دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 5 من 5
وضع القراءة:

ابتسامةٌ بعد النجاة

**
هرع الأطباء والممرضون إلى غرفة العناية المركزة فور انطلاق صفير جهاز مراقبة القلب، بينما وقف عامر يوجههم بسرعة وحزم، وقد ارتسمت على ملامحه ملامح طبيبٍ يدرك أن كل ثانية قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.
أما بيسان، فلم تستطع البقاء في الداخل، إذ أمسك عامر بذراعها برفق وأخرجها من الغرفة قبل أن يغلق الباب خلفه.
وقفت بيسان خلف الزجاج الفاصل، وقد التصقت أناملها به، وعيناها لا تفارقان الصغيرة الراقدة على السرير، بينما كانت غزل تقف إلى جوارها، تحاول تهدئتها، لكنها هي الأخرى كانت ترتجف خوفًا.
راقبتا الأطباء وهم يتحركون بسرعة داخل الغرفة، يتبادلون الأوامر، ويحيطون بنيسان من كل جانب، ثم شاهدتا عامر يلتقط جهاز الصدمات الكهربائية ويستعد لاستخدامه.
حبست بيسان أنفاسها، وشعرت بأن قلبها توقف عن النبض، بينما أخذت تتمتم بدعاءٍ لم ينقطع عن شفتيها.
يا رب... لا تحرمني منها... أرجوك.
مرت دقائق بدت وكأنها دهرٌ كامل، حتى رفع عامر رأسه أخيرًا، ونظر عبر الزجاج نحو بيسان، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مطمئنة.
عادت نبضات قلب نيسان إلى انتظامها.
أطلقت بيسان زفرةً طويلة، وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال تلك الدقائق، ثم انهارت جالسةً على الأرض، وأجهشت بالبكاء، لكنها كانت هذه المرة دموع ارتياحٍ وحمد.
اقتربت منها غزل بسرعة، واحتضنتها قائلةً بحنان:
الحمد لله... لقد استجاب الله لدعائنا.
أومأت بيسان وهي تمسح دموعها بصعوبة، ثم رفعت رأسها مع خروج عامر وآدم من الغرفة.
نهضت مسرعة واتجهت نحوهما، وسألت بقلقٍ لم يفارقها:
ما الذي حدث لها؟
أجابها عامر بهدوء، محاولًا طمأنتها:
يبدو أن هناك اضطرابًا في جهازها العصبي، وربما تعرضت لضغطٍ نفسي شديد حتى قبل حادثة السفينة، وما مرت به اليوم كان فوق قدرة جسدها الصغير على التحمل، فاستجاب بهذه الصورة.
تبادلت بيسان وغزل نظرةً صامتة، ثم عادت بيسان لتنظر إليه وهي تسأل بخوف:
والآن... هل أصبحت بخير؟
ابتسم عامر ابتسامةً هادئة وقال:
نعم، حالتها مستقرة الآن، لكننا سنبقيها تحت المراقبة حتى تستعيد كامل وعيها وعافيتها.
اتسعت ابتسامة بيسان، وأضاءت عيناها بعد طول خوف.
حقًا؟
أومأ برأسه وقال بثقة:
حقًا.
ثم استأذن منهما وانصرف لإكمال عمله، بينما بقيت بيسان تتابع أثره بعينيها قبل أن تلتفت نحو باب غرفة العناية، وقد عاد الأمل ليسكن قلبها من جديد.
____________*
مر أسبوعٌ كامل...
وخلاله بدأت حالة نيسان تتحسن تدريجيًا، حتى سمح الأطباء بنقلها من غرفة العناية المركزة إلى غرفةٍ عادية بعد يومين من استقرار علاماتها الحيوية.
وفي صباح أحد الأيام...
فتحت بيسان باب الغرفة وهي تحمل صينية الإفطار بين يديها، وما إن وقعت عينا نيسان عليها حتى ارتسمت على وجهها الصغير ابتسامةٌ واسعة، بددت شيئًا من تعبها.
اقتربت بيسان منها وهي تبتسم بحنان، ثم وضعت الصينية على الطاولة المجاورة للسرير.
قالت غزل، التي كانت تجلس بالقرب من النافذة، وهي تنظر إليهما بمشاكسة:
أرى أنكِ أحضرتِ لها الإفطار... أما أنا فلا أستحق حتى قطعة خبز!
