جراح الرسائل الخفية
اتجهت أنظار عامر نحو فداء، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد في مكانه، واتسعت حدقتاه بصدمةٍ هزت كيانه، كان وجهها لوحةً من الألم؛ كدمات زرقاء وحمراء تغطي ملامحها، والدماء تنساب من أسفل شفتيها ومن أنفها، في مشهدٍ جعل صدره يضيق اختناقًا.
اقتربت نادية منه بعدما رأته متسمّرًا أمام الباب، ثم أطلت برأسها من خلف كتفه، وما إن أبصرت فداء حتى شهقت بفزع، واتسعت عيناها هي الأخرى.
رفعت فداء بصرها إليهما بصعوبة، وكانت رؤيتها مشوشة من شدة ما تعرضت له. حاولت التماسك، لكن جسدها لم يسعفها، لترتخي فجأة وتسقط فاقدةً وعيها.
اندفع عامر بسرعة، وتلقفها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض، التفت إلى والدته بملامح يغلفها القلق، ثم حملها بحذر، وعاد بها إلى الداخل، ليضعها برفق فوق الأريكة.
أسرعت نادية نحو إحدى الخزائن، وعادت بزجاجة عطر، ثم ناولتها لابنها، التقطها عامر، وضغط منها رشةً قرب أنف فداء.
مرت لحظات ثقيلة...ثم رفرفت أهدابها عدة مرات، قبل أن تفتح عينيها ببطء، لتقع على عيني عامر المملوءتين بالقلق.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، وحاولت الاعتدال في جلستها، واضعةً يدها فوق رأسها المثقل بالألم، تأملها عامر يتدقيق، ثم أردف بصوتٍ امتزج فيه القلق:
- فداء... هل أنتِ بخير؟
اكتفت بإيماءة بطيئة، لكن دموعها خذلتها، فانهمرت بصمت، قبل أن تتحول إلى بكاءٍ مكتوم مزق القلوب، جلست نادية إلى جوارها، واحتضنتها بحنان، تربت على ظهرها محاولةً تهدئتها.
راقبها عامر للحظات، ثم تساءل بنبرة يغلفها الغضب:
- فداء... ماذا حدث؟ ومن الذي فعل بكِ هذا؟
مسحت دموعها المرتجفة، ثم رفعت عينيها إليه بعتابٍ موجع:
- لا أعلم يا عامر... كنت في طريقي إلى المشفى، وفجأة اعترضتني سيارة سوداء، وترجل منها عددٌ من الرجال، وأحاطوا بسيارتي، وأجبروني على النزول منها... بعدها بدأ أحدهم بضربي، ثم انهال البقية عليّ دون رحمة... كانوا يريدون إيصال رسالةٍ لك... قالوا إن عليك أن تسلمهم ما بحوزتك بأقرب وقت، وإلا فالمرة القادمة ستكون أشد... وأنت تعلم جيدًا ما يقصدونه.
ظل عامر يستمع إليها بصمتٍ قاتل، كانت قبضتاه تنطبقان بقوة حتى برزت عروقهما، بينما اشتعلت عيناه كالجمر، وكأن بركانًا من الغضب أوشك أن ينفجر داخله.
ابتسمت له فداء ابتسامةً متعبة، رغم الألم الذي ينهشها، ثم همست برجاء:
- أرجوك يا عامر... أعطهم ما يريدون... إنهم لن يتوقفوا عن إيذاء كل من تحب.
لم يجبها، بل نهض بهدوء، واتجه نحو الحمام، ثم عاد بعد دقيقة يحمل حقيبة الإسعافات الأولية، جلس إلى جوار والدته، وأخرج قطعةً من القطن وبعض المطهر، ثم ناولهما إليها قائلاً:
- تفضلي يا أمي... امسحي الدم أولًا، ثم ضعي هذا الدواء على الجروح حتى لا تلتهب.
ما إن أنهى حديثه حتى نهض بسرعة، واتجه نحو الدرج، يصعده بخطوات متعجلة، وفي منتصف الطريق، اعترضه والده جمال، وقد بدت الحيرة واضحة على ملامحه، استوقفه متسائلًا:
- ما كل هذه العجلة يا بني؟
توقف عامر للحظة، ثم أجابه محاولًا إخفاء اضطرابه:
- لا شيء يا أبي.
