دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 48 من 53
وضع القراءة:

بداية العهد وأسرار تُكتشف

________**
ارتسمت على شفتي عامر ابتسامة متوترة، ثم رفض المكالمة وأعاد هاتفه إلى جيب سترته بهدوء. راقبته بيسان باستفهام، قبل أن تهمس بنبرة هادئة انتهت بـ:
- إن كان الأمر ضروريًا فأجب.
هز رأسه نافيًا، ثم أجابها بعينين لا تفارقان ملامحها:
- لا، ليس ضروريًا... لا يوجد أحد أهم منك يا بيسان.
ابتسمت بخجل، وأطرقت برأسها وهي تتمتم:
- حسنًا... كما تشاء.
ظل عامر يتأملها طويلًا وكأنه لا يزال عاجزًا عن استيعاب الحقيقة. أحقًا أصبحت زوجته؟ أحقًا بات بإمكانه أن يعبر عن مشاعره بحرية بعد كل ما مرّ بهما؟ بدا الأمر بالنسبة إليه أشبه بحلم يخشى أن يستيقظ منه.
طال صمته حتى رمقته بيسان باستغراب، بينما كان هو يتأمل تفاصيل وجهها بدقة، ثم توقفت عيناه عند عينيها اللتين ورثتا بريق أحمد، فابتسم بعشق، ومد يده يمسك بكفها وهو يتنهد قبل أن يبوح بما في قلبه:
- حقًا... أحمد الله على نعمته التي رزقني إياها بكِ يا بيسان، لا أزال غير مصدق أنكِ معي.
ضحكت بخجل من حديثه، لكن قبل أن تجيبه، عاد هاتفه يرن من جديد، تنهد عامر بعمق، ثم أخرج الهاتف، لتقع عينا بيسان على اسم المتصلة، فرفعت حاجبها باستنكار.
لمح نظرتها، فابتسم بخبث بسيط، ثم أجاب المكالمة متعمدًا مراقبة ردّة فعلها:
- مرحبًا يا فداء.
جاءه صوتها المرتجف بالخوف:
- عامر... أين أنت؟ هل أنت بخير؟
حوّل بصره إلى بيسان وهو يجيب بهدوء:
- أجل، أنا بخير يا فداء.
تنفست براحة واضحة قبل أن تسترسل بقلق:
- الحمد لله... لقد قلقت كثيرًا عندما لم تتصل بي بعد أن أرسلت لي رسالة تخبرني ألا أحضر، لكن لماذا لا تجيب على هاتفك؟ أين أنت؟ هل أنت في المستشفى؟
ضاق صدره من كثرة أسئلتها، إلا أنه أخفى انزعاجه خلف نبرة هادئة:
- لا، لست في المستشفى... أنا مع آدم.
ترددت قليلًا قبل أن تتابع:
- هل يمكنني معرفة سبب وجودك هناك؟ لأنني الآن أمام باب منزلكم، ولا يوجد أحد في الداخل.
التفت عامر إلى بيسان، فوجدها تنفخ وجنتيها بضيق واضح، فأسرع يجيب وهو يستغفر الله في سره:
- ذهبت لأطمئن على الجرح... وأنا في طريقي الآن.
لم يبدُ القلق قد غادر صوتها، بل ازداد وضوحًا وهي تقول:
- لكنك قلت إنك لست في المستشفى... ولماذا عمي وخالتي ليسا معك؟ عامر، أرجوك أخبرني الحقيقة، هل أنت بخير؟
استمعت بيسان إلى حديثها، فعقدت ذراعيها أمام صدرها ورفعت حاجبيها باستياء، ابتسم عامر محاولًا تهدئتها، ومد يده يمسك بكفها، لكنها سحبته بضيق، فأعاد الإمساك بها بإصرار وهو يخاطب فداء:
- لا تقلقي يا فداء، أنا بخير، عودي إلى المنزل، فالوقت تأخر.
خرج صوتها هذه المرة محملًا بالحزن:
- أريد فقط أن أطمئن عليك... لقد أخبرتني صباحًا أنك لن تستطيع الخروج معي لأنك متعب، وأنا أتفهم ذلك، لكنني أردت الاطمئنان عليك لا أكثر... أرجوك، قدّر خوفي عليك يا عامر.
