الوعد الذي سبق العاصفة
في مساء اليوم التالي، غرق منزل مروة في أجواء من التوتر والترقب، وكأن الجدران نفسها تنتظر ما سيحدث بعد قليل، جلست بيسان وهي تفرك كفيها باستمرار، بينما كانت أنفاسها تتسارع كلما اقترب موعد وصول الضيوف.
انتبهت أحلام إلى ارتباكها، فاقتربت منها وربتت على يدها بحنان، محاولةً تهدئة اضطرابها:
- لا تقلقي يا ابنتي، سيكون كل شيء على ما يرام بإذن الله.
نهضت بيسان فجأة، وأخذت تدور حول نفسها بقلق، ثم وقفت أمام والدتها تسألها بتوتر:
- هل أبدو جميلة؟ هل يناسبني هذا الفستان؟ أم أنه يبدو سيئًا؟
ابتسمت أحلام ضاحكة من شدة توتر ابنتها، ثم أجابتها برفق:
- على رسلك بيسان... أنتِ لا تبدين جميلة فحسب، بل مبهرة أيضًا، فاهدئي قليلًا.
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتي بيسان، ثم سألتها وكأنها تبحث عن مزيد من الطمأنينة:
- حقًا يا أمي؟
أومأت أحلام برأسها، وعيناها تفيضان حبًا بعدما عادت العلاقة بينهما كما كانت، ثم قالت بحنان:
- حقًا يا قلب أمك.
في تلك اللحظة، دلفت غزل إلى الغرفة، وما إن وقع بصرها على بيسان حتى اتسعت عيناها، وهتفت بجدية مصطنعة:
- ما هذا يا بيسان؟
انتفضت بيسان في مكانها، وقد ازداد اضطرابها، ثم سألتها بخوف:
- ماذا؟ ما الذي حدث؟
اقتربت غزل منها وهي تتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم أردفت:
- ما هذا المنظر؟ أحقًا ستخرجين هكذا؟
اتسعت عينا بيسان بقلق، وأسرعت تبرر:
- لكن أمي قالت إنني أبدو مبهرة!
لم تتمالك غزل نفسها، فانفجرت ضاحكة وهي تقترب منها أكثر، ثم قالت بين ضحكاتها:
- لأن وجهك شاحب من شدة التوتر!
شهقت بيسان، ثم ضربتها بخفة على ذراعها وهي تشتكي:
- يا لكِ من شريرة! لقد أفزعتِني حقًا.
ترددت ضحكاتهما في أرجاء الغرفة، لتكسر شيئًا من التوتر الذي خيم على المكان، وفي تلك الأثناء، دخلت مروة وهي تنظر إليهما بابتسامة هادئة، ثم أخبرتهما:
- إنهم في الطريق على وشك الوصول... هل أنتما جاهزتان؟
ابتلعت غزل ريقها بصعوبة، ثم تمتمت بتوتر:
- حقًا...؟
أومأت مروة برأسها، ثم تأملتهما بفخر وقالت:
- ليحرسكما الله... تبدوان جميلتين للغاية.
وفي الخارج، ارتفع صوت طرق الباب، قبل أن يتقدم عمر نحوه، وقف لحظة يلتقط أنفاسه، ثم فتح الباب ليستقبل الضيوف.
تقدّم عمر بخطوات هادئة نحو الباب، وما إن أمسك بالمقبض وفتحه حتى استقبل عامر يتقدّم الجمع، وخلفه جمال ونادية وآدم، يتبعهم الشيخ.
انعقد حاجباه باستغراب، وانتقلت نظراته بين الشيخ والوجوه الواقفة أمامه، حتى تسلل إلى داخله سؤال لم يستطع منعه أهذه خطبة... أم عقد قران؟
انتبه عامر إلى ملامح الدهشة التي ارتسمت على وجه عمر، فابتسم بخفة وهو يمازحه:
- هل سنبقى واقفين عند الباب هكذا؟
انتبه عمر إلى شروده، فابتسم بخجل وهو يفسح لهم الطريق:
- أعتذر... تفضلوا، وأهلًا وسهلًا بكم.
