دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 63 من 61
وضع القراءة:

حين يعود القلب إلى موطنه، الأخير

_________***
وصل عامر إلى المنزل بخطوات هادئة بعد يوم طويل أنهكه جسديًا ونفسيًا، لكنه كان يحمل في داخله شيئًا مختلفًا عن الأيام السابقة...يحمل عامًا كاملًا من التعب والاشتياق.
كان جسده حاضرًا بينهم، لكن روحه ما زالت معلقة بتلك اللحظة التي رأى فيها بيسان بثوب تخرجها، وكأن وجودها أمامه أعاد فتح كل الجروح التي حاول إخفاءها.
فتح الباب بهدوء، ثم وضع مفاتيحه جانبًا، كان المنزل هادئًا، لكنه لم يكن فارغًا من الذكريات.
كل زاوية فيه تحمل أثرًا منها رغم انها عاشت به اقل من يوم، اقترب من الطاولة، فوجد كوب القهوة الذي اعتادت أن تستخدمه في حياتها، فقد طلبه من عمر وجاء له به، ومنذ ذلك اليوم وهو يستخدمه.
ابتسم بألم، ثم مرر يده عليه وكأنه يستعيد لحظة قديمة، جلس على الأريكة وأخرج هاتفه، فتح صورتها التي لم يغيرها منذ عام، ابتسم وهو ينظر إليها، ثم تحدث بصوت خافت:
- ما زلتِ كما أنتِ يا بيسان... وما زلتِ تأخذين كل قلبي.
أغمض عينيه للحظات، كان يريد الذهاب إليها، يريد أن يشرح لها للمرة الأخيرة، يريد أن يخبرها أنه لم يخدعها يومًا.
لكن الخوف من أن ترفضه مرة أخرى كان أقوى، لذلك غادر دون ان يواجهها.
توجه نحو غرفته في الأعلى، وقبل أن يصعد أوقفته نادية بصوت مليء بالحنان والقلق:
- بني، هل أضع لك الطعام؟
التفت إليها بابتسامة صغيرة تخفي خلفها الكثير من الألم، ليجيبها بهدوء:
- شكراً لكِ أمي، لا أريد.
ترددت نادية قليلاً، فهي تعلم أنه عاد من أجل شيء واحد فقط، لكنها كانت تخشى أن تزيد ألمه بسؤالها:
- هل أتيت اليوم يا عامر؟
نظر إليها باستغراب، وكأنه يحاول إخفاء ما شعرت به من عينيه:
- أين أتيت؟ إنني في المشفى طوال اليوم.
تنهدت نادية بقلة حيلة، فهي تعرف عناده جيداً، وتعرف أيضاً أنه لن يعترف بسهولة بما يشعر به:
- حسناً بني، يمكنك الذهاب إلى غرفتك.
دخل عامر غرفته بهدوء، وأغلق الباب خلفه ليستند للحظات عليه. أغمض عينيه وهو يستعيد صورتها أمامه، ابتسامتها، نظراتها المترددة، وحتى محاولتها إخفاء اشتياقها له.
اتجه نحو خزانته وأخرج ثياباً نظيفة، ثم دخل إلى المرحاض. وبعد وقت قصير خرج وقد اغتسل، وكأنه يحاول أن يغسل معه بعضاً من أثقال قلبه.
فرش سجادة الصلاة، ووقف بين يدي الله. كان هادئاً في ظاهره، لكن داخله كان يصرخ بكل ما عجز عن قوله لها.
طال سجوده، وانهمرت دموعه بصمت، دموع رجل اعتاد أن يكون قوياً أمام الجميع، لكنه لم يستطع أن يكون قوياً أمام ربه.
ناجى الله بقلب منكسر:
- يا رب، أنت تعلم ما أخفي وما أظهر، تعلم كم حاولت أن أبدو بخير وأنا لست كذلك. تعلم كم مرة ابتسمت أمام الجميع وقلبي يئن من الألم. يا الله، إنني لا أطلب إلا راحة قلبي، ولا أريد إلا أن تطمئن روحي.