ما إن سمعت بيسان عبارتها الأخيرة حتى اتسعت عيناها بصدمة، وضربت يده بقوة، إلا أنه لم يتركها، بل أنهى المكالمة سريعًا:
- عودي إلى المنزل يا فداء... وسأتصل بك عندما أعود.
أجابته بإحباط كبير قبل أن تغلق:
- كما تريد يا عامر.
أنهى المكالمة، وما إن أعاد الهاتف إلى جيبه حتى انهالت عليه بيسان بضربة أخرى على كتفه وهي تقول بامتعاض:
- ابتعد عني يا عامر! هكذا تبدأ من أول لحظة؟
ضحك على غيرتها اللطيفة، بينما كان داخله يشتعل قلقًا، لقد أصبحت فداء تتحدث وكأنها زوجته، وهذا ما لم يعد يحتمله، كان عليه أن ينهي هذه المسرحية سريعًا ويصل إلى رأس العصابة قبل أن تتفاقم الأمور.
رمقته بيسان بحزن قبل أن تهمس:
- ماذا تريد منك؟ ولماذا تتصل بك في هذا الوقت؟ ألم تسمع ما قاله شادي؟ إنها خائنة.
ابتسم لغيرتها، ثم رفع يدها إلى شفتيه يقبلها برفق وهو يجيب:
- أعلم أنها خائنة، لكنني أسايرها حتى أكتشف من يقود العصابة.
أطرقت برأسها لحظة، ثم عادت تنظر إليه بجدية:
- لكن لا تمنحها فرصة للتقرب منك، هل سمعت؟ يكفي طريقتها المستفزة في الحديث.
أومأ لها مبتسمًا، لكنها سرعان ما عقدت حاجبيها وهي تتذكر شيئًا:
- لحظة... هل وعدتها بالخروج؟
ارتبك عامر، ثم تمتم بتلعثم:
- نعم... أقصد لا... ليس كما تظنين يا بيسان.
لم تنتظر تفسيرًا، بل وجهت قبضة يدها إلى صدره، فانحنى متأوهًا وهو يضع يده فوق موضع الجرح.
اتسعت عيناها بذعر، وأسرعت تقترب منه بلهفة وخوف:
- أعتذر... أقسم لك أنني لم أقصد، سامحني.
رفع رأسه إليها مبتسمًا رغم الألم:
- لا بأس... لم يحدث شيء.
حدقت في موضع الجرح بحزن بالغ، ثم سألت بصوت خافت :
- هل آلمتك يا عامر؟
أمسك يدها التي ضربته، ووضعها برفق فوق مكان الجرح، ثم همس بعشق:
- إن كان الألم منكِ... فهو أجمل ألم قد أشعر به.
عضّت على شفتيها بأسف وهي ترد:
- أقسم أنني لم أقصد أن أضربك هنا.
ابتسم بمشاكسة كي يخفف عنها:
- إذًا كنتِ تقصدين ضربي... ولكن ليس في هذا المكان؟
سحبت يدها بخجل، واتجهت نحو الباب محاولة الهرب من إحراجها:
- أجل.
نهض عامر سريعًا، وأوقفها قبل أن تفتح الباب، ثم أخرج من جيب سترته علبة مخملية صغيرة، فتحها أمامها بحب، تعلقت عينا بيسان بما بداخلها، ثم رفعت بصرها إليه وقد امتلأت عيناها بالدموع :
- ما هذا يا عامر؟
تنهد بعشق، وأخرج السلسلة الفضية من العلبة وهو يقول:
- لا أستطيع أن أهديك ما يليق بحجم حبك في قلبي، ولا بما يستحقه قلبك الأبيض... لكن كان لا بد من هدية متواضعة في هذا اليوم المميز.
وضع العلبة جانبًا، ثم أمسك بالسلسلة مترددًا قبل أن يهمس:
- هل لي بطلب؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها:
- تفضل يا عامر.