ضحكت بيسان وهي تجلس إلى جوار نيسان، ثم قالت:
لأنكِ كبيرة، وتستطيعين إحضار طعامك بنفسك.
عقدت نيسان حاجبيها الصغيرين، ثم سألت باستغراب:
عمَّ تتحدثان؟
ربتت بيسان على شعرها برفق وقالت:
غزل تغار لأنني أحضرت لكِ الإفطار ولم أحضر لها شيئًا.
لمعت عينا نيسان ببراءة، ثم وضعت يدها برفق فوق الضماد الذي يحيط برأسها وقالت:
لكنني أيضًا كبيرة.
ابتسمت بيسان، ثم انحنت تقبل رأسها بحنان وقالت:
لا... أنتِ طفلتي المدللة، وستبقين كذلك دائمًا.
رفعت نيسان حاجبيها الصغيرين وكأنها تحاول إثبات وجهة نظرها، ثم قالت بجدية طفولية:
- لا... ألم تقولي لي من قبل إن من ينزف دمًا يكون كبيرًا؟ وها أنا قد أُصبت ونزفت دمًا.
نظرت غزل إليها بدهشة مصطنعة، ثم جلست بجانبهما وهي تقول بمشاكسة:
- ومن أخبركِ بهذا يا نيسان؟ لا تقولي لي إن هذه الساحرة هي من أخبرتكِ!
ثم أشارت إلى نفسها وأضافت بتذمر:
- إلى الآن لم أُصب أبدًا... هل يعني هذا أنني ما زلت صغيرة؟
ابتسمت نيسان بسعادة وأجابت دون تردد:
- نعم... أنتِ صغيرة.
فتحت غزل فمها بصدمة، بينما ضحكت بيسان بهدوء على ملامحهما.
وفي تلك اللحظة، قاطع حديثهما صوت طرقٍ خفيف على الباب، ثم دلف عامر إلى الغرفة وهو يحمل ملف الكشف الطبي بين يديه.
ابتسم لهم وألقى تحية الصباح:
- صباح الخير.
أجابته بيسان وهي تنظر نحو نيسان:
- صباح الخير.
اقترب عامر من السرير بعد أن ابتعدت بيسان وغزل قليلًا، ثم جلس بجانب الصغيرة وقال بابتسامة هادئة:
- كيف أصبحتِ اليوم يا صغيرة؟
ما إن سمعت نيسان صوته حتى رفعت رأسها بسرعة، وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا، ثم أشارت نحوه وهي تنظر إلى بيسان.
ابتسمت بفرح وقالت:
- إنه هو... إنه الطبيب الذي أنقذني، لقد رأيته عندما كان يحملني.
نظر عامر إليها بدهشة، فقد كان مندهشًا من قدرتها على تذكره رغم كل ما مرت به.
أما في داخله، فقد شعر بشيءٍ من الأسى، فكيف لطفلةٍ بكل هذا الجمال والبراءة أن حُرمت من نعمة السمع، ثم ابتسم عندما تذكر أنها لم تكن عاجزة، بل كانت تملك طريقةً خاصة للتواصل مع العالم من حولها.
التفت إلى بيسان وسألها باستغراب:
- ماذا تقول؟
ابتسمت بيسان وهي تترجم له إشارات شقيقتها:
- تقول إنك الشخص الذي أنقذها... لقد شاهدتك وأنت تخرجها من المياه.
اقترب عامر من نيسان، ثم ابتسم وهو يبعثر شعرها برفق.
- وهل تتذكرينني يا نيسان؟
أومأت الصغيرة برأسها بحماس.
- نعم... أتذكرك أيها الطبيب.
نظر عامر إلى بيسان باستغراب، ثم سأل:
- لكن كيف فهمتِ ما قالته؟ أقصد... كيف عرفتِ أنها تقصد هذا؟
ابتسمت بيسان وقالت:
- إنها تجيد قراءة حركة الشفاه.
أومأ عامر بتفهم، ثم عاد بنظره إلى نيسان وسألها:
- وكيف أصبحتِ اليوم؟
ابتسمت الصغيرة ببراءة، ثم قالت:
- بخير... شكرًا لك.
نظر عامر إليها للحظة، ثم ابتسم باستغراب وقال:
- هل شكرتِني الآن؟
أومأت نيسان بسعادة.
