دوامة الشك وعودة الروح
________***
في صباح اليوم التالي، وبعد ليلة طويلة لم تعرف فيها عقولهم طريقًا للراحة، توجه عامر إلى مركز الشرطة بعدما تلقى اتصالًا من سامي يطلب منه الحضور.
كان التعب واضحًا على ملامحه رغم محاولته إخفاءه، فقد حملت الساعات الماضية الكثير من الصدمات المتتالية؛ سقوط سعيد، انكشاف حقيقة فداء، والاعترافات التي فتحت أبوابًا جديدة من الأسئلة بدلًا من أن تغلقها.
دخل عامر إلى مركز الشرطة، ثم توجه مباشرة إلى مكتب سامي، طرق الباب بهدوء، ليرفع سامي رأسه من بين الأوراق التي أمامه، وما إن رآه حتى نهض من مكانه وصافحه بابتسامة خفيفة:
- كيف أصبحت؟
بادل عامر التحية براحة بسيطة وهو يجلس أمامه:
- إنني بخير والحمد لله... هل حضر المحامي؟
أومأ سامي مؤكدًا:
- أجل، إنه ينتظر أمام غرفة التحقيق.
نهض الاثنان معًا، واتجها نحو غرفة التحقيق. دخل سامي إلى الداخل برفقة المحامي وشخصين آخرين، بينما بقي عامر خلف الزجاج الأسود، يراقب المشهد بصمت.
كان شريف يجلس أمام المحامي، يتحدث معه ببرودٍ شديد، وكأن وجوده في غرفة التحقيق لا يعني له شيئًا، ذلك الهدوء أثار فضول عامر، فلطالما شعر أن خلف صمته الكثير من الأمور المخفية.
تقدم سامي نحو الطاولة، ثم نظر إلى شريف مباشرة:
- والآن أخبرني... من أين نبدأ؟
رفع شريف عينيه إليه، وبقي محافظًا على هدوئه المعتاد:
- أريد أن أكون معه بمفردي لدقائق أخرى.
تغيرت ملامح سامي قليلًا، وأجابه بحزم:
- لا يجوز ذلك، انتهى الوقت المحدد له.
لم يتغير شيء في ملامح شريف، فقد تحدث بنفس الهدوء:
- أريد الحديث معه قليلًا، ثم أريد الحديث مع عامر أيضًا.
في تلك اللحظة همس أحد رجال الشرطة لسامي ببعض الكلمات، فضغط سامي على يده بتوتر قبل أن يزفر بضيق:
- خمس دقائق لا أكثر.
خرج سامي والبقية من الغرفة، بينما بقي المحامي مع شريف، اقترب شريف منه قليلًا، وخفض صوته حتى لا يسمعه أحد:
- هل فعلت ما طلبته منك يا مأمون؟
أجابه مأمون بنفس الهمس وهو يومئ برأسه:
- أجل سيد شريف، لقد أرسلت صباحًا رسالة أخرى من هاتف أحمد القديم، وتركت الهاتف في بيتك القديم بعدما عطلت جهاز التعقب الموصول به.
ظهرت الراحة على ملامح شريف:
- أحسنت... والشيء الآخر؟ هل هو جاهز؟
أكد مأمون بكل اخلاص:
- أجل، إنه جاهز، وسنقوم بإيصاله غدًا للشخص المناسب، لا تقلق.
بقي شريف صامتًا للحظات، ثم سأل بتفكير:
- سأخرج من هنا، ولا يوجد شيء يدينني، أليس كذلك؟
هز مأمون رأسه نافيًا:
- لا أظن ذلك... لكن لا تنسَ أن سعيد شهد عليك، وهناك أيضًا الأوراق التي بحوزته، فتوقيعاتك بالاستلام موجودة عليها.
تنهد شريف بضيق، فقد كان يعلم أن الأمور لم تكن بهذه السهولة:
- لكن توجد طريقة للهروب، أليس كذلك؟
أومأ مأمون بتأكيد:
- أجل. اليوم، أثناء ترحيلكم إلى النيابة العامة، سيتم نقلكم إلى سيارة أخرى، نستطيع تدبير الأمر، لقد أخبرني السيد سعيد بهذه الطريقة من قبل، وجهزنا الأوراق اللازمة لتهريبكم أيضًا، لا تقلق، ولهذا اعترف السيد سعيد بكل شيء وهو مطمئن.