توقفت أنفاسه قليلاً وهو يستشعر ثقل اشتياقه لها، ليكمل بصوت متهدج:
- اللهم إن كانت بيسان خيرًا لي فقربها مني وأصلح ما بيننا، اللهم لين قلبها لي كما لينت الحديد لنبيك داود، اللهم احفظها من كل ألم، ومن كل حزن، ومن كل شيء قد يؤذي قلبها. يا رب، أنت تعلم أنني أحببتها حباً لا يعلمه إلا أنت، فاجعل هذا الحب رحمة لا وجعاً.
رفع رأسه بعد وقت طويل، ووجهه غارق بالدموع. مسحها بيد مرتجفة، ثم أنهى صلاته وجلس للحظات يستعيد هدوءه.
توجه نحو خزانته وأخرج قطعة قماش صغيرة تحتفظ برائحتها، كانت من الأشياء القليلة التي بقيت له منها، احتضنها بقوة وكأنه يحتضنها هي، ثم نظر إلى صورتها التي التقطها لها يوم تخرجها، ابتسم بألم وهمس:
- حتى وأنتِ بعيدة يا بيسان، ما زلتِ الشيء الوحيد الذي يطمئن قلبي.
استلقى على سريره، ولأول مرة منذ وقت طويل شعر براحة خفيفة تسللت إلى روحه، ليغلبه النوم وهو يحتضن ذكرياتها.
________**
في منزل أحلام، كانت بيسان تجلس في غرفتها بعدما عاد الجميع إلى منازلهم، وضعت يدها على قلبها وهي تفكر، لقد حاولت طوال السنة أن تقنع نفسها بأنها تجاوزته....لكنها فشلت، كل شيء فيها كان ما زال متعلقًا به، صوته، ابتسامته، طريقته في الاهتمام بها...حتى غضبه كانت تشتاق إليه.
دخلت نيسان الغرفة وهي تحمل كتابها المدرسي، واقتربت منها:
- بيسان.
رفعت بيسان رأسها إليها بابتسامة باهتة:
- نعم حبيبتي؟
جلست نيسان بجانبها وهي تمسك بيدها بين كفيها الصغيرين تخاطبها ببراءة:
- لماذا لا نذهب إلى بيت عامر؟
توقفت بيسان للحظة، ثم سألتها وكأنها تسأل نفسها:
- لماذا تريدين الذهاب؟
ابتسمت نيسان بهدوءٍ قبل أن تجيبها بشوق:
- لأنني أشتاق إليه... وهو يشتاق إليكِ أيضًا.
اتسعت عينا بيسان قليلًا من فكرة ان عامر يتحدث مع بيسان:
- كيف عرفتِ؟
نظرت إليها نيسان بعض الحزن على عامر:
- لأنه عندما يتحدث عنكِ يبتسم، وعندما يرى صوركِ يصبح سعيدًا، انه يزورني ويجلس معي ويتحدث عنكِ كثيرًا بيسان، ودائمًا ما يسألني أما حان الوقت؟!
شعرت بيسان بغصة في قلبها، حتى نيسان الصغيرة استطاعت رؤية ما حاول الجميع إخفاءه، اقتربت منها واحتضنتها بتنهيدة مثقلة:
- نامي الآن يا حبيبتي، وفي الصباح سنرى ما يمكننا فعله.
لكن كلمات نيسان بقيت عالقة في عقلها، هل يمكن ان تعود المياه الى مجاريها؟
لأول مرة منذ سنة، شعرت أنها ربما يجب أن تواجه خوفها بدل أن تهرب منه.
----
في صباح اليوم التالي، خرجت بيسان وهي تحمل بداخلها شعورًا غريبًا لم تستطع تفسيره، وضعت حقيبتها في السيارة، ثم صعدت نيسان بجانبها، لتقوم بيسان بتثبيت حزام الأمان لها بحنان، بعدها نظرت إليها بابتسامة دافئة:
- سوف أبقى معك طوال اليوم، ما رأيك؟!
فتحت نيسان عينيها بدهشة، وكأنها لم تصدق ما سمعته:
- طوال اليوم؟
ضحكت بيسان على تعبير وجهها:
- أجل، هل هناك اعتراض؟
هزت نيسان رأسها بسرعة، والسعادة واضحة على ملامحها:
- لا، لا يوجد اعتراض، فقط تفاجأت... أنا سعيدة.