دلف الجميع إلى الداخل، وجلسوا في مجلس الضيوف، جلس عمر في منتصف المجلس، وعن يمينه مروة، وعن يساره أحلام، بينما جلس في الجهة المقابلة عامر وإلى جواره نادية، وبقربهما جمال وآدم، أما الشيخ فاتخذ مكانه في الطرف الآخر منتظرًا بدء الحديث.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكسره جمال بابتسامة ودودة وهو يوجه حديثه إلى عمر:
- أظن أنك تعلم سبب مجيئنا اليوم، أليس كذلك يا أستاذ عمر؟
أومأ عمر برأسه مؤكدًا، ثم أجابه باحترام:
- أجل، وأهلًا وسهلًا بكم.
تنفس جمال بعمق، ثم أردف بنبرة يغلب عليها الوقار:
- جئنا نطلب يد الآنسة بيسان لابني عامر، ويد الآنسة غزل لابني آدم، على سنة الله ورسوله.
خيّم الصمت على المكان للحظات، فشعر عامر وآدم بشيء من التوتر، بينما بقيت أنظار الجميع معلقة بعمر في انتظار رده.
وبعد برهة، ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، ثم أعلن موافقته قائلًا:
- وأنا أعطيت.
تنفس عامر الصعداء دون أن يشعر، حتى كادت الراحة تظهر بوضوح على ملامحه، انتبهت نادية إلى ذلك، فضحكت بخفة وهمست إليه:
- تمسّك قليلًا يا عامر.
بادلها الهمس وهو يبتسم بخجل:
- ليس بيدي يا أمي.
التفت جمال إلى عمر، ثم أردف:
- وأين الفتاتان؟ نقرأ الفاتحة بحضورهما، ثم نعقد القران، فهذا أفضل.
بدت الدهشة على وجه عمر، فسأله باستغراب:
- ألستم مستعجلين بعض الشيء؟
تبادل عامر وآدم النظرات، ثم أجابا في وقتٍ واحد:
- لا.
تعالت ضحكات مروة وأحلام، بينما التفت الشابان إلى بعضهما بخجل، بعدما أدركا أنهما تحدثا في اللحظة نفسها.
ابتسم عمر وهو يهز رأسه، ثم قال:
- حسنًا... كما تريدون.
نهضت أحلام من مكانها، واتجهت نحو الداخل لإحضار بيسان وغزل، وبعد لحظات، خرجت الفتاتان بخطوات مترددة، يغمرهما الحياء، وجلستا إلى جوار مروة بعد أن قدمتا القهوة للحضور.
ما إن وقعت عينا عامر على بيسان، حتى شعر أن الزمن توقف للحظة، تنهد بصمت، وأخذ يتأملها بعشقٍ صادق.
كانت ترتدي فستانًا أزرق بسيطًا، إلا أنه زادها جمالًا ورقيًا، بينما أضفى حجابها الأحمر القاني على ملامحها سحرًا خاصًا.
أما عيناها الرماديتان، فقد ظلتا كما عرفهما دائمًا... موطنًا لطمأنينته، وأكثر ما يعشقه فيها.
انتبهت نادية إلى شروده، فوكزته بخفة وهي تهمس إليه بتوبيخٍ مازح:
- هل جننت يا عامر؟ إنها ليست ملكك بعد... بقيت دقائق معدودة فقط، وبعدها أمتع ناظريك كما تشاء.
ابتسم عامر بخجل من نفسه، ثم أطرق رأسه مرددًا:
- معكِ حق.
ثم رفع بصره نحو الشيخ باحترام، وقال:
- تفضل يا مولانا... يمكنك البدء.
بدأ الشيخ حديثه عن قدسية الزواج، وأوصاهما بتقوى الله وحسن المعاشرة، ثم قرأ الجميع سورة الفاتحة.
بعد ذلك، أمسك بالسجل الذي بين يديه، بينما ناوله عامر وآدم الأوراق الخاصة بالفحوصات والبيانات التي جهزاها مسبقًا بمساعدة عمر، دوّن الشيخ المعلومات، ثم طلب توقيعاتهم، قبل أن يستأذن بيسان وغزل في الموافقة، فاستمع إلى إجابتهما، وأتم إجراءات العقد.
وأخيرًا، أغلق السجل، ثم رفع بصره إليهم مبتسمًا، ودعا لهما بصدق:
- بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خيرٍ بإذن الله.
غادر الشيخ المنزل بعدما ودّعه الجميع، بينما رافقه آدم حتى الباب الخارجي، وظل يشكره بحرارة على حضوره وإتمام عقد القران، خاصة أنه عقد قرانه قبل عامر، باعتبار أن غزل تكبر بيسان سنًا.