- نعم... هل تستطيع فهمي أيها الطبيب؟
ارتبك عامر قليلًا، لأنه لم يفهم ما قالته، فوضع يده خلف رقبته بحرج والتفت إلى بيسان.
فهمت الأخيرة الأمر، ثم قالت:
- تسألك إن كنت تستطيع فهم ما تتحدث به هي.
ابتسم عامر بخجل وقال:
- لا... لكن أعدك أنني سأتعلم لغتك حتى أستطيع فهمك، اتفقنا؟
صفقت نيسان بسعادة، وظهرت الفرحة واضحة على ملامحها.
- حسنًا... سوف أنتظرك.
ثم أضافت بحماس:
- أم أنك تريد أن أقوم أنا بتعليمك؟
نظر عامر إلى بيسان مستفسرًا، فهو لم يفهم ما قالته.
ترجمت له بيسان:
- تقول إنها تستطيع تعليمك إن أردت.
نظرت بيسان إلى نيسان بعتاب خفيف، ثم أشارت لها:
- كفى يا نيسان... لا تجبريه على ذلك.
ضحكت غزل وهي تتابع الحوار، بينما سأل عامر باستغراب:
- ماذا هناك؟
أجابته غزل:
- إنها تخبرك أنها تريد أن تكون معلمتك الصغيرة.
نظر عامر إلى نيسان بابتسامة وقال:
- يمكنكِ ذلك يا نيسان... وسوف أتعلم بسرعة أيتها المعلمة الصغيرة.
فرحت نيسان كثيرًا، ثم اندفعت تعانقه بعفوية.
تجمد عامر للحظة من المفاجأة، لكنه سرعان ما ابتسم وبادلها العناق بحنان، ثم رفع عينيه نحو بيسان التي كانت تنظر إليهما بصدمةٍ ممزوجة بالاستغراب.
ابتعد عنها بحرج، ثم قال:
- حسنًا... هيا الآن تمددي، أريد أن أفحصك.
نفذت نيسان طلبه، بينما جلست غزل وبيسان تراقبانها.
وبعد أن انتهى عامر من فحصها، نظر إليها وقال:
- تستطيعين الخروج غدًا يا صغيرة.
اتسعت عينا نيسان بسعادة.
- حقًا؟
ابتسم عامر، ورغم أنه لم يفهم إشارتها تمامًا إلا أنه قال:
- حقًا... اهتمي بنفسك، سأخرج الآن.
خرج من الغرفة، وبقي أثر وجوده حاضرًا في المكان.
نظرت غزل إلى بيسان، التي كانت تتابع خروجه بصمت، ثم ضربتها بخفة على كتفها وقالت بخبث:
- أين ذهبتِ؟
انتبهت بيسان إليها وسألت:
- ماذا تريدين؟
ابتسمت غزل وهي تنظر إلى الباب الذي خرج منه عامر بحالمية:
- آه... هل رأيتِ كيف هو؟ ليتني أستطيع أخذه!
نظرت إليها بيسان بضيق وقالت:
- غزل... احترمي نفسك، إنه رجل غريب عنك، ولا يجوز أن تتحدثي بهذه الطريقة.
تنهدت غزل وهي تقول:
- لكنه جميل ووسيم وطويل... والأهم من ذلك أنه طيب القلب.
ابتسمت نيسان وقالت ببراءة:
- هل يمكننا دعوته إلى منزلنا بعد أن نخرج؟
نظرت بيسان إليهما باستغراب وقالت:
- ماذا تتحدثان أنتما؟ وأنتِ يا نيسان... هيا نامي الآن.
خفضت نيسان رأسها بحزنٍ بسيط بعد حديث بيسان، ثم استسلمت لأمرها واستلقت على السرير، بينما سحبت بيسان الغطاء فوقها بحنان.
همست الصغيرة:
- حسنًا...
ابتسمت بيسان لها، ثم مررت يدها على شعرها حتى هدأت ملامحها قليلًا.
وبعد مدةٍ قصيرة، غلب النوم نيسان، كما استسلمت غزل هي الأخرى للنوم وهي ما زالت ممسكةً بيد الصغيرة، وكأنها تخشى أن تتركها حتى أثناء نومها.