ابتسمت بيسان بحب، ثم قادت السيارة باتجاه المدرسة، وهي لا تعلم أن هذا اليوم سيعيد إليها شيئًا حاولت الهروب منه طوال عام كامل.
-««::::::::::::::-:::::::::::::»»-
بينما كان عامر في المشفى يتابع إحدى الحالات، وصلته رسالة من رقم مجهول، فتحها بتردد، كانت كلمات قليلة:
"أحيانًا لا يحتاج القلب إلى دليل جديد... يحتاج فقط إلى شجاعة للعودة."
ظل ينظر إلى الرسالة طويلًا، عرف من أرسلها، ابتسم رغمًا عنه، كانت والدته ترسل كل اسبوعٍ له من رقم مجهول وكأنها بذلك لم تتدخل الموضوع؟!
رفع رأسه إلى الأعلى متنهدًا بثقل:
- يبدو أن الجميع تعب من عنادنا يا بيسان، أما حان الوقت؟!
نظر الى الساعة ليجد ان موعد اليوم لم يتبقى عليه سوى ساعة، لذلك  خلع معطفه ثم غادر المشفى نحو الموعد.
__________**
كانت بيسان طوال الوقت الدراسي تحاول أن تشغل نفسها بكل شيء حولها، لكنها كانت تفشل في كل مرة، كانت عيناها تعودان دون إرادة منها إلى هاتفها، تفتح محادثاتها القديمة مع عامر، تقرأ كلماته التي حفظتها عن ظهر قلب من كثرة تكرارها.
كل رسالة، كل كلمة، كل موقف جمعهما كان يعيد إليها شعوراً ظنت أنها استطاعت دفنه.
تنهدت بعمق وهي تضع الهاتف جانباً، ثم رفعت عينيها أمامها لتتجمد للحظات عندما وقع بصرها عليه، كان عامر يقف بالقرب من إحدى المعلمات، يتحدث معها بابتسامة هادئة، بينما كانت الأخرى تستمع إليه باهتمام.
اشتعل شيء بداخلها دون أن تفهمه، وضاقت ملامحها بضيق لم تستطع إخفاءه، تقدمت نحوهما بخطوات غاضبة، لكنها توقفت فجأة قبل أن تصل....ما شأنكِ أنتِ بذلك؟
وبخت  لنفسها وهي تحاول السيطرة على مشاعرها، أنتِ من تركته بيسان، أنتِ من قررت الابتعاد.
نظرت إليه مرة أخرى، لتلاحظ شيئاً آخر... لم يكن ينظر إلى المعلمة كما ظنت، بل كانت عيناه منخفضتين وهو يتحدث معها باحترام، تنفست ببطء، ثم همت بالرحيل قبل أن تضعف أمام وجوده.
لكن صوتًا اشتاقت إليه أكثر مما أرادت أوقف خطواتها:
- بيسان...
أغمضت عينيها بقوة، لا... لا تلتفتي.....كانت تعلم أن مجرد رؤيته كفيل بتحطيم كل الجدران التي بنتها حول قلبها طوال عام كامل.
أسرعت في خطواتها، لكنها سمعت وقع خطواته خلفها، لم تستطع الاستمرار أكثر، حتى شعرت بيده تمسك يدها برفق، رغم سرعتها
توقفت أنفاسها للحظة...كانت لمسته وحدها كافية لإعادة كل الذكريات دفعة واحدة....التفتت إليه ببطء، لتراه أمامها.
نعم، لقد تغير كثيرًا....كانت لحيته أطول من السابق، وملامحه تحمل أثرًا  واضحًا للتعب، كما أن وزنه انخفض كثيرًا، لكن عينيه بقيتا كما هما... تحملان نفس الحب الذي عرفته، نفس النظرة الدائقة التي تُطمئنها.
نظر عامر اليها وتبًا كم اشاق اليها، تحدث بصوت ممتلئ بالاشتياق:
- بيسان، أرجوكِ لا تهربي مني مثل كل مرة.
خفضت عينيها بتوتر، تحاول ألا يظهر ضعفها، بينما ظهر بوضوحٍ في صوتها:
- اتركني عامر.
