دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 56 من 61
وضع القراءة:

حين تنكشف الأقنعة

توقفت السيارة أمام أعينهم، بينما كان عامر يحدق بها بصدمة واضحة، لم يستطع استيعاب المشهد الذي أمامه، فقد كان متأكدًا أنه رأى سعيد ومن معه داخلها قبل لحظات فقط، لكن الآن لم يكن هناك أحد سوى السائق الذي بدا عليه الارتباك والخوف، وكأن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث.
تقدم سامي بسرعة نحو السيارة، وعيناه تتحركان بحذر بين تفاصيل المكان، ثم أمسك بعامر وأبعده عنها وهو يخاطب السائق بنبرة حازمة:
- ترجل من السيارة بسرعة.
تحرك السائق على الفور، ونزل منها وهو يرتجف خوفًا، بينما بقي عامر ينظر إليها بعدم تصديق، محاولًا فهم ما حدث.
- كيف هذا؟ لقد كانوا هنا... لقد شاهدتهم بداخلها.
لم يجيبه سامي مباشرة، بل أدار نظره نحو رجاله الذين كانوا قد أحاطوا بالسيارة من جميع الجهات، ثم رفع صوته مخاطبًا سعيد:
- سلم نفسك يا سعيد، ليس أمامك أي خيار... السيارة محاصرة.
ساد الصمت للحظات، وكأن الجميع ينتظرون الحركة التالية، بينما بقي آدم يراقب المشهد باستغراب، محاولًا معرفة أين يختبئ الشخص الذي يبحثون عنه.
واصل سامي حديثه بثقة وهو يثبت نظره على السيارة:
- لن ينفعك الاختباء أكثر من ذلك، أعلم أنك بداخل السيارة، لذلك اخرج.
اقترب عمر من عامر وهمس له وهو لا يزال يحاول رؤية أي شخص:
- هل هم هناك حقًا؟ إنني لا أرى أي شخص.
أجابه عامر بالهمس ذاته، وعيناه لا تفارقان السيارة:
- لا أعلم... دعنا ننتظر ونرى ما الذي سيحدث.
تقدم سامي بخطوات هادئة ومدروسة، ثم انحنى داخل السيارة وبدأ يقلب الجزء الخلفي الكبير منها، حتى تحرك المقعد ليظهر ما كان مخفيًا خلفه.
ظهرت ملامح الأشخاص المختبئين، لتتغير نظرات الجميع بدهشة، بينما ابتسم سامي بانتصار وهو يشهر سلاحه باتجاههم:
- أهلاً سعيد... وأخيرًا التقينا.
خرج سعيد من مخبئه ببطء، وعلى وجهه ابتسامة باردة وكأنه لم يكن في موقف خطر، ثم نظر إلى سامي متحدثًا بسخرية:
- أهلاً بك سامي، أليس كذلك؟
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه سامي، وهو يثبت نظره عليه:
- إنني قدرك ليس إلا.
راقب عامر الموقف بإعجاب داخلي بذكاء سامي وطريقة تعامله مع الأمر، ثم تحرك باتجاه سعيد، الذي ما إن رآه حتى تغيرت ملامحه قليلًا قبل أن يستعيد ابتسامته المستفزة:
- أهلاً أهلاً عامر... هل تعلم أنني اشتقت لك؟
توقف عامر أمامه، ونظر إليه بهدوء يخفي الكثير من الغضب:
- ما الذي فعلته لك يا سعيد حتى تفعل كل هذا؟
رفع سعيد كتفيه بلا مبالاة، وكأنه لا يرى أهمية للسؤال:
- لا أعلم.
أخذ عامر نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على مشاعره، لكن صوت بكاء فداء جعله يلتفت إليها، لتظهر في عينيه نظرة خيبة وألم:
- أسفي عليكِ يا فداء.
رفعت فداء عينيها إليه، وكانت الدموع تملأهما، بينما ظهر الندم واضحًا على ملامحها:
- صدقني... لم يكن بإرادتي يا عامر.