ازدادت ملامحه توترًا قبل أن ينطق:
- هل... هل يمكنك أن تنزعي حجابك لدقيقة؟ أريد أن أراك دون حجاب... أريد أن أرى شعرك.
فركت يديها بخجل وهي تهمس:
- لكنك رأيته من قبل.
ابتسم مبررًا بسرعةٍ كبيرة:
- نعم... لكنني لم أتمكن من التأمل فيه، في المرة الأولى صُدمت بوجودك، وفي الثانية كنت غاضبًا... ولا أريد تذكر ذلك اليوم، عاد ذلك اليوم المؤلم إلى ذاكرتها، فأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت برقة:
- أعطني ظهرك قليلًا.
استدار فورًا وقد غمرته السعادة:
- حسنًا... كما تشائين، أنا أنتظر.
كادت تخلع حجابها، إلا أن طرقات الباب قطعت اللحظة، ليدخل عمر إلى الغرفة، لم تستطع بيسان منع ابتسامتها وهي ترى ملامح عامر الغاضبة.
- ما الأمر يا عمر؟
رفع عمر حاجبه متظاهرًا بالاستغراب:
- ما بك؟ تبدو غاضبًا.
تقدم عامر نحو بيسان، وألبسها السلسلة أمام عيني عمر، ثم همس بجوار أذنها:
- إن رأيتِه يومًا في المستشفى... فلا تلوميني.
كادت تنفجر ضاحكة، بينما ألبسها خاتمًا آخر، ثم التفت إلى عمر بابتسامة زائفة، خرجت كلماتها صادقة رغم كل شيء:
- لقد أمنَّكَ الله على ضلعي... وها أنا أسترده منك مرة أخرى.
ربت عمر على كتفه مبتسمًا:
- لا تقلق يا عامر... إنها أختي قبل أن تكون ابنة خالتي وزوجتك. هيا، الجميع ينتظركم في الخارج.
خرجت بيسان من الغرفة وهي تخفي ابتسامتها الخجولة، وما إن اقتربت من الجميع حتى سارعت نادية إلى احتضانها بحنان أمٍ احتوى كل ما في قلبها من محبة، ثم همست إليها بصوت دافئ انتهى بـ:
- لقد رزقني الله بابن، والآن أصبح لدي اثنان... أتمنى لكِ حياةً سعيدة معه يا ابنتي.
بادلتها بيسان العناق، وقد امتلأت عيناها بالامتنان، ثم أجابتها برقة:
- شكرًا لكِ يا أمي.
في الجهة الأخرى، كان آدم يراقب غزل التي لم ترفع عينيها عن الأرض منذ خروجها، وقد ارتسم الخجل على ملامحها بصورة لم يعتدها منها. اقترب منها بخطوات هادئة، ثم همس بالقرب منها مبتسمًا:
- لم يحدث شيء يا غزل قلبي.
ابتعدت عنه سريعًا بخجل، فازدادت ابتسامته اتساعًا، إذ وجد في ارتباكها شيئًا أسر قلبه أكثر مما كان، وما لبث أن لمح مروة وهي تتابعهما بابتسامة حانية، فحك مؤخرة رأسه بخجل، ثم ابتعد عن غزل متوجهًا نحو عامر.
تقدم جمال نحو عمر، ثم صافحه وهو يقول بهدوء انتهى بـ:
- نعتذر لأننا لم نخبركم بأمر عقد القران، لكننا رأينا أن هذا هو الأفضل.
ابتسم عمر بإخلاص وهو يجيبه:
- أجل... صدقت.
صافحه جمال مرة أخرى قبل أن يقول:
- حسنًا... دمتم بخير.
وقبل مغادرة الجميع، اقترب عامر من بيسان، وانحنى يقبل جبينها برفق أمام أنظار الجميع، ثم أوصاها بحنان:
- اعتني بنفسك جيدًا.
أطرقت برأسها خجلًا من فعلته أمام الجميع، ثم همست بصوت يكاد لا يسمع:
- وأنت أيضًا... اعتنِ بنفسك.
وما إن ابتعد عامر حتى أسرع آدم، وقد استبدت به الغيرة من تصرف صديقه، فتوجه مباشرة نحو غزل، وقبّل جبينها هو الآخر وهو يهمس بعشق:
- اعتني بنفسك يا غزل قلبي.