تشبث بيدها أكثر، وكأنه يخشى أن تختفي منه مرة أخرى:
- لا، لن أترككِ، تركتكِ من قبل وهربتِ مني عامًا كاملًا، لكن هذه المرة لن أسمح لكِ بالابتعاد قبل أن تستمعي إلي.
ارتجف صوتها وهي تحاول مقاومة دموعها بينما تحاول إفلات يدها:
- عامر أرجوك...
رفع يده ووضع إصبعه أسفل ذقنها برفق، مجبرًا إياها على النظر إليه:
- لقد اشتقت إليكِ بيسان... اشتقت إلى عينيكِ اللتين حرمت نفسي من النظر إليهما، أخبريني... ألم تشتاقي لي أنتِ أيضًا؟
أخذت نفسًا عميقًا وأغمضت عينيها للحظة، كيف يخبرها قلبها شيئًا، بينما يحاول عقلها إنكار كل شيء؟
أبعدت نظراتها إلى الجهة الأخرى تخاطبه بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
- لا... لم أشتق إليك.
ابتسم عامر ابتسامة حزينة، وكأنه استطاع قراءة كل ما تخفيه:
- كاذبة... عيناكِ فضحتاكِ.
ثم تابع برجاء كبير:
- استمعي إلي ولو لمرة واحدة فقط.
نظرت حولها، فقد بدأت الأنظار تتجه إليهما، كما أن المعلمة اقتربت قليلًا، شعرت بالغيرة تشتعل بداخلها دون إرادة منها، لكنها حاولت تجاهل الأمر.
نظرت إليه بسرعة تهتف بضيق كبير:
- حسنًا موافقة.. هيا بنا.
توقف للحظة وكأنه لم يصدق ما سمعه، سألها بتعجب كبير:
- حقاً؟
أدارت وجهها عنه حتى لا يرى ابتسامتها الصغيرة:
- أجل، أسرع كي استمع اليك.
---
بعد وقت قصير، أوقف عامر السيارة أمام المكان الذي يحمل أجمل ذكرياتهما.
البحر.....ذلك المكان الذي شهد ضحكاتهما، اعترافاتهما، وأيامًا ظنت أنها لن تنتهي، نزلت بيسان من السيارة، وبقيت للحظات تنظر إلى الأمواج بصمت، تستعيد كل لحظة عاشتها معه.
اقترب عامر منها وأمسك يدها بحب، ثم قبلها برفق:
- هل اشتقتِ إليه؟
نظرت إليه بصمت دون ان تسحب يدها، ليكمل بابتسامة حزينة:
- أنا كل يوم آتي إلى هنا... فقط لأشعر أنكِ معي.
تنهدت بيسان بألم، ثم نظرت إليه:
- عامر، أنا...
لكنه وضع إصبعه على شفتيها بهدوء دون ان يجعلها تكمل:
- لا أريدكِ أن تتحدثي الآن... فقط استمعي إلي.
نظرت إليه بصمت، ليأخذ نفسًا عميقًا وكأنه يجمع شجاعته ليخرج كل ما أخفاه طوال عام:
- بيسان، أنا أعلم كل شيء... أعلم أنكِ عرفتِ الحقيقة، وأعلم أنكِ عرفتِ أن الصور كانت مجرد خدعة، لكن الشيء الذي لا أستطيع تجاوزه هو أنني أنا من جرحتكِ بكلماتي دون قصدٍ مني.
خفض رأسه بألم وقد ظهر حشرجة في صوته:
- صدقيني... إنني ألوم نفسي كل يوم على ما قلته لكِ، لقد خرجت مني كلمات لا تشبهني، كلمات لم تكن إلا نتيجة لكل ما كنت أحمله داخلي من خوف وقلق وألم.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالندم:
- كنت أظن أنني قوي، أنني أستطيع تحمل كل شيء وحدي... لكنني اكتشفت أن قوتي كانت تنهار كلما ابتعدتِ عني.
أمسك يديها بين يديه، وصوته يزداد ضعفًا:
- الجميع كانوا يرونني شخصًا لا يتأثر، شخصًا يتحمل كل شيء... لكنهم لم يعلموا أنني كنت أثقل من الداخل، وأنني كنت أخفي حربًا لا تنتهي.
