكيّ كالحا، ممتقعاً بلون أحمر يشوبه سواد، وهو يواجه سهام نظرات والدته المصون.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!