صدمة القدر
**
مدت يدها بكل ما تملك، لكنها لم تلمس سوى الماء، بدأت تلتفت بجنون في كل الاتجاهات، تبحث عن شعرها الذهبي أو سترتها البرتقالية...لكنها لم تجد شيئًا، صرخت حتى بحّ صوتها:
- نيسان!... أجيبيني!... أين أنتِ؟!
لكن الصغيرة...كانت صماء. ولو كانت قريبة منها، لما سمعت نداءها أصلًا، في تلك اللحظة شعرت بيسان أن قلبها انتُزع من صدرها.
أخذت تضرب الماء بيديها بيأس، والدموع تختلط بماء البحر، وهي تردد الدعاء دون توقف:
"يا رب... لا تأخذها مني... يا رب أعدها إلي..."
وعلى مقربةٍ منها، لمحها آدم وهي تصارع الأمواج وتصرخ باسم أحدهم، اتجه إليها بسرعة، حتى وصل إليها بصعوبة وسط الأمواج العاتية.
خاطبها بصوتٍ مرتفع:
- اهدئي... ماذا حدث؟
التفتت إليه بوجهٍ شاحب، وقد أنهكها البكاء:
- أختي... لقد فقدت أختي... أرجوك، ساعدني في العثور عليها... أرجوك...
نظر حوله إلى ذلك البحر الهائج، وشعر بعجزٍ يكاد يمزقه، كيف سيجد طفلةً صغيرة وسط كل هذه الأمواج؟
لكن رغم ذلك لم يسمح لليأس أن يظهر على وجهه:
- اهدئي أولًا... ما اسمها؟ وهل هي صغيرة؟
شهقت بين بكائها تجيبه بولعة:
- اسمها نيسان... عمرها ست سنوات...
ثم أضافت بصوتٍ متهدج:
- إنها... صماء.
تجمد آدم للحظة، ثم أخذ ينادي بأعلى صوته عل أحدهم رآها:
- نيسااااااان!
لكن بيسان هزت رأسها وهي تبكي:
- لن تسمعك... إنها لا تسمع.
أغمض آدم عينيه بألم، ثم قال بحزم:
- سأبحث عنها... أقسم أنني سأبحث عنها.
ثم نظر إليها باستفسار:
- وهل تستطيعين السباحة؟
هزت رأسها نافية بينما تتلفت حولها تبحث عن الصغيرة
- لا...
فك حزام الأمان المربوط حول خصره، ومده إليها.
- أمسكي به جيدًا... ولا تتركيه مهما حدث.
تشبثت بالحزام بكلتا يديها، بينما أخذ آدم يجرها معه، ويفتش بعينيه بين الأمواج عن نيسان... وعن عامر الذي اختفى هو الآخر بين ذلك الجحيم المائي.
كان قلبه يتمزق بين خوفه على صديقه، ورغبته في إنقاذ تلك الفتاة المنهارة، لكن البحر...لم يكن يمنح أحدًا فرصةً لالتقاط أنفاسه.
_____________
مرت ساعاتٌ طويلة وكأنها أعوام...
ساعاتٌ حملت معها خوفًا لا يوصف، ودعواتٍ خرجت من قلوبٍ مكسورة، وأرواحًا تمسكت بالأمل رغم أن البحر كان يأخذ منهم كل شيء.
نجا من نجا...وغاب من كان مكتوبًا له الغياب.
وصلت فرق الإنقاذ أخيرًا إلى مكان الحادث بعد انقطاع الاتصال مع قبطان السفينة، وبدأوا بانتشال الناجين من المياه، ونقل المصابين إلى الميناء ومنه إلى المستشفى.
كان الجميع يحمل على وجهه آثار الصدمة...عيونٌ شاردة، وأجسادٌ مرتجفة، وقلوبٌ لا تزال تعيش لحظة الغرق وكأنها لم تنتهِ بعد.
أما بيسان، فكانت لا تزال تبحث بعينيها بين الوجوه.كلما اقترب منها أحد المنقذين، رفعت رأسها بسرعة، لعلها تسمع خبرًا يطمئن قلبها.