نظر شريف أمامه بتوتر، وكأنه يحاول التعلق بأي أمل متبقٍ:
- أتمنى أن يحصل ذلك.
وقف مأمون وهو يحمل أوراقه، ثم نظر إليه بجدية:
- أخبرهم بما يطلبون، ولا تقلق بشأن ما طلبته مني، سنوصله، والآن سأستأذن.
خرج المحامي، وفي اللحظة نفسها عاد سامي إلى الداخل وخلفه عامر، اقترب سامي من شريف، وبدأ بتفتيشه بحذر، خشية أن يكون المحامي قد أعطاه أي شيء يساعده على الهرب.
بعد أن انتهى، جلس عامر أمام شريف، بينما وقف سامي بعيدًا يراقب، نظر عامر إليه باستفسار:
- ماذا هناك؟
ظهرت ابتسامة غامضة على وجه شريف، ثم أرجع ظهره إلى الخلف:
- أريد أن أخبرك ببعض الأشياء التي لا تعلم بها.
نظر إليه عامر بلا اهتمام:
- اسمعني لأرى ما لديك.
ابتسم شريف بخبث، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة:
- هل تعلم ماضي بيسان... خطيبتك؟
تجمدت ملامح عامر للحظة، فكيف يعلم شريف بأمر خطبته؟ تابع شريف وكأنه يقرأ أفكاره:
- أعلم أنك عقدت قرانك عليها من اليوم التالي لعقد قران فدوى، لكن ما أجهله حقًا... لماذا عقدت قران الاثنتين معًا؟ هل كان حبًا لهما؟ أم كانت خطة؟ أم كانت رغبة والدك؟
اقترب قليلًا وهو يبتسم بسخرية:
- دعني أخمن... لا بد أنها كانت خطة لكشف سعيد، أليس كذلك؟ وأعلم أيضًا أنكم أخبرتم أحلام بحقيقتي، ولذلك طلبت الطلاق، أنا أعلم كل شيء يا عامر.
اشتعل الغضب داخل عامر، فضغط على يده بقوة:
- من أين تعلم أنت يا هذا؟
ضحك شريف بخفة:
- لدي مصادري الخاصة يا عامر... لكنك لم تجبني، هل تعلم ماضي بيسان؟
تصلبت ملامح عامر، لكنه حاول الحفاظ على هدوئه:
- أمر بيسان لا يعنيك يا شريف، وأجل... أعلم ماضيها.
نظر إليه شريف باستغراب مصطنع:
- هل أخبرتك بذلك حقًا؟ هل أخبرتك أنها ليست فتاة مؤهلة للزواج؟
كتم عامر صدمته، وأجابه متحديًا:
- أجل، أعلم ذلك... ورغم هذا ما زلت أريدها، هل هناك شيء آخر لا أعلمه؟
ظهرت ابتسامة خبيثة على وجه شريف:
- هل تعلم على يد من فقدت عذريتها؟
ساد الصمت للحظات، وكأن الكلمات أصابت عامر في مكان حساس، أغمض عينيه محاولًا السيطرة على غضبه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأجابه بابتسامة تخفي بركانًا بداخله:
- أعلم ذلك أيها النذل.
وقف شريف بغضب، وكأن الإجابة استفزته:
- أما زلت تريدها؟ إنها لي ولن تكون لك يا عامر... إني أول من شاهدها، واول من اردتها، لآخر نفسٍ في حياتي سأحرص على ألا تمسها.
ثم تابع باستهزاء:
- لقد تزوجت أحلام لكي أصل إليها فقط... لكن هل تعلم كم هي جميلة؟ إن لديها...
لم يكمل جملته، فقد فقد عامر السيطرة على نفسه، ارتفعت يده لتصيب وجه شريف، ثم انهال عليه بغضب مكبوت:
- اصمت... اصمت! يكفي يا لك من نذل حقير! سوف أقضي عليك!
القسم الثاني: نار الغضب ووجع الحقيقة
لم يستطع عامر السيطرة على نفسه أمام كلمات شريف المستفزة، كان يشعر وكأن كل كلمة خرجت منه كانت تطعن شيئًا عزيزًا بداخله، فلم يعد يرى أمامه سوى الرجل الذي حاول تحطيم كل شيء جميل في حياته.
استمر في غضبه، لكن سامي الذي كان يراقب الموقف من خلف الزجاج الأسود تدخل ما إن رأى ما يحدث حتى أسرع بالدخول.