أما بيسان، فجلست في طرف الغرفة تحمل كتاب الله بين يديها، تقرأ منه بهدوء، وكأن الآيات كانت البلسم الوحيد القادر على تهدئة قلبها بعد الأيام العصيبة التي مرت بها.
وبعد وقتٍ ليس بقليل...
انفتح باب الغرفة بهدوء، لتدخل مروة والدة غزل، وما إن وقع نظرها على المشهد حتى ارتسمت ابتسامةٌ دافئة على وجهها.
رأت نيسان نائمةً بسلام، ويدها الصغيرة داخل يد غزل النائمة، بينما كانت بيسان تجلس بالقرب منهما تقرأ القرآن.
اقتربت مروة بخطواتٍ هادئة، ثم سألت بصوتٍ منخفض:
- كيف حالها الآن؟
أغلقت بيسان المصحف برفق، ثم وضعته جانبًا، واقتربت من نيسان وقبلت رأسها قبل أن تجيب:
- إنها بخير الآن، الحمد لله... تحسنت كثيرًا.
جلست مروة على المقعد المقابل لهما، وأطلقت تنهيدة طويلة تحمل الكثير من التعب.
قالت بيسان وهي تنظر إليها بتعاطف:
- وكيف الأمور في البيت يا خالتي؟ هل ما زال الوضع كما هو؟
خفضت مروة عينيها بحزن، ثم قالت:
- لا أعلم ماذا أفعل يا ابنتي... لقد أخبرت عمر مرارًا وتكرارًا أن يبتعد عن التدخين، لكنه لا يستمع إليّ، وكأن كلامي لا يصل إليه.
تنهدت بيسان بأسف، ثم أمسكت يدها برفق.
- لا تقلقي يا خالتي... أنا قادمة، وسأتحدث معه.
نظرت إليها مروة بأمل، فهي تعرف مكانة بيسان عند عمر، وكيف كان يستمع إليها أكثر من غيرها.
قالت:
- أرجو ذلك... أنتِ تؤثرين عليه كثيرًا.
ابتسمت بيسان ابتسامة خافتة، لكنها لم تخفِ قلقها.
- أتمنى ذلك... لقد تغير كثيرًا في الفترة الأخيرة، لم يعد عمر الذي نعرفه.
تنهدت مروة بحزن وقالت:
- كل هذا بسبب صديق مروان.
نظرت إليها بيسان بحيرة، لكنها لم تسأل، فقط احتضنتها بحنان وقالت:
- لا تقلقي... سيعود عمر الذي نعرفه، بإذن الله.
____________*
في المساء...
عاد عامر إلى منزله بعد يومٍ طويلٍ مليء بالأحداث، وما إن دخل حتى وجد والدته قد أنهت صلاتها للتو.
اقترب منها، وقبل جبينها بحب، ثم جلس إلى جوارها وقال:
- كيف أنتِ يا أمي؟
ابتسمت نادية بحنان وأجابته:
- بخير يا بني... وكيف كان عملك اليوم؟
أجاب وهو يخلع سترته:
- جيد... أين أبي؟
أشارت نحو الداخل وقالت:
- إنه في الداخل، لقد نام بعد أن تناول دواءه.
أومأ عامر بتفهم، ثم نهض استعدادًا للصعود.
- حسنًا... سأذهب لأبدل ثيابي.
وقبل أن يصعد، نادته والدته:
- عامر...
التفت إليها.
أكملت:
- ابنة عمك ستأتي غدًا.
تغيرت ملامحه فور سماعه حديثها، وقال بضيق:
- وما الذي تريده؟
اتجهت نادية نحو المطبخ وهي تجيبه:
- لا أعلم... والدك أخبرها أن تأتي في أي وقت.
عقد عامر حاجبيه بغضب، وقال:
- لقد أخبرت أبي أنني لا أرغب بالارتباط بها... لماذا لا يحترم رغبتي؟
توقفت نادية للحظة، ثم نظرت إليه بحزن، فهي تعلم أن ابنها لا يحب أن يُجبر على شيء، لكنها أيضًا تعلم رغبة والده الكبيرة في هذا الأمر.
قالت بهدوء:
- تحدث معه مرةً أخرى يا بني... ربما يفهمك هذه المرة.
زفر عامر بضيق، ثم صعد الدرج دون رد، بينما بقيت والدته تنظر إلى أثره وهي تفكر في الصراع القادم بين رغبة ابنها وإصرار زوجها.
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.