شهقت بخجل، ثم ضربته بخفة على كتفه، لينفجر الجميع ضاحكين بعدما شاهدوا حياءها الذي لم يعتادوه منها.
________**
في الوقت نفسه، فتحت فداء باب المنزل بخطوات متثاقلة، لتتفاجأ بسعيد يجلس في انتظارها، وما إن وقع بصره عليها حتى ارتسم الغضب على ملامحه، ودوّى صوته الخشن في أرجاء المكان، لينتهي حديثه بـ:
- أين كنتِ في هذا الوقت؟
تقدمت ببطء، ثم وضعت حقيبتها جانبًا وهي تحاول التماسك، قبل أن تجيب بتوتر:
- وأين سأكون يا خالي؟ كنت عند عمي جمال... لكن أخبرني أولًا، كيف استطعت الهرب؟
رمقها بنظرة حادة، ثم أجابها ببرود يخفي خلفه غضبًا عارمًا:
- هذا ليس من شأنك... أخبريني عن عامر، هل هناك أي جديد؟
تنهدت بعجز، وقد أثقلتها تصرفاته، ثم همست:
- إنه يبحث عنك في كل مكان... أرجوك يا خالي، توقف عن كل هذا.
نهض من مكانه بعصبية، ثم قبض على حجابها بعنف وهو يضغط على أسنانه:
- ليس من شأنك يا صغيرة! ألم تكوني معي منذ البداية؟ ألم تكوني تريدين التخلص منه بإرادتك؟ أم لأنك أصبحت تحبينه؟
اختنق صوتها بغصة مؤلمة وهي تجيب:
- لا... ليس الأمر كذلك، لكنني أحببته حقًا... ولم أتخيل يومًا أنني سأقع في حبه.
دفعها بعيدًا وهو يتحرك في الغرفة بانفعال، ثم صاح فيها:
- ألم أفعل كل هذا من أجلك؟ أجيبي!
حدقت فيه بصدمة، ثم صاحت وهي تمسح دموعها:
- من أجلي؟! أنا لم أطلب منك شيئًا!
ضحك بسخرية، ثم تابع بحدة:
- ألم تكوني تعيشين في فقرٍ مدقع وأنا من انتشلك منه؟ كل ما فعلته كان لتنعمي بحياة أفضل. ألم تخبريني وأنت صغيرة أنك تكرهين عمك جمال وعامر لأنه يملك والدين بينما أنت يتيمة؟ ألم تقولي إنك لا تريدينه حيًا؟
قاطعته وهي تصرخ باكية:
- يكفي... يكفي!
التقطت أنفاسها بصعوبة، ثم أردفت بمرارة:
- نعم، قلت ذلك وأنا طفلة... ولن أنكره، لكنني لم أطلب منك أن تدخل في تجارة الأعضاء البشرية، أو أن تصبح أحد رجال المافيا! ولم أجبرك على التجسس على عمي، ولم أطلب منك شيئًا من هذا كله!
صفق بيديه ساخرًا، ثم اقترب منها بخطوات بطيئة وقال باستهزاء:
- يا له من عرض رائع... هل صدقتِ حقًا أنه عمك وأن عامر ابن عمه؟ لقد كذبتِ الكذبة حتى صدقتها. انظري إلي جيدًا... لو علم جمال أنك لست ابنة أخيه الحقيقية، فلن يتردد في قتلك.
خفضت بصرها إلى يديها المرتجفتين، ثم رفعت رأسها إليه بثبات رغم دموعها:
- صحيح أنه ليس عمي... لكنني لم أرَ منه إلا الحب والحنان اللذين حُرمت منهما طوال حياتي... أليس كذلك يا خالي؟
قبض على فكها بقوة، وأجبرها على النظر إليه وهو يهدر:
- ألم يقتل أباكِ؟ ألم يقتل خالتكِ وزوجها وابنتهما؟ ألم يدبر حادث السيارة ليضعك مكان فداء بسبب التشابه الكبير بينكما؟ ألم تكوني راضية عن ذلك؟ ما الذي تغيّر الآن؟!