لم يقتنع جمال بإجابته، لكنه لم يُعلق، إذ هبط ببصره نحو الطابق السفلي، فشاهد نادية تُضمد جراح فداء، اتسعت عيناه بصدمة، وانطلق مسرعًا نحوها، جثا أمامها، وأمسك وجهها بكلتا يديه يتفحص الكدمات التي غزت ملامحها.
أغمضت فداء عينيها بألم، فقد لامست أصابعه مواضع الجراح دون قصد. ارتسمت على وجه جمال معالم الرعب، واهتز صوته وهو يستفسر بقلقٍ بالغ:
- من الذي فعل بكِ هذا يا ابنتي؟
رفعت فداء بصرها نحو عامر الذي كان يقف أعلى الدرج يراقب المشهد بصمت، ثم أعادت نظرها إلى جمال، وأجابت بصوتٍ خافت:
- مجرد حادث يا عمي.
ظل جمال يحدق بها طويلًا، وكأنه يقرأ ما تخفيه عيناها، رفع يده برفق أسفل ذقنها حتى تنظر إليه مباشرة، ثم أردف بحزمٍ امتزج بالخوف:
- أخبريني الحقيقة يا فداء... أنتِ أمانة في عنقي، ولن أسمح لأحد أن يؤذيكِ.
ساد الصمت لثوانٍ...قبل أن يقطعه صوت عامر الهادئ، لكنه كان يخفي وراءه قرارًا ثقيلًا:
- لا تشغل بالك يا أبي... سوف أنفذ ما اتفقنا عليه في ليلة المزرعة.
التفت إليه جمال ببطء، وقد انعكست الدهشة على ملامحه، تساءل بعدم تصديق:
- حقًا يا عامر؟... هل أنت متأكد من ذلك؟
أطلق عامر زفرةً طويلة أثقلت صدره، ثم أومأ برأسه بإرهاق، وهمس:
- لا أعلم يا أبي... لكنه الحل الوحيد الآن.
تنهد جمال بحيرة، وأدار بصره نحو وجه فداء الذي اختفى معظمه خلف اللاصقات الطبية، شعر بوخزةٍ في قلبه، ثم أعاد نظره إلى ابنه، وربت على كتفه قائلًا بثقةٍ حاول بثها في نفسه قبله:
- الله معك يا بني.
أومأ عامر بصمت، بعدها استدار بعدها متجهًا إلى خارج المنزل، وكانت خطواته ثقيلة، وكأنها تقوده إلى مصيرٍ مجهول، فتح باب سيارته، وجلس خلف المقود، مد يده نحو المقعد المجاور، وأخرج سلاحه، يتأكد من جاهزيته بعينين جامدتين.
ظل ينظر إليه لثوانٍ، قبل أن يعيده إلى مكانه. قبض على المقود بقوة، ثم شغّل المحرك، وانطلقت السيارة تشق الطريق بسرعة، كان يعلم أن كل مترٍ يقطعه يقوده نحو دوامةٍ قد لا يجد منها مخرجًا...
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
كانت أحلام تجلس أمام النافذة في صمتٍ مريب، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين، وكأن روحها قد غادرت جسدها وتركت خلفها امرأةً أنهكها الندم، أثار سكونها ريبة شريف، فتقدم بخطوات هادئة حتى وقف خلفها، ووضع يده برفق على كتفها، لكنها لم تبدِ أي ردة فعل، ولم تلتفت إليه.
انحنى قليلًا حتى أصبح بمحاذاة وجهها، وتأمل ملامحها الباهتة قبل أن يستفسر بقلق:
- ما بكِ يا أحلام؟ منذ أن عدتِ وأنتِ تجلسين هكذا... هل حدث شيء أثناء غيابي؟
ظلت تحدق أمامها لثوانٍ طويلة، ثم أدارت وجهها نحوه ببطء، وهمست بصوتٍ مكسور:
- لقد ذهبت... لقد رحلت.
انعقد حاجبا شريف وهو يحاول استيعاب كلماتها، اجتاحه الشك للحظة... هل علمت بوفاة نيسان حقًا؟ اقترب منها أكثر، وأمسك كتفيها برفق، ثم سألها بترقب:
- من التي رحلت يا أحلام؟
ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع قبل أن تنطق بحزنٍ عميق:
- نيسان... نيسان الصمّاء... تلك الفتاة التي كنت أخجل منها... لقد رحلت وأراحتني إلى الأبد...