صفق عامر بيديه بسخرية ممزوجة بالقهر، وهو ينظر إليها بألم:
- حقًا؟ إرادة من إذن؟
لم تجد فداء جوابًا تستطيع قوله، فكل الكلمات أصبحت بلا معنى الآن. نظرت إلى سعيد ثم أطرقت برأسها بعجز، فقد انتهى كل شيء، وتم القبض عليهم، وأصبح مصيرها واضحًا أمامها.
ورغم ذلك، ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تلمس خاتمها بحنان، وكأنها تستعيد آخر لحظات جميلة عاشتها قبل أن تسقط كل الأقنعة.
في تلك اللحظة اقترب سامي من رجاله وأمرهم بوضع الأصفاد في أيديهم، لكن حركة صغيرة من سعيد لفتت انتباه آدم، فقد لاحظ تحرك يده بطريقة مريبة، اتسعت عينا آدم فجأة، ليصرخ محذرًا:
- عامر انتبه!
استدار عامر بسرعة، ليرى سعيد وقد أخرج سلاحه ووجهه نحوه، في لحظة واحدة رفع سامي سلاحه أيضًا، ونظر إلى سعيد بصرامة:
- اخفض سلاحك يا سعيد، لا يمكنك فعل أي شيء... أنت محاصر من جميع الجهات.
أدار سعيد نظره حوله، ليدرك أن رجال الشرطة جميعهم يوجهون أسلحتهم نحوه، لكنه أعاد نظره إلى عامر بابتسامة غامضة:
- هل تتمنى شيئًا قبل وداعك؟
ابتسم عامر رغم خطورة الموقف، وأجابه دون تردد:
- أتمنى إعدامك فقط.
اشتعل الغضب في عيني سعيد، فأمسك بفداء ووضع السلاح بالقرب منها، ثم وجه حديثه إلى سامي:
- اجعلهم يخفضون أسلحتهم.
بقي سامي ثابتًا في مكانه، ورد بلا اهتمام:
- إنها ابنة أختك، أنت حر بها.
نظر سعيد إلى عامر محاولًا الضغط عليه:
- إنها زوجتك وابنة عمك... سأطلق النار عليها إن لم تجعلهم يخفضون أسلحتهم.
نظر عامر إلى فداء للحظات، رأى دموعها الصامتة وندمها الواضح، لكنه أبعد عينيه عنها بألم قبل أن يجيب:
- إنها ليست ابنة عمي يا سعيد... أم أنك نسيت ذلك؟
تجمدت ملامح فداء بصدمة، فقد أدركت أنه أصبح يعلم الحقيقة، أما سعيد فبقي للحظات عاجزًا عن الكلام:
- هل تعلم؟
ابتسم عامر بهدوء رغم كل ما بداخله:
- أجل... وأعلم أيضًا أن اسمك الحقيقي فدوى، لقد نسيت شيئًا كان يجب أن أفعله منذ وقت طويل.
ثم نظر إليها مباشرة، وقال بصوت حاسم أنهى به كل ما بينهما:
- أنتِ طالق... طالق... طالق.
اتسعت عينا فداء بصدمة، وانهمرت دموعها على وجنتيها، لكنها لم تهتم بالسلاح القريب منها، فقد كان وقع كلماته أقوى من أي شيء آخر، نظرت إليه بحزن وهي تمسح دموعها:
- شكرًا لك على بقائك معي أمس... وعلى كل شيء.
وفي اللحظة التي انشغلت فيها الأنظار، تحرك سامي بخفة من الخلف، واقترب من سعيد ثم ضرب يده التي تحمل السلاح، فسقط السلاح أرضًا، وانقض عليه رجال الشرطة ليكبلوه جيدًا، ابتعد سامي عنه وهو يشعر بالانتصار:
- لم يعد لك فرصة للهرب يا سعيد.