سكت للحظة، ثم تابع وقد بدأت الدموع تلتمع في عينيه:
- كنت أريد أحيانًا فقط أن أتوقف عن الشعور، لأن كثرة الآلام كانت أكبر مني... لكن وجودكِ كان الشيء الوحيد الذي يجعلني أستطيع الاستمرار.
نظرت إليه بيسان، ورأت للمرة الأولى الرجل الذي أخفى ضعفه خلف صمته، تابع عامر بصوت مبحوح:
- بيسان... كل شيء كان يصبح أسهل عندما كنتِ بجانبي، وعندما ابتعدتِ، شعرت وكأن كل شيء فقد معناه.
لم تستطع بيسان منع دموعها، فقد رأت أمامها رجلًا يحبها بصدق، لكنه أخطأ وخاف مثل أي إنسان، في موقفه، قتربت منه ببطء، ثم عانقته بقوة، عناقًا يطبطب على حزنه وآلامه، عناقًا يعوضه عما عاشه.
تجمد عامر للحظة من المفاجأة، قبل أن يضمها إليه وكأنه يخشى أن تكون حلمًا، كانت تلك اللحظة كافية ليفهم أن قلبها لم يغادره يومًا، أن قلبها ما زال يحبه ويريده.
بعد وقت طويل ابتعد عنها، ويده تمسح دموعه بعدم تصديق:
- هل سامحتني بيسان؟ هل ستعودين معي إلى المنزل؟
ابتسمت له بحب، ومسحت دموعه بأناملها الرقيقة:
- انتظر رسالة مني يا عامر.
نظر إليها وهي تبتعد متوجهة نحو السيارة وكأنه لا يريد تصديق ما يحدث، اسرع نحوها بعدما صعدت، ليجلس في مكانه خلف عحلة القيادة، ثم  اقترب منها وقبل جبينها بحنان رغم انه سينتظر، لكن ما يهم انها بالتأكيد ستعود بعد عناقها:
- أعشقكِ بيسان، وخذي بعض الوقت ليس أكثر.
ارتبكت وهي تخفي ابتسامتها:
- عامر... انتبه للطريق، فهناك مارة.
ضحك بسعادة لم يشعر بها منذ عام ثم عاد ليشغل السبارة للانطلاق:
- حسنًا... حسنًا كما تشائين المهم انكِ معي.
ثم سألها بإستفسار حقيقي:
- هل أوصلكِ إلى المنزل أم إلى المدرسة؟
نظرت إليه بضيق مصطنع:
- لقد ذكرتني، ماذا كنت تتحدث مع تلك المعلمة؟
نظر إليها باستغراب قبل أن يبتسم:
- كانت تخبرني بنشاط نيسان الممتاز، أعتقد انها لا تخبركِ أنني اداوم على زيارتها، من كثرة ذلك ظنوا أنها ابنتي.
لوت فمها بضيق، ثم خاطبته بغيرة واضحة:
- لا تتحدث معها مرة أخرى، ولا تزور نيسان إلا معي
نظر إليها للحظات، ثم ابتسم بسعادة:
- أنا أسعد رجل على وجه الأرض... لقد سامحتني، والآن تغارين علي.
أدارت وجهها نحو النافذة بخجل:
- لم أغر، فقط كي لا يظن أحد أن لك أطفال.
ابتسم وهو يمسك يدها بحب بينما يقود.
- كما تأمر مليكة قلبي، لكنه سيصبح بإذن الله.
لم تتحدث بيسان بأي حرف فقد أصبحت مثل حبة فراولة جاهزة للقطف.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد وقت قصير، أوقفت بيسان سيارتها أمام المنزل، لتترجل نيسان منها بسعادة لا توصف، طوال الطريق لم تتوقف عن الحديث عن عودة عامر وبيسان معًا، وكأنها تخشى أن تصمت للحظة فيختفي هذا الحلم الجميل.
تنهدت بيسان وهي تغلق باب السيارة، ثم نظرت إليها بابتسامة حانية:
- أيتها الثرثارة، اصمتي قليلًا ولا تخبري أحدًا، ثم إن لكِ عقابٌا، كيف تجعلين عامر يتحدث مع تلك المعلمة؟!