ابتسمت ابتسامة مكسورة، وقد عادت إليها كل الذكريات التي حاولت دفنها، ثم همست:
- لم يغيّرني شيء... سوى حبي لعامر، لقد تربيت بينهم، وتعلقت بهم، لكنني أريد أن أخبرك بشيء... أنا أيضًا لم أجبرك على أن ترث رئاسة الشبكة بعد وفاة أبي، رحمه الله.
قهقه سعيد بصوت مرتفع، ثم سخر منها قائلًا:
- أخبريني يا فداء... أو بالأحرى يا فدوى، أليس هذا اسمك الحقيقي؟ هل ستخبرين عامر بالحقيقة بعد أيام؟
رفعت كتفيها بلا مبالاة، ثم أجابت بصراحة:
- من يدري... ربما أخبره يومًا ما.
وفي لحظة غضب، رفع يده وصفعها بقوة، فوضعت يدها على خدها وهي تكتم دموعها، ثم همست باسمه:
- لا تقلق... لن أفعل ذلك، لأنني لا أستطيع إنكار جميلك، لكنني أردت فقط أن أرى ردة فعلك.
ربت على رأسها ابتسامةً مخيفة، ثم قال:
- أحسنتِ يا صغيرتي... الآن تذكري دائمًا أنكِ فدوى... ولستِ فداء.
أشاحت بنظرها عنه، ثم اتجهت بخطوات مثقلة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، وما إن أصبحت وحدها حتى انهارت على الأرض تبكي بحرقة، بينما كانت الحقيقة تمزق قلبها.
أما في الخارج، فقد أخرج سعيد هاتفه، واتصل بشريف بغضب، مؤكدًا موعد عملية التسليم التي ستتم في صباح الغد.
________**
ما إن غادرت عائلة عامر المنزل، حتى اتجهت غزل نحو غرفتها بخطوات هادئة، إلا أن شرودها كان واضحًا على ملامحها، وكأن عقلها لا يزال عالقًا بما حدث قبل قليل، راقبها عمر حتى أغلقت الباب خلفها، ثم أطلق ضحكة خافتة وهو يلتفت إلى مروة، لتعلو نبرته المرحة:
- أقسم لو كنت أعلم أنها ستصبح بهذه الحال، لزوجتها منذ زمن طويل.
انفجرت مروة بالضحك وهي تهز رأسها موافقة، ثم علقت بابتسامة واسعة:
- وأنا أيضًا، ما زلت مستغربة من حالتها هذه، وهدؤها.
ابتسمت بيسان وهي تنظر إليهما بحب، ثم استأذنتهما قائلة:
- سأذهب للنوم... تصبحون على خير.
وقبل أن تخطو بعيدًا، أوقفتها أحلام، وقد ارتسم الشوق على ملامحها وهي تقترب منها بخطوات متلهفة:
- انتظري يا بيسان.
توقفت بيسان في مكانها، وما إن وصلت إليها أحلام حتى احتضنتها بقوة، لتبادلها بيسان العناق بابتسامة دافئة، ابتعدت أحلام قليلًا وهي تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالامتنان، ثم همست بتأثر:
- شكرًا لكِ يا بيسان... لأنك منحتِني فرصة أخرى.
ابتسمت بيسان بحنان، ثم قبلت رأس أحلام برفق قبل أن تجيبها بصوت صادق:
- لا تشكريني يا أمي، ما دمتِ ترغبين بالانفصال عن شريف، فلا أريد شيئًا آخر سواكِ، ومع أنني أعلم أنكِ ربما لم تكوني لتقتنعي لولا حديث عمر معك، إلا أنني سعيدة بذلك... وأعتذر عن تصرفي السابق، فلم أكن أعي ما أفعله آنذاك، فقد سيطرت عليّ صدمة فقدانها.
حولت أحلام أنظارها نحو عمر بابتسامة امتنان، ثم أعادت نظرها إلى بيسان وهي تقول:
- بل أنا من يجب أن يشكركما، وأقسم لكِ يا بيسان أنني كنت قد عزمت على الانفصال عنه قبل أن يحدثني عمر، لكنه وضع أمامي سببًا أكبر جعلني أتمسك بقراري وأبدأ الإجراءات فورًا.
