حلمي... وحلم أمّي
- «كونيتسيوا أوتوسان».
صحت بها باليابانيّة على مسمع من المارّة، وهي ترجمة لعبارة «طاب يومك يا أبي»، ثمّ أضفت حين سمعت ضحكته:
- أين أنت؟.
- في العمل طبعاً، أين سأكون؟، ما الجديد لديك؟.
- ظننتك ما زلت معلّقاً على الحائط، على كلّ حال أنا ذاهبة لاستطلاع الموضوع، الموقع معطّل.
وأفلتت منّي ضحكة في وسط الشّارع أمام أعين المشدوهين، أخفي بها قلقي، وأداري بها شوقي للقاء من أنتظر سماع صوته منذ أيّام.
يوم التّاسع من جويلية 2016، يوم سيبقى محفوراً في ذاكرتي.
- نحن هنا منذ الصّباح، ننتظر قدوم المدير الذي ذهب إلى مديريّة التّربية، لإحضار قائمة النّاجحين، لقد تعطّل الفاكس والموقع.
هذا ما صرخت به «حبيبة» في الهاتف، فتركت الأكل على المائدة، وانطلقت أسابق الرّيح، محاولة خلق توازن مناسب بين سرعتي وهاتفي الذي شرع في الرّنين، ليشير إلى أبي اليابانيّ الذي يسأل مشفقاً عن النّتيجة، بنبرة اجتمع فيها التّرقّب والتّشكّك والتّخمين.
★★★
في السّاحة، وبالضّبط أمام منطقة سعادتي، وجدت «ابتهاج» مع بعض الصّديقات اللاّتي رحن يطلقن زغاريد امتزجت بعبرات الفرح:
- 15.78.
- ألف مبروك، معدّل جيّد كي تدرسي الصّحافة، أليس كذلك؟.
قلتها وعيناي تتسلّقان القائمة، غير أنّها بادرتني:
- ألف مبروك لكِ أيضا، اسمكِ هناك في القائمة الثّانية، والمعدّلات عند المدير.
ثمّ همست مراوغة:
- انتبهي، موجاتي تراقب عينيك.
تجاهلتها وأنا أرى اسمي مكتوباً في أعلى الجدول، وهو ما جعلني أرفرف باحثةً عن الأستاذ، ولمحت المراقبة «نورة» قادمةً نحوي مسرعة من بعيد، صائحةً وسط السّاحة:
- «سوبرانو»... ألف مبروك، 15.25، ألف مبروك.
ثمّ تغيّرت نبرتها:
- للأسف «إلهام»، لقد غادر الثّانويّة نهائيّا، لا أستطيع إخبارك بأكثر من ذلك.
هذا ما بادرتني به قبل أن أسألها.
- هل تعرفين أيّة وسيلة اتّصال معه؟.
- هاتفه الجوال؟، لا أستطيع تقديمه، «فيسبوك»؟، لديه واحد لكنّه مغلق حاليا، حدثت بعض المشكلات بينه وبين المدير... لا تخبري أحداً أنّي أخبرتك، أرجوكِ «إلهام»، القضيّة حسّاسة جدّا.
- لن أخبر أحداً عمّا دار بيننا، سرّك في بئر.
نظرت ناحية الإدارة ثمّ قالت موشوشة:
- هل تذكرين الورقة المختومة التي كانت مع المدير منذ أشهر؟.
لم تنتظر إجابتي، بل واصلت وهي تنظر هذه المرّة ناحية مكتب الأساتذة:
- قرار تثبيت الأستاذ في منصبه، أراد المدير مساومته بتعيين «سعاد» مكانكِ في الفِرقة، لكنّه أبى رافضاً الرّضوخ لتهديداته.
ثمّ قالت متحسّرة وهي تتهرّب من مواجهتي:
- يبدو أنّه دمّر مستقبله بسببكِ «إلهام».
ووُئدت أحلامي بعبارتها المسمومة.
قالتها وانصرفت تهنّئ باقي الطّالبات، غير شاعرة بالسّكّين الذي اخترقت به فؤادي عمدا، فتبعتها وكلّي رجاء أن تساعدني ولو بمعلومة صغيرة عنه.
- ما الخطب؟، الكل يبحث عنه هذه الأيّام، أستاذة الكيمياء، ورئيسة الجمعيّة، و«سعاد»، والميكانيكيّ.
- أيّ ميكانيكيّ؟.