أطلقت ضحكةً قصيرة، لكنها كانت ممزوجة بالبكاء أكثر من الفرح، ثم تابعت بصوتٍ مختنق:
- مروة أخبرتني بالأمس أنها توفيت.
رمش شريف عدة مرات وهو يراقب انهيارها بصمت، رفعت بصرها إليه مجددًا، وقد انهمرت دموعها دون توقف، ثم أردفت بندمٍ يعتصر قلبها:
- هل تعلم يا شريف؟... لقد اتصلت بهم بالأمس... كنت أريد أن أطلب منهم أن يأتوا إلى هنا... أردت أن نصبح عائلةً حقيقية...
لكن...بيسان انفجرت في وجهي بكلماتٍ لم أسمعها منها يومًا...أتتخيل؟...لقد خاطبتني بقولها: "يا سيدتي"... ولم تنادني بـ"أمي".
راقبها شريف بصمتٍ طويل، ثم جذبها إلى صدره، يضمها محاولًا تهدئة ارتجافها، لم يكن تأثره نابعًا من حبه لها، بل من رؤيته للإنسانة التي أحبها قلبه وهي تتآكل من الداخل، مرر يده على شعرها برفق، ثم همس بصوتٍ هادئ:
- لا تحزني يا أحلام... بيسان ما زالت صغيرة، وما تمر به أكبر من قدرتها على الاحتمال...أنا واثق بأنها ستسامحك يومًا، فهي لا تعرف الحقد، ولا تحفظ الكراهية في قلبها...هيا... كفي عن البكاء.
مسحت دموعها بكفيها المرتجفتين، بينما أمسك شريف بيدها وساعدها على الوقوف، رافقها حتى الغرفة، ثم أجلسها على السرير، وسحب الغطاء فوقها بعناية.
وما إن همَّ بالمغادرة حتى تشبثت بيده بقوة، ونظرت إليه بعينين غارقتين بالخوف:
- شريف... لا تتركني وحدي.
ظل يحدق بها لثوانٍ، ثم انحنى وقبّل رأسها بحنان، وأجابها مطمئنًا:
- لن أتركك أبدًا... سأجيب على الهاتف فقط، ثم أعود إليكِ... لا تقلقي.
اكتفت بإيماءةٍ صامتة، خرج شريف من الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء، ثم رفع الهاتف إلى أذنه وأجاب بلهجةٍ جادة:
- أخبرني... ماذا حدث؟
جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر متوترًا:
- لقد خرجت، سيدي... خرجت صباحًا وهي تمسح دموعها.
زمّ شريف شفتيه بضيق، وسأل بسرعة:
- وإلى أين ذهبت؟
ابتلع الرجل ريقه بتوتر، ثم أجاب بخوف:
- لم أستطع تتبعها يا سيدي... لقد اتصلت بك، لكنك لم تجبني.
اشتعل الغضب في عيني شريف، وصاح بصوتٍ هز أرجاء المكان:
- ماذا تقول أيها الأحمق؟! ألم آمرك أن تكون كظلها؟! أين كنت؟!
ارتبك الرجل أكثر، حتى أصبحت كلماته تتعثر:
- أقسم لك يا سيدي أنني حاولت الاتصال بك... وأثناء انشغالي بالهاتف... اختفت من أمامي.
أغمض شريف عينيه للحظة، يحاول كبح غضبه، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يزأر بحدة:
- اذهب وابحث عنها فورًا... ولا تتصل بي مرةً أخرى إلا بعد أن تجدها... هل سمعتني؟
أجاب الرجل بصوتٍ مرتجف:
- أ... أجل... سيدي... سمعتك.
أغلق شريف الهاتف بعصبية، وظل واقفًا مكانه، يحدق في الفراغ، مرر يده بين خصلات شعره وهو يحدث نفسه بقلق:
- أين يمكن أن تكوني يا بيسان؟... وأين ذهبتِ في هذا الصباح الباكر؟
التفت نحو باب غرفة أحلام، فتذكر حالتها المنهارة، وزفر بضيق وهو يتمتم:
- وهذا ما كان ينقصني...
فتح الباب بهدوء، وجدها قد استسلمت للنوم، بينما بقيت آثار الدموع عالقة على أهدابها.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، وجلس إلى جوارها، لكن عقله كان بعيدًا عنها...كان منشغلًا ببيسان، وبالمجهول الذي ينتظر الجميع.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!