عانقتها بيسان مرة أخرى بمحبة، بينما اغرورقت عينا مروة بالدموع وهي ترى تلك القلوب التي عادت لتلتئم بعد كل ما مرت به، ربتت أحلام على كتفها بحنان، ثم أردفت بابتسامة مطمئنة:
- أنا سعيدة من أجلك يا بيسان... عامر رجل يمكن الاعتماد عليه، هيّا اذهبي لترتاحي الآن.
ابتسمت لها بامتنان، ثم اتجهت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم نزعت حجابها، ولم تستطع منع ابتسامتها كلما تذكرت طلب عامر قبل قليل.
أنزلت بصرها إلى الخاتم الذي يزين إصبعها الأيمن، ثم مررت أطراف أصابعها فوق السلسلة الفضية المعلقة حول عنقها فقد كانت تحوي أوائل أحرفهم، لتنهد بحب وعدم تصديق، وكأنها لا تزال عاجزة عن استيعاب أن ما عاشته اليوم أصبح حقيقة، وقفت بين يدي ربها، تشكره على نعمه الكثيرة، وتحمده على تحقيق أمنية طالما سكنت قلبها
وبعد مرور بعض الوقت، استلقت فوق فراشها تحدق في سقف الغرفة بشرود، حتى قطع سكونها طرق خفيف على الباب، أذنت للطارق بالدخول، فانفتح الباب ببطء، لتطل غزل بوجه احمر خجلًا، قبل أن تقترب منها وتجلس إلى جوارها.
ابتسمت بيسان بسعادة وهي تنظر إليها، ثم سألتها باهتمام:
- ماذا هناك؟
ازدادت حمرة وجنتي غزل، ثم أجابت بخجل شديد:
- لقد اتصل بي آدم قبل قليل.
رفعت بيسان حاجبيها باستغراب، ثم سألتها:
- حقًا؟ وهل أجبتِه؟
هزت غزل رأسها نفيًا، ثم تابعت بتردد:
- لا، لم أجبه، لكنني استغربت عندما رأيت رقمًا غير مسجل، ثم وصلتني رسالة يخبرني فيها أنه آدم، وأن والدتي هي من أعطته رقمي.
ضحكت بيسان بخفة وهي تهز رأسها، ثم علقت بمحبة:
- خالتي لها تصرفات أعشقها... في كل مرة تفاجئنا بشيء جديد.
صمتت غزل للحظات، ثم نظرت إليها بخجل قبل أن تسألها:
- أممم... بيسان، أخبريني... هل اقترب عامر منك؟
عقدت بيسان حاجبيها بعدم فهم، لكنها ما لبثت أن اتسعت عيناها بصدمة، ثم سارعت بتوبيخها:
- ماذا تقصدين؟! لا تقولي إن آدم اقترب منك! كيف سمحتِ له؟
أطرقت غزل برأسها، وقد لمعت الدموع في عينيها، ثم أجابت بسرعة:
- أقسم أنني وبخته، بل وضربته أيضًا بسبب ما فعله، لكنه أخبرني أن ذلك أمر طبيعي، وأنه لا يحق لي أن أخجل بعدما أصبحت زوجته.
اتسعت عينا بيسان بدهشة، ثم سألتها بتردد:
- ماذا تقولين يا غزل؟ هل... هل حدث شيء؟ أقصد... هل...
قاطعتها غزل على الفور وهي تهز رأسها بسرعة:
- لا، لا... ليس كما تظنين، لقد قبّل وجنتي واحتضنني فقط.
أطلقت بيسان زفرة ارتياح، واضعة يدها فوق صدرها، ثم قالت بخجل امتزج بالراحة:
- لقد أخفتِني يا فتاة... نعم، لقد فعل عامر معي الأمر نفسه أيضًا، بل وطلب أن يراني من دون حجاب.
ضحكت غزل وهي تشير إلى القلادة المعلقة حول عنقها، ثم قالت:
- حقًا؟ إنهما شخص واحد... وأنا أيضًا طلب مني آدم ذلك عندما أهداني هذه القلادة.