ظل سعيد يحدق بعامر بنظرات مليئة بالحقد والغضب، بينما كان رجال الشرطة يقتادونه بعيدًا بعد أن انتهت محاولته الأخيرة للهروب. لم يكن يتقبل فكرة أن كل مخططاته انهارت أمام عينيه، وأن النهاية التي حاول الهرب منها أصبحت أقرب مما تخيل.
تحرك نحو السيارة وهو يقاوم قبضات الرجال حوله، ثم ألقى نظرة أخيرة على عامر، وكأن تلك النظرة تحمل وعدًا بالانتقام:
- صدقني... لن تتخلص مني بهذه السهولة.
بقي عامر ثابتًا في مكانه، يراقبه بهدوء غريب بعد كل ما حدث، ثم رفع يده ولوح له دون خوف:
- أراك على منصة الإعدام يا سعيد.
ارتفعت أصوات سعيد الغاضبة وهو يُبعد عن المكان، بينما كان رجال الشرطة يضعون الجميع داخل السيارات المخصصة لهم. بقي شريف صامتًا تمامًا، لا مقاومة، ولا كلمة واحدة، وكأنه اختار أن يختبئ خلف صمته.
أما فداء فكانت دموعها لا تتوقف، فقد كانت تعيش لحظات اختلط فيها الألم بالخوف والندم، بينما وقف عامر بعيدًا عنها، يحاول أن يقنع نفسه أن كل شيء انتهى.
أغلق سامي باب السيارة بعد أن وضعوا الجميع بداخلها، ثم بقي للحظات يستمع إلى صراخ سعيد الذي يزداد مع ابتعاده، وإلى بكاء فداء المتواصل، بينما كان شريف يلتزم الصمت الغريب.
التفت سامي إلى عامر بابتسامة واسعة تحمل راحة الانتصار بعد فترة طويلة من المطاردة:
- يااه... وأخيرًا نجحنا.
تنفس عامر بعمق، وكأنه يزيح عن صدره حملًا ثقيلًا كان يرافقه منذ وقت طويل:
- أجل... الحمد لله أننا تخلصنا منهم.
اقترب سامي منه وربت على كتفه بتقدير:
- لو أنك لم تخبرنا بالموعد لما استطعنا الإمساك بهم.
ظل عامر ينظر إلى السيارات التي بدأت بالتحرك، ثم قال بشرود:
- لو أنني لم أستمع إليها في ذلك اليوم... لما استطعنا القبض عليهم، أشعر براحة كبيرة حقًا.
كان يشعر وكأن جزءًا كبيرًا من القلق الذي لازمه أخيرًا بدأ يختفي، رغم أن داخله كان يعلم أن بعض الأسئلة ما زالت تبحث عن إجابات.
في تلك اللحظة كان آدم يضمد جراح أحد المصابين، لكنه توقف قليلًا وهو ينظر باتجاه شريف الذي لم يصدر منه أي صوت منذ القبض عليه:
- ألم تنتبهوا لشريف؟ إنه لم يصدر أي صوت... ولم يقاوم أيضًا.
انتبه سامي للأمر، وعقد حاجبيه قليلًا:
- حقًا؟ لقد انتبهت لذلك الآن، لكن لا تقلق... بعد التحقيق سنسمع صوته.
نظر عامر إلى الشاحنة الكبيرة التي كانت تستعد للمغادرة، ثم سأل بقلق:
- ماذا سوف تفعلون بها؟
تنهد سامي وهو يعرف ما يقصده عامر، ثم أجابه بهدوء:
- سنقوم باللازم، لا تقلق، أنت تعلم محتواها يا عامر، وبالتالي تعلم مصيرها.
خفض عامر نظره بحزن، فالحديث عن الأمر كان يؤلمه رغم معرفته بأنهم وصلوا إلى النهاية:
- أجل، أعلم... لكنني لا أفهم كيف تأتيهم الجرأة على فعل ذلك. كيف يستطيعون قتل المرضى بدلًا من علاجهم؟
نظر سامي إلى أحد رجاله وأشار إليه:
- يمكنك أخذها إلى المركز الآن، لقد انتهينا هنا.