وما إن عاد إلى الداخل، حتى استقرت عيناه على غزل، توقفت أنفاسه للحظة وهو يتأملها.
كانت ترتدي ثوبًا ورديًّا بسيطًا، لكنه أضفى عليها رقةً آسرة، بينما عيناها، آهٍ من مرجها المحاط بالكحل العربي، ظل ينظر اليهم حتى شعر أن قلبه يخفق بعنف كلما وقعت عيناه عليها.
ساد المجلس شيء من الهدوء بعد تناول طعام العشاء، قبل أن تنهض أحلام من مكانها، وتقترب من عمر هامسةً إليه:
- عمر... اصطحبهما إلى هناك الغرفتين منفصلتين، حتى يأخذا راحتهما قليلًا.
لم يفوت عمر الفرصة للمزاح، فرفع صوته متعمدًا وقال:
- لا يا خالتي، دعيهما هنا! ماذا سيفعلان في غرفٍ منفصلة؟ ليبقيا أمامنا أفضل.
رمقه عامر بنظرة ضيقة، ثم تمتم بصوتٍ خافت:
- لك يوم يا عمر.
قطب عمر حاجبيه، ونظر إليه باستغراب:
- ماذا قلت يا عامر؟
ارتسمت على شفتي عامر ابتسامة مصطنعة، ثم أجابه بهدوء:
- أقول إنك خيرٌ وبركة.
كتم عمر ضحكته بصعوبة، بعدما لمح الضيق الواضح على وجهي عامر وآدم، ثم نهض من مكانه متوجهًا إلى جمال، وقال:
- أريدك في أمرٍ ما يا عمي.
نهض جمال بدوره، وأومأ برأسه:
- أنا قادم.
في تلك الأثناء، التفتت مروة إلى آدم، وابتسمت بحنان وهي تخاطبه:
- تعال يا بني... اذهب إلى غزل، إنها في الغرفة الأخرى، وخذ راحتك معها.
أشرق وجه آدم بسعادة غامرة، فتقدم منها وقبّل رأسها باحترام، ثم قال ممتنًا:
- أقسم إنك أفضل حماة في الدنيا، وأعتذر لعدم حضور أبي معي، فهو لا يستطيع الحركة، كما أخبركم عمي جمال.
ابتسمت مروة بحنان أمومي، ثم أجابته:
- لا عليك يا بني، هيا... غزل بانتظارك.
لم يحتج آدم إلى دعوةٍ ثانية، فاتجه بخطوات متسارعة نحو الغرفة، وما إن فتح الباب حتى وجد غزل تجلس على طرف السرير، وقد عقدت يديها معًا من شدة خجلها.
اقترب منها بهدوء، ثم جلس إلى جوارها، ولم يفارق وجهه ذلك الدفء الذي امتلأت به ملامحه وهو يهنئها:
- مباركٌ لكِ يا غزل.
ازدادت وجنتاها احمرارًا، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
- شكرًا.
ابتسم آدم، وقد أراد أن يبدد شيئًا من خجلها، فقال مازحًا:
- أين ذهب صوتك؟ لم أعهدك هكذا من قبل.
رفعت رأسها نحوه، ورمقته بنظرة متضايقة، ثم تمتمت:
- ماذا تقصد يا هذا؟
اتسعت عينا آدم بصدمةٍ مصطنعة، ثم وضع يده على صدره متظاهرًا بالألم:
- يا هذا؟! ألهذه الدرجة؟ أتخاطبين زوجك بقولك يا هذا؟! لديّ اسم يا زوجتي العزيزة.
أخفضت غزل رأسها من جديد، بينما ازداد ارتباكها، فمد آدم يده برفق، وأمسك بكفها، ثم قبّله بحب وهو يقول:
- أريد أن أسمع اسمي منك يا غزل... لا تخجلي، فأنا مثل زوجك تمامًا.
سحبت يدها بخجل، ثم تمتمت بتردد:
- حسنًا...
ابتسم آدم، وقد امتلأت عيناه بالشوق، ثم قال بلهفة:
- هيا... أنا أنتظر.
تنهدت غزل بخجل شديد، ثم همست:
- أدر وجهك إلى الجهة الأخرى أولًا.
استدار فورًا مطيعًا، ثم أجابها مبتسمًا:
- كما تريدين... المهم أن أسمع اسمي.
أغمضت غزل عينيها للحظة، وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم همست بصوتٍ خافت:
- آدم...