تأملت بيسان القلادة بإعجاب، ثم سألتها بابتسامة:
- وهل وافقتِ؟
أخفضت غزل رأسها بخجل بالغ، ثم همست:
- أجل... فعلت، وأنتِ؟
ابتسمت بيسان وهي تهز رأسها نفيًا:
- لا، لم أستطع... فقد دخل عمر قبل أن يحدث أي شيء.
انفجرت غزل بالضحك، فسارعت بيسان إلى وضع يدها فوق فمها وهي تهمس بخجل:
- اصمتي... ستفضحين أمرنا، وسنتعرض لمزيد من الإحراج.
كتمت غزل ضحكتها بصعوبة، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
- لقد تخيلت الموقف... أقسم أن عامر فقد صوابه.
ضحكت بيسان وهي تتذكر ملامحه الغاضبة، ثم أومأت برأسها موافقة:
- نعم... لقد جن جنونه فعلًا.
رفعت يدها أمام غزل، ثم قالت بحماس طفولي:
- انظري... هذا أيضًا أهداني إياه.
تأملت غزل الخاتم بإعجاب، ثم رفعت يدها هي الأخرى قائلة:
- وأنا أيضًا... أهداني خاتمًا.
ابتسمت بيسان لها، لكن قبل أن تنطق بأي كلمة، اهتز هاتفها معلنًا وصول اتصال من رقم غير مسجل...عقدت حاجبيها باستغراب، لتسألها غزل بفضول:
- من؟ هل هو عامر؟
خفضت بيسان نظرها إلى الرسالة التي وصلت، وما إن قرأتها حتى ابتسمت بخجل، ثم قالت:
- كتب لي إن كنتِ مستيقظة فأجيبي على الهاتف... زوجك.
ابتسمت غزل بخبث وهي ترى هاتفها يضيء هو الآخر، ثم اقترحت بحماس:
- ما رأيك ألا نجيبهم؟
بادلتها بيسان الابتسامة نفسها، ثم وافقتها قائلة:
- حسنًا... لن نجيب، ودعينا نخلد إلى النوم.
ساد الهدوء في الغرفة لعدة دقائق، همست غزل فجأة وهي تلتفت نحو بيسان:
- هل ما زلتِ مستيقظة يا بيسان؟
أجابتها بيسان بنعاس، دون أن تفتح عينيها:
- لا... أنا نائمة.
عضت غزل على شفتها بندم، ثم همست بحيرة:
- هل... أجيب آدم؟
فتحت بيسان عينًا واحدة، ونظرت إليها رافعة أحد حاجبيها باستنكار، ثم سألتها:
- فكرة من كانت أصلًا؟
تنهدت غزل بحزن وهي تجيب:
- كانت فكرتي الغبية.
أغلقت بيسان عينيها من جديد، ثم تمتمت بابتسامة خفيفة:
- إذًا... نامي يا غزل.
مر وقت طويل، قبل أن تستيقظ بيسان على رنين هاتفها مرة أخرى، فتحت عينيها بتثاقل، ثم تناولت الهاتف، لتتفاجأ بأن الرقم الظاهر ليس رقم عامر.
ترددت للحظات، ثم أعادت الهاتف إلى جوارها وهي تحاول تجاهله، لكن صوت وصول رسالة جديدة مزق سكون الغرفة، أمسكت الهاتف مرة أخرى، وفتحت الرسالة بفضول...
وما إن وقعت عيناها على محتواها، حتى اتسعت حدقتاها بصدمة، وتجمدت ملامحها في مكانها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف 44 حين تتشابك الأقدار وتُختبر القلوب 45 اعترافات خلف الأبواب 46 بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار 47 الوعد الذي سبق العاصفة 48 بداية العهد وأسرار تُكتشف 49 رسـالـة مـن الـمـاضـي 50 تردد وخوف 51 رسالة تُربك القلوب 52 بين الحقيقة والوهم 53 حين تتشابك الخيوط 54 بداية الحقيقة 55 صدمة قوية لم توقعها أحد

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.