أمسك بعامر بصعوبة وأبعده عن شريف، الذي كان يحاول إخفاء ابتسامته رغم غضبه، وكأنه حصل على ما أراده تمامًا:
- ابتعد يا عامر... سوف ترتكب جريمة بحقه.
حاول عامر التخلص من يد سامي، والغضب يسيطر على ملامحه:
- دعني أقضي عليه... ابتعد!
أشار سامي بسرعة إلى رجال الشرطة، ونبرته أصبحت أكثر حزمًا:
- ضعوه في الزنزانة، أسرعوا.
وقبل أن يخرج شريف من الغرفة، التفت نحو عامر بنظرة مليئة بالتحدي:
- صدقني يا عامر... لن تكون لك بيسان، وهذا وعد مني.
خرج برفقة رجال الشرطة، بينما بقي عامر في مكانه يتنفس بصعوبة، وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يدخل إلى صدره.
جلس على الكرسي وهو يضغط على وجهه بعصبية، محاولًا استيعاب ما حدث، بينما اقترب منه سامي ووضع أمامه كأس ماء:
- تفضل يا عامر... هدئ من نفسك.
أمسك عامر بالكأس، وارتشف بعض القطرات فقط، ثم وضعه على الطاولة وهو يخرج تنهيدة عميقة.
نظر إليه سامي باستغراب وقلق:
- ما الذي أخبرك به حتى تصل إلى هذه الحالة؟
لم يجب عامر، كان عقله ممتلئًا بالكثير من الأسئلة، والكثير من الخوف الذي لم يستطع الاعتراف به.
وقف ببطء، ثم تجاوز سامي متجهًا نحو الخارج:
- أريد أن أكون بمفردي قليلًا.
خرج من مركز الشرطة، واتجه نحو سيارته. فتح الباب، ثم وقف للحظات قبل أن يجلس، وأبعد أول أزرار قميصه وهو يحاول التقاط أنفاسه.
أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى المقعد، بينما كانت الأفكار تعصف به.
"يا الله... هل حقًا حدث ذلك بإرادتها أم لا؟ لا... لا، لا بد أنه يمزح. هو يريد فقط أن يثير غضبي، ليس إلا... لا يمكن أن يكون فعل ذلك حقًا."
بقي وقتًا طويلًا يحاول تهدئة نفسه، حتى أخذ نفسًا عميقًا وأعاد ترتيب أفكاره، لم يكن يستطيع سؤال بيسان عن الأمر، فغدًا موعد زفافهما، وكل شيء أصبح معقدًا أكثر مما توقع.
لكنه احتاج إلى معرفة الحقيقة، لذلك عاد إلى الداخل مرة أخرى، ما إن رآه سامي حتى نظر إليه باستغراب:
- ألم تذهب يا عامر؟
أجابه عامر بسرعة ولهفة:
- أين شريف؟ أريد أن أقابله.
هز سامي رأسه وهو يمسك بذراعه ويمنعه من التقدم:
- سيتم نقلهم إلى النيابة العامة ليتم الحكم عليهم، لقد استجوبناه وأنهينا معه.
ضرب عامر الحائط خلفه بقوة، وهو يحاول كتم غضبه:
- لا أستطيع مقابلته، أليس كذلك؟
فكر سامي قليلًا ثم أجاب:
- حاليًا لا تستطيع... لكن يمكنك بعد الحكم عليهم.
بقي عامر صامتًا للحظات، ثم أومأ:
- حسنًا... هيا بنا.
---
وصلت السيارة التي ستنقل المقبوض عليهم، فتقدم سامي وأمر السائق بالنزول:
- يمكنك الترجل منها.
نظر السائق إليه بتوتر:
- حـ.....حسنًا سيدي.
صعد سامي إلى مكانه، ثم أشار إلى أحد الرجال:
- هيا يا عامر... ثم ضعوه في الحبس.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
داخل السيارة، كانت فدوى تجلس بصمت، تحدق أمامها بشرود. كانت تعلم أن اللحظة التي ستواجه فيها مصيرها أصبحت قريبة، ولم يعد هناك مجال للهروب من الحساب.
قطع سعيد صمتها وهو ينظر إليها:
- فدوى، ليس وقت شرودك... سوف نتخلص من هذا المأزق.