ارتعشت كمن لفحها زمهرير الشّتاء، إلاّ أنّها لم تبالِ بي وواصلت كلامها:
- لقد رفع تقريراً إلى مدير التّربية وضّح فيه بعض الملابسات، وسلّم إلى الإدارة نسخة منه، بالمناسبة لقد تحدّث فيه بإسهاب عن إمكانيّاتك، بل رسم صورة فنيّة عنكِ وعن قدراتك، وأوصى بوجوب تبنّيك... تعالي معي.
قالتها وهي تنظر ناحية المراقب العامّ، الذي كان واقفاً يتحدّث مع المدير ومحافظ الشّرطة.
وخيّل إليّ أنّي أشمّ عطره في مكان كثيراً ما تواجد فيه أو سار إليه.
وأرتني خفية ما رسمه السيّد عنّي، فلم أعرف ساعتها هل أظهر إعجابي بلوحته، أم بفخامة التّوقيع؟.
ما هذا يا ربّي؟!، أصبحت أرى الجمال في كلّ ما يلمسه هذا الرّجل... حتّى في الأوراق الرّسميّة.
وعدت إلى لوحة الإعلانات أجرّ خيبتي، أتأمّل اسمي في قائمة تمنّيت أن تتقدّس ولو لثانية وحيدة بمرآه.
- ما بك؟.
مسحت دموعي والتفتّ نحو القشّة الأخيرة:
- لا شيء أستاذة «نورة».
- أعرف سرّك... دموع الفرح.
انصرفت مبتعدة كانصرافي عن هذا المكان الذي أضحى الآن منطقة حزني بامتياز.
★★★
وعدت إلى المنزل أجرّ ما بقي منّي جرّا، تتقاذفني بهجة الشّهادة مع خيبة اللّقاء، مستسلمة تماماً لواقعي الجديد، وما إن فتح «أيّوب» الباب لي حتّى هتفت بكلّ لياقتي الصّوتيّة:
- نجحت «ماما سوسو»... نجحت نجحت... 15.25.
وشرعت أمّي وخالتي و«صفاء» في إطلاق زغاريد قويّة تُسمع على بعد عشرات الأمتار، بينما انشغلت بالسّجود لله شكرا، ودموعي الحارّة تملأ مآقيّ منسابة على جبهتي، ثمّ تلاحقت الزّغاريد عند الجارات اللاّتي أتين مهنّئات، ولا أحد فينا نام تلك اللّيلة.
وتلبّسني إحساس «أيّوب» قبل أعوام، حين كانت كلّ العائلة مبتهجة لختانه، بينما كان هو غارقاً في ألم لا يفهمه.
في صبيحة اليوم الموالي، تفاجأت بجارتنا أمّ الميكانيكي بضحكتها الماكرة، عندنا في المنزل، جاهزة بباقة ورد مشكّلة من عدّة ألوان.
أعجزني عن الكلام حرصها على الجلوس بجانبي على الأريكة، حرص الشّيطان على أكل آدم من الشّجرة، بل كانت تريد إطعامي بيدها من الكعكة التي طلبتها، خصّيصاً لهذه المناسبة على حدّ زعمها.
وكدت أصاب بالصّمم من زغاريدها التي بين كلّ جملة وأخرى، كسيّارة الإسعاف، و«صفاء» غارقة في ضحك هستيريّ، ولم تتركني أغادر الصّالون حتّى أخبرتها أنّه يتوجّب عليّ الذّهاب إلى دورة المياه.
- سمعتها تقول لأمّي أنّها تخطّط لزيارتنا رسميّا بمناسبة عيد الفطر، وأنّ هناك موضوعاً هامّاً ينبغي فتحه من جديد.
هذا ما قالته وهي متشبّثة بذراعي، تقلّد حركاتها في براعة فنّانة، ثمّ تطلق العنان لقهقهاتها الرّاعدة.
- نحن في العيد، هل ستعود؟.
- هكذا قالت.
- دعينا منها «صفاء»، مجرّد كلام، ألم تتّصل بكِ «ابتهاج»؟.
- اتّصلت البارحة ليلا، قالت إنّها في زيارة عائليّة، وستأتي إلينا بعد يومين، وإن هناك أمراً هامّاً تريدكِ فيه.
- وهو...
- صورة ستحبّين رؤيتها.
- صورة؟!.
- هذا ما قالته لي دون أيّ توضيح.
ورفعت يديها فوق رأسها كالتي لا ناقة لها ولا جمل.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!