انتظرت أن يجيبها، لكنه لم يتحرك، فتحت عينيها باستغراب، ومدت يدها لتضعها برفق على كتفه، ثم سألته بقلق:
- ماذا هناك؟
وفي لحظة خاطفة، استدار نحوها، وأحاطها بذراعيه في عناقٍ دافئ، وهمس بالقرب من أذنها بكل ما يحمله قلبه من صدق:
- أحبك... يا غزل.
________**
وفي الجهة الأخرى، أغلق عامر باب الغرفة خلفه بهدوء، ثم تقدم بخطوات متأنية نحو بيسان، التي كانت تقف في منتصف الغرفة بدلًا من الجلوس، وقد غمر الخجل ملامحها.
توقفت عيناه عندها طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلها داخل قلبه قبل ذاكرته، اقترب منها أكثر، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشقة، وهتف بحبٍ صادق:
- وأخيرًا... أصبحتِ لي، مباركٌ لي بكِ.
ارتبكت بيسان، وانحنت برأسها خجلًا، قبل أن تهمس بابتسامة رقيقة:
- شكرًا.
تنهد عامر بعمق، وما زالت عيناه معلقتين بها، ثم أردف وكأنه لا يصدق ما يعيشه:
- لا أصدق يا بيسان... أخبريني، هل هذا حلم... أم حقيقة؟
ضحكت بخفة، ثم رفعت بصرها إليه قائلة:
- إنها الحقيقة يا عامر.
مد يده نحوها، وأمسك بكفها برفق، ثم نظر في عينيها بكل صدق، وقال:
- أعدك... بكل ذرة نفسٍ أتنفسها، أن أبقى مخلصًا لكِ ما حييت.
ازدادت دقات قلبها، وغمرها شعور بالأمان، قبل أن تتنهد بهدوء وتهمس:
- هل تعلم شيئًا يا عامر؟
ابتسم وهو يشجعها على الحديث، وقال بلطف:
- ماذا؟ أخبريني بكل ما في قلبك، قولي كل ما تشعرين به.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت عينيها إليه، وقد بدأت الدموع تلمع فيهما، قبل أن تنساب كلماتها محملةً بكل ما عانته:
- والله يا عامر... في كل مرةٍ كنت أصلي فيها صلاة الاستخارة، حبًا بعلاقتنا، ورجاءً من الله أن ييسرها، كان قلبي يعتصر ألمًا، وترتجف أطرافي خوفًا بين السجود والقيام والركوع.
شد على يديها ثم سار بها نحو الأريكة جالسًا، بينما هي تكمل:
وما إن أنتهي من الصلاة، وأبدأ بقراءة الدعاء، حتى أتوقف عند تلك الكلمات، "وإن كان شرًا لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان." كانت دموعي تنهمر كل مرة، خوفًا من أن يستجيب الله لذلك الجزء من الدعاء... فأشعر أنني قد أفقدك.
اصابتها غصةً وقد اختنق صوتها بالبكاء الممزوج بالخجل:
ثم يوسوس لي حبي لك، فأجد نفسي أردد الدعاء بصيغة أخرى، وكأنني أتوسل إلى الله أن يبقيك في حياتي، فأقول "وإن كان شرًا لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري... فاجعله خيرًا، واقدره لي حيث كان."
ما إن أنهت حديثها، حتى شعر عامر بوخزة مؤلمة في قلبه، امتلأت عيناه بالدموع تأثرًا بصدق مشاعرها، فتقدم نحوها دون وعي، واحتضنها بحنان، وكأنه يحاول أن يطمئن ذلك القلب الذي أحبّه بكل هذا الإخلاص.
أما بيسان، فقد ابتعدت عنه سريعًا، وقد غمر الخجل وجهها، وهي تخفض رأسها حياءً من قربه، ظل عامر ينظر إليها بعشق، وقد انعقد لسانه عن الكلام.
كان يريد أن يخبرها أن خوفها لن يطول...وأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، ستظهر يومًا...وقبل أن ينطق بحرفٍ واحد...ارتفع رنين هاتفه فجأة، قاطعًا تلك اللحظة الهادئة.
أخرج الهاتف من جيبه بهدوء، ثم وقعت عيناه على الشاشة، وفي لحظة واحدة...تجمدت ملامحه، وشحب وجهه، واتسعت عيناه بصدمة، لقد كان الاسم الذي يضيء شاشة هاتفه...(فداء)
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!