لعل أحدهم يقول لها: "وجدنا نيسان."
لكن تلك الجملة لم تأتِ، وصلت إلى الشاطئ برفقة آدم بعد جهدٍ كبير، وما إن لامست قدماها الأرض حتى التفتت خلفها نحو البحر.
ذلك البحر الذي أخذ منها طفلتها الصغيرة، أخذت تحدق في الأمواج بعينين غارقتين بالدموع، وكأنها تنتظر أن تخرج نيسان من بين أحضانه وتعود إليها.
لكن البحر بقي صامتًا، سقطت دموعها بغزارة، وبدأ جسدها يرتجف من شدة التعب والانهيار.
ثم...لم تعد تشعر بشيء، انهارت أرضًا فاقدةً للوعي.
أسرع آدم إليها بفزع كبير:
- يا آنسة!
انحنى بجانبها، وتفقد نبضها، ثم تنفس براحة بسيطة عندما وجده موجودًا.
رفع رأسه نحو طاقم الإسعاف، وأشار لهم بسرعة:
- إلى هنا... بسرعة!
اقترب المسعفون منها، وبدأوا بنقلها إلى سيارة الإسعاف، بينما بقي آدم واقفًا للحظات ينظر إلى البحر بصمت.
كان يبحث بعينيه عن عامر...صديقه الذي دخل معه هذه الرحلة، ولم يعد معه، شعر بغصةٍ مؤلمة في صدره.
لم يكن يعلم هل فقد صديقه أم لا، لكن قلبه كان يخبره بأن شيئًا سيئًا حدث.
---
بعد ساعة من وصولها إلى المستشفى...فتحت بيسان عينيها فجأة، استيقظت مذعورة، وكأنها خرجت للتو من كابوسٍ طويل.
اعتدلت بسرعة، وأخذت تنظر حولها باضطراب، غرفة بيضاء...رائحة الأدوية...وأصوات الأجهزة من حولها.
لكن كل ما كان يشغل عقلها هو سؤال واحد:
أين نيسان؟
تمنت للحظة أن يكون كل ما حدث مجرد حلم، أن تفتح عينيها فتجد شقيقتها بجانبها تبتسم لها كعادتها، نهضت رغم ضعف جسدها، واتجهت نحو الباب بسرعة، ثم فتحته بعجلة.
وما إن خرجت...وجدت آدم واقفًا أمامها، توقفت خطواته عندما رآها، فقد كان واضحًا عليه الحزن.
تردد قليلًا قبل أن يتحدث، وكأنه يبحث عن كلماتٍ تخفف عنها ما سيقوله:
- هل أنتِ بخير؟
لكن بيسان لم تهتم بسؤاله، اقتربت منه بسرعة، وعيناها ممتلئتان بالخوف تخاطبه برجاء:
- هل وجدتم أختي؟ أرجوك... أخبرني أنكم وجدتموها.
خفض آدم نظره إلى الأرض، وعجز عن النظر إلى عينيها.
ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليزرع الرعب في قلبها.
اجابها بصوتٍ خافت:
- أنا آسف...
تجمدت ملامحها بينما تنهد آدم بألم يخاطبها:
- الأطفال الذين كانوا على متن السفينة... جميعهم انتقلوا إلى رحمة الله.
تراجعت بيسان خطوة للخلف، شعرت وكأن الأرض لم تعد تحملها، هزت رأسها بعدم تصديق:
- ماذا تقول؟ لا... أنت مخطئ.
ثم ارتفع صوتها وهي تبكي:
- نيسان لم تمت... هل تسمعني؟ نيسان حية... إنها حية ترزق.
ابتلعت دموعها بصعوبة، ثم توسلت إليه:
- أرجوك... أخبرني أنك تمزح... أخبرني بأي شيء غير هذا.
وقف آدم عاجزًا أمام انهيارها، كان يريد أن يكذب عليها...أن يمنحها أملًا ولو كاذبًا، لكنه لم يستطع، قال بصوتٍ مكسور:
- ليتني أستطيع.