أجابه الشرطي باحترام:
- كما تأمر سيدي.
ثم التفت سامي إلى آدم الذي كان ينهي إسعاف المصابين:
- هل الأمر يحتاج إلى مشفى؟
هز آدم رأسه نافيًا:
- لا... إنها بعض الخدوش الخفيفة فقط، لا تقلق، إنهم أسود.
تنفس سامي براحة، وفي تلك اللحظة اقترب عمر منه بخطوات متثاقلة، وملامح النعاس واضحة عليه:
- ألن نغادر هذا المكان؟
رفع سامي حاجبه باستغراب:
- سنغادر الآن، لقد انتهى آدم من عمله... لكن هل نعست يا عمر؟
تثاءب عمر متعمدًا، محاولًا إخفاء رغبته الحقيقية:
- أجل... وكثيرًا.
ابتسم سامي بخبث وهو يتحرك نحو سيارته:
- إذن سأقوم بالسهر مع هبة اليوم بما أنك تريد النوم.
تغيرت ملامح عمر فورًا، واستقام بسرعة:
- لا لا... من قال لك إنني أريد النوم؟ أريد الحديث معها.
انفجر سامي ضاحكًا:
- ألم تكن تريد النوم؟
تدخل عامر وهو يركب السيارة، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة:
- اجلس معها براحتك يا سامي، لأنه سيكون نائمًا.
نظر عمر إليه بضيق:
- عامر، ما الذي تتحدث به؟
ضحك عامر وهو يصعد إلى السيارة:
- ذق بعضًا من أفعالك يا عمر.
نظر عمر إليه باستغراب:
- أفعالي؟ ما بها؟
ضحك آدم وهو يتذكر المواقف السابقة:
- تذكر فقط... وستعلم ماذا كنت تفعل بنا.
تحرك سامي بالسيارة وهو يبتسم:
- الحياة عجلة يا عمر... يوم لك ويوم عليك.
تنهد عمر باستسلام:
- حسنًا... حسنًا.
نظر إليه سامي من المرآة وهو يبتسم:
- لا تتقلب كالطفل الذي يغضب بسرعة، يمكنك الاتصال بها والحديث معها قليلًا... سأكون في التحقيقات معهم اليوم.
ظهرت السعادة على وجه عمر فورًا:
- حقًا يا سامي؟
ركز سامي نظره على الطريق وأجابه:
- أجل، لكن لا تطل كثيرًا، لا يوجد بينكما شيء رسمي حاليًا.
وفي اللحظة نفسها خرج صوت عامر وآدم معًا بضيق:
- لو أنك أطلت قليلًا معه.
ضحك عمر وهو يسند ظهره إلى المقعد:
- لا شأن لكم بذلك يا شباب، يكفي أن زواجكم بعد يومين.
ابتسم عامر براحة، فقد كان اقتراب زواجه من بيسان هو الشيء الوحيد الذي يمنحه شعورًا بالاستقرار بعد كل ما مر به:
- أجل... وهذا يكفي، ولن يكون هناك تطفل منك بعدها.
ضحك عمر بثقة:
- حسنًا... سنرى ذلك.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف 44 حين تتشابك الأقدار وتُختبر القلوب 45 اعترافات خلف الأبواب 46 بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار 47 الوعد الذي سبق العاصفة 48 بداية العهد وأسرار تُكتشف 49 رسـالـة مـن الـمـاضـي 50 تردد وخوف 51 رسالة تُربك القلوب 52 بين الحقيقة والوهم 53 حين تتشابك الخيوط 54 بداية الحقيقة 55 صدمة قوية لم توقعها أحد 56 حين تنكشف الأقنعة 57 نهاية الخداع 58 دوامة الشك وعودة الروح 59 دوامة الشك وعودة الروح 60 حين عاد الغائب... ورحل الحبيب 61 حين يصبح الصمت وجعًا 62 رسـائـل مـحـب 63 حين يعود القلب إلى موطنه، الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.