توقفت ضحكة نيسان على طرف فمها ثم أجابتها:
-أتقصدين المعلمة ملك؟! أخبرتني ان كان شقيقي أم والدي لكنني أخبرتها انه زوج شقيقتي،
وضعت نيسان يدها على فمها محاولة كتم ابتسامتها:
- حسناً، حسناً... لن أخبر أحداً. إنها مفاجأة، أليس كذلك؟
ابتسمت بيسان وهي تهز رأسها:
- أجل، إنها مفاجأة. هيا اصعدي أمامي لأرى.
دخلت بيسان المنزل وهي تحمل في قلبها شعوراً مختلفاً عن كل الأيام السابقة. لأول مرة منذ عام كامل لم تشعر أنها تهرب من شيء، بل كانت تشعر أنها تعود إلى مكانها الحقيقي.
جمعت متعلقاتها بهدوء، وضعت ثيابها في الحقيبة، ثم وقفت للحظات تنظر إلى الغرفة.
الغرفة التي عاشت فيها عاماً كاملاً وهي تحاول إقناع نفسها بأنها قادرة على الابتعاد.
لكنها اكتشفت أن بعض الأشخاص لا يمكن الرحيل عنهم مهما حاولنا.
أرسلت رسالة لعامر تخبره فيها أن يأتي، ثم أغلقت حقيبتها.
في الخارج كانت أحلام تجلس وهي تهز بيسان الصغيرة بين ذراعيها، لتنظر إلى ابنتها باستغراب عندما رأتها تحمل حقيبتها.
تساءلت بقلق:
- إلى أين أنتِ ذاهبة يا بيسان؟
نظرت إليها بيسان بابتسامة مليئة بالراحة:
- إلى منزلي يا أمي.
توقفت مروة للحظة، وكأنها لم تصدق ما سمعت، ثم شهقت بسعادة:
- حقاً؟
ابتسمت بيسان وهي تنظر إلى هاتفها، فقد وصلت رسالة من عامر.
فتحتها، لتقرأ كلماته التي جعلت قلبها يبتسم:
"إلى سعادتي وأملي ومحبتي... إلى طمأنينتي وراحتي وابتسامتي... إلى كل شيء جميل أعاد الحياة إلى قلبي.
أنا في طريقي إليكِ... لن أتأخر."
وضعت بيسان يدها على قلبها، وكأنها تحاول تهدئة النبضات التي عادت للحياة من جديد.
---
وقفت بيسان أمام عامر بعد عودتها، لكنه لم يمنحها فرصة كبيرة للحديث، فقد اقترب منها وهو يحتضن الطفل بين يديه.
ابتسمت وهي تتحدث بضيق مصطنع:
- عامر، اتركني.
ضحك وهو يهز رأسه:
- لا، لن أترككِ. دعي الطفل وشأنه.
نظرت إلى الطفل الذي كان ينظر إليها بمشاكسة، ثم تنهدت وهي تبتعد عنه قليلاً:
- ابتعد عامر... لا تتحدث معي.
تغيرت ملامح عامر سريعاً، فقد عاش ألم خصامها لعام كامل، ولم يكن مستعداً لخوضه مرة أخرى.
أمسك يدها بسرعة وقال بأسف:
- اعتذر يا بيسان.
ثم أمسك الطفل ووضعه أمامها مبتسماً:
- ها هو أمامكِ، لكن لا تتحدثي معي بهذه الطريقة. لقد جربت خصامكِ عاماً كاملاً، ولا أريد تكرار الأمر.
نظر الطفل إليه بدهشة، ثم تحدث بحزن مصطنع:
- هكذا تسلم ابنك وحبيبك لها؟
ضحك عامر:
- أجل بني، يجب أن تتناول دواءك حتى تشفى.
وضعت بيسان الملعقة أمامه بحنان:
- هيا أحمد، تناول هذا فقط.
عبس الطفل وهو ينظر إلى الدواء:
- لكنه ليس لذيذاً... طعمه مر.
وضع عامر يده بحنان على بطن بيسان المنتفخ قليلاً:
- ألا تريد أن تخرج أختك إلينا؟
اتسعت ابتسامة أحمد وهو يحتضن بطنها:
- أجل، لقد اشتقت إليها كثيراً. أريد أن ألعب معها كما يلعب عامر مع أختيه همس وعشق.