اقترب شريف منها بابتسامة خبيثة، وكأنه وجد فرصة جديدة لإشعال الفوضى:
- هل تعلمين أن الشخص الذي طلقكِ متزوج بأخرى؟
رفعت فدوى نظرها إليه بصدمة:
- ماذا تقصد؟
ابتسم شريف باستهزاء:
- يا لكِ من ساذجة... لقد تزوجك لكشف حقيقتكم فقط، وغدًا زفافه من بيسان.
انخفضت عينا فدوى بحزن، لكنها لم تبدُ غاضبة، بل كان هناك شيء من الرضا المؤلم:
- إنه يستحقها أكثر مني.
نظر إليها سعيد بعدم استيعاب:
- من تقصدين؟ أتقصدين تلك الفتاة التي كنت أريدها في ذلك اليوم؟
أجاب شريف بثقة:
- أجل... إنها هي.
وقبل أن يكمل حديثه، توقفت السيارة فجأة، فتح الباب، ليظهر سامي أمامهم، تجمدت ملامح الجميع من الصدمة:
- كيف هذا؟
ابتسم سامي بانتصار:
- هل ظننتم أنكم تستطيعون النجاة منا؟
هبط سعيد من السيارة، لكنه ما إن تحرك حتى أمسك به أحد رجال الشرطة، نظر إلى سامي بغضب:
- صدقني... لم ينتهِ الأمر بعد.
لكن في تلك اللحظة لمح عامر السلاح في يد سعيد، ولم يكن أحد يتوقع ما سيحدث بعدها. تحركت فدوى بسرعة، فقد رأت الخطر قبل الجميع.
أفلتت يد الشرطي الذي يمسك بها، وركضت باتجاه عامر لتقف أمامه، شهقت بقوة عندما أصابتها الرصاصة، ثم نظرت إلى عامر بعينين ممتلئتين بالحب والندم:
- شكرًا لك على كل شيء.
أمسك بها عامر قبل أن تسقط أرضًا، وصوته خرج مذعورًا:
- لا تتحدثي يا فدوى... ستكونين بخير.
كانت أنفاسها ضعيفة، لكنها ابتسمت رغم الألم:
- كنت أريد أن أشاهدك قبل أن يتم إعدامي.
تغيرت ملامح عامر بغضب وحزن:
- لماذا فعلتِ هذا؟
ابتسمت فدوى بحب صادق للمرة الأولى:
- أردت أن أكفر عن بعض ذنوبي... لقد فعلت شيئًا من أجلك، أقسم انني ندمت وتراجعت لكنه ورطني في ذلك. أوصل سلامي لعمي جمال وخالتي نادية.
ضغط عامر على جرحها محاولًا إيقاف النزيف:
- اصمتي... ستكونين بخير، وبعدها سيتم الحكم عليكِ، لن تهربي بفعلتكِ هذه فدوى.
هزت رأسها بضعف:
- لا أظن ذلك... أخبرهم أنني أحببتهم بصدق، أتمنى لك حياة سعيدة مع بيسان، انت تستحقها.
بدأت عيناها تثقلان، فارتفع صوت عامر بخوف:
- لا تغلقي عينيكِ... افتحيهما، لا يجب عليكِ أن تموتي، ما زال قلبك يعمل... إنني أشعر بنبضاته.
اقترب رجال الإسعاف بسرعة، وحملوها بعيدًا عنه، بينما تم وضع سعيد في السيارة الأخرى، بقي عامر ينظر إلى سعيد بصدمة، فقد كانت الرصاصة قد أصابته.
اقترب سامي منه موضحًا:
- لقد أطلق النار عليه بمجرد خروج الرصاصة من سلاحه، لا أعلم من أين حصل على السلاح.
التفت عامر بسرعة نحو شريف، ليجده مكبلًا جيدًا ورجال الأمن يحيطون به، تنفس براحة، ثم جلس على قدميه، فقد شعر أن جسده لم يعد قادرًا على حمله.
وضع سامي يده على كتفه:
- لقد فقدنا سعيد من أول لحظة... أما فدوى فلا أعلم ما حالتها.
نظر عامر أمامه بشرود:
- لقد فقدناها هي الأخرى.
ساعده سامي على الوقوف:
- اذهب وارتح يا عامر... لا يجب أن تكون هكذا غدًا، فغدًا زفافك.
تحرك عامر نحو سيارته بصمت:
- أخبرني بحكم شريف.
أجابه سامي مطمئنًا:
- إنه الإعدام... لا تقلق.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!