ثم أضاف برفق:
- يجب أن تكوني قوية الآن... أريد أن آخذك إلى قسم الثلاجات، ربما تستطيعين التعرف عليها.
اتسعت عيناها بخوف ورهبة:
- لا...
خرجت الكلمة منها كأنها رفضت حتى سماعها، لكن قدميها تحركتا رغمًا عنها، كانت تريد أن تثبت لهم أنهم مخطئون، أن نيسان ليست هناك، أنها ستجدها واقفة أمامها، حية...تبتسم لها، تمسك يدها كعادتها.
فتح آدم الباب المؤدي إلى قسم الثلاجات ببطء، وكأن حتى يده كانت ترفض فتحه أمامها، دخلت بيسان خلفه بخطواتٍ مترددة، وقد تجمد جسدها بالكامل أمام ذلك المكان البارد والصامت.
لم تكن تشعر بقدميها...كل ما كانت تشعر به هو ذلك الخوف الذي يضغط على قلبها، ذلك الخوف من أن تجد ما لا تريد رؤيته.
أشار آدم نحو الأسرة المتراصة، والتي غُطيت جميعها بأغطية بيضاء، وقد تحدث بصوتٍ هادئ يحمل الكثير من الحزن:
- انظري... جميعهم الآن في رحمة الله.
ثم ابتلع غصته وأكمل:
- لدي صديق... كان بالنسبة لي أكثر من أخ، فقدته أنا أيضًا في هذا الحادث... ولم يعثروا عليه حتى الآن.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالألم:
- أعلم أن الأمر صعب... لكن عليكِ أن تحاولي.
توقفت أنفاس بيسان، لم تستطع الرد، فقط تقدمت بخطواتٍ ضعيفة نحو أول سرير، رفعت الغطاء بيدين مرتجفتين...لكن الوجه لم يكن وجه نيسان.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تشكر الله رغم ألمها، ثم انتقلت إلى السرير الثاني، ثم الثالث...وفي كل مرة كانت ترفع الغطاء وقلبها يزداد تمزقًا وجوه صغيرة بريئة... أطفال لم يعرفوا من الحياة سوى القليل، رحلوا قبل أن يكملوا أحلامهم.
كانت دموعها تنهمر بصمت، ويداها ترتجفان وهي تبحث عن شقيقتها، كل وجهٍ تراه كان يؤلمها، وكل غطاء ترفعه كان يحمل معها خوفًا جديدًا.
حتى وصلت إلى آخر سرير، لم تعد قدماها قادرتين على حملها، شعرت بأن روحها استُنزفت بالكامل، وقفت أمامه للحظات، تنظر إلى الغطاء الأبيض وكأنها تخوض حربًا داخلها.
جزءٌ منها يريد أن يرفعه...وجزءٌ آخر كان يتوسل إليها ألا تفعل، أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم مدت يدها ببطء، رفعت الغطاء قليلًا...توقفت أنفاسها، تغيرت ملامح وجهها فجأة، اتسعت عيناها بصدمةٍ لم تستطع استيعابها.
لم تستطع الكلام...لم تستطع حتى الصراخ، فقط نظرت إلى ذلك الوجه، وكأن العالم توقف من حولها.
سقطت يدها من شدة الارتجاف. ثم تراجعت خطوة إلى الخلف:
- يا إلهي...
خرجت الكلمات منها ضعيفة، قبل أن تنهار كل قوتها، راقبها آدم بقلق، وقد شعر أن شيئًا ما حدث، اقترب منها بسرعة.
لكن قبل أن يصل إليها...سقطت بيسان أرضًا فاقدةً للوعي، ارتجف آدم قليلًا وهو ينظر إليها، ثم أسرع نحوها.
- آنسة بيسان!
انحنى بجانبها، يحاول إفاقتها، بينما كانت صورة نيسان لا تفارق عقلها، وفي ذلك المكان البارد...بين صمت الموتى وبكاء الأحياء...بقي سؤال واحد يطارد الجميع:
هل انتهت حكاية نيسان هنا؟ أم أن القدر كان يخبئ لها طريقًا آخر... لم يكتبه أحد بعد؟
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!