ابتسمت بيسان وهي تضع الدواء في فمه:
- إذاً تناول هذا حتى تخرج أختك.
نظر إليها أحمد بعد أن ابتلع الدواء، ثم سأل بفضول طفولي:
- ماذا سوف تسمونها يا أمي؟
ابتسم عامر:
- اختر أنت اسمها يا أحمد.
فكر قليلاً، ثم قال بسعادة:
- سأسميها بيسان... على اسم بيسان ابنة خالي عمر.
ضحكت بيسان:
- وأنا ما اسمي إذن يا بني؟
فكر قليلاً قبل أن يجيب بمكر:
- أنتِ أم أحمد... وأبي يسميكِ بيسان.
ضحك الجميع على إجابته الطفولية.
اقتربت نادية منهم وهي تبتسم:
- كم عمرك يا أحمد؟
رفع أصابعه الصغيرة بفخر:
- أربع سنوات يا جدتي.
ضحكت نادية وهي تربت على كتفه:
- وبهذا العمر لا تعرف أن اسم والدتك بيسان؟
ضحك الطفل:
- كنت أمزح معكم... أنا أعلم أن اسمها بيسان.
كان المشهد مليئاً بالدفء، وكأن المنزل استعاد روحه التي فقدها طوال فترة الغياب.
توجه أحمد نحو جمال بعدما ناداه، فحمله بين ذراعيه بحب، بينما بقيت بيسان تنظر إلى الجميع بابتسامة هادئة.
التفتت إلى عامر وقالت بحب:
- سوف تأتي نيسان، لنذهب لشراء ثياب لابنتك.
ابتسم عامر وهو يضع يده بحنان على بطنها:
- لقد وعدت نيسان بتسميتها.
أومأت بيسان:
- لقد اختارت لها اسماً.
نظر إليها باستفسار:
- وما هو؟
ابتسمت:
- رسل... لأن صفاتها ستكون مثل الاسم، وعندما تغضب تصبح كالإعصار.
ضحك عامر وهو ينظر إليها بحب:
- اسم جميل... لقد ذكرني بالإعصار الذي ضرب قلبي وجعلني أدخل في دوامة من الحب.
ابتسمت بيسان وهي تتذكر:
- لهذا كتبت في رسالتك قبل سنة "دوامة إعصار"؟
اقترب منها واحتضنها:
- أجل... لأنني أحبكِ كثيراً.
شعرت بالخجل عندما انتبهت إلى وجود والدتهما، فضربته بخفة:
- عامر، والدتك هنا.
ابتسم وهو يمسك يدها متجهاً إلى الأعلى:
- إذاً تعالي معي بعيداً عنهم.
توقفت مكانها وهي تضرب كتفه بخجل، ليضحك:
- حسناً، كنت أمزح معكِ.
عادت وجلست بجانب نادية، تنظر إلى ماهر وهو يلاعب أحمد والسعادة تملأ المكان.
جلس عامر بجانبها، وأمسك كفيها بين يديه، وكأنه يتأكد أن هذا الحلم أصبح حقيقة.
فبعد كل الألم، وكل البعد، وكل الدموع...
عاد القلب أخيراً إلى موطنه.
__النهاية__
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف 44 حين تتشابك الأقدار وتُختبر القلوب 45 اعترافات خلف الأبواب 46 بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار 47 الوعد الذي سبق العاصفة 48 بداية العهد وأسرار تُكتشف 49 رسـالـة مـن الـمـاضـي 50 تردد وخوف 51 رسالة تُربك القلوب 52 بين الحقيقة والوهم 53 حين تتشابك الخيوط 54 بداية الحقيقة 55 صدمة قوية لم توقعها أحد 56 حين تنكشف الأقنعة 57 نهاية الخداع 58 دوامة الشك وعودة الروح 59 دوامة الشك وعودة الروح 60 حين عاد الغائب... ورحل الحبيب 61 حين يصبح الصمت وجعًا 62 رسـائـل مـحـب 63 حين يعود القلب إلى موطنه، الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.