بين الحقيقة والوهم
تنهدت ببطء، وأغمضت عينيها لثوانٍ قبل أن تضغط على الرسالة الصوتية، خرج صوته ممتلئًا بالخذلان والرجاء في آنٍ واحد:
- كيف تفعلين هذا يا أحلام؟ ما الذي فعلته بكِ حتى ترفعي قضية الطلاق؟ من أين جاء كل هذا؟ هل قصرت معكِ يومًا؟ أجيبيني... وإن رأيتِ رسالتي فأعيدي الاتصال بي.
ما إن انتهت الرسالة حتى خيم الصمت على الغرفة من جديد، أغلقت الشاشة ببطء، ثم وضعت الهاتف إلى جوارها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة، لكنها لم تستطع الصمود طويلًا.
تدفقت الذكريات أمام عينيها واحدةً تلو الأخرى...تذكرت أحمد، شهامته، طيبته، المواقف التي كان يقف فيها إلى جانب الجميع دون أن ينتظر مقابلًا، أدركت متأخرة أن بعض الأشخاص لا تُعرف قيمتهم إلا بعد أن يغيبوا.
ارتجفت شفتاها، وخانتها دمعة انسابت بصمت فوق خدها، لكن أكثر ما كان يؤلمها هو الحقيقة التي لم تستطع التهرب منها...نيسان لن يعود، مهما اشتاقت إليه... ومهما أنهكتها الذكريات...فلن يعود.
مسحت دموعها بسرعة، واستلقت على فراشها محاولة أن تغفو، بينما بقيت عيناها معلقتين بسقف الغرفة، وكأن النوم أصبح رفاهية لا تملكها، حتى أثقلها الإرهاق شيئًا فشيئًا، واستسلمت أخيرًا، وقد بقيت آثار الدموع تلمع فوق وجنتيها.
__________**
لم يطل بقاء عامر وآدم خارج المنزل، فقد كان كلاهما يعلم أن الوقت ليس في صالحهما، كانت كل دقيقة تمر تحمل احتمالًا جديدًا، وربما خطرًا أكبر، لذلك تحركا سريعًا باتجاه المشفى الخاص بهما.
طوال الطريق، ظل الصمت سيد الموقف، كان عامر يقود السيارة وعيناه مثبتتان على الطريق، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا. كان يعيد كل التفاصيل التي حدثت منذ وصول الرسالة إلى بيسان، ارتباكها، محاولتها إخفاء الأمر، واختفاء الرسالة والرقم بطريقة غامضة.
كان أكثر ما يؤلمه أنها لم تلجأ إليه، هو الذي اعتاد أن يكون سندها في كل شيء، كان يشعر الآن بأنها تحمل خوفًا وحدها، بينما هو يقف بعيدًا عنها لا يعلم الحقيقة كاملة.
أما آدم، فكان يراقب صمت عامر، مدركًا حجم القلق الذي يخفيه خلف هدوئه الظاهري. لم يكن الأمر متعلقًا بالرسالة فقط، بل بما قد تعنيه عودة اسم أحمد إلى حياتهم من جديد.
وصلا أخيرًا إلى المشفى، واتجها مباشرة نحو مكتب عامر، كان المكان هادئًا في ذلك الوقت، إلا أن الهدوء لم يكن مريحًا، بل زاد الإحساس بأن هناك أمرًا خطيرًا يقترب.
فتح عامر الباب، ليجد سامي جالسًا على الكرسي بانتظاره كما اتفقا، ما إن دخل حتى رفع سامي نظره إليه، ولاحظ من ملامحه أن الأمر أكبر مما توقع.
جلس عامر أمامه، وبدأ يروي له كل ما حدث منذ اللحظة التي أخبرته فيها بيسان عن الرسالة وحتى الآن، كان سامي يستمع بصمت، يربط الأحداث ببعضها، بينما كان عقله يبحث عن أي تفسير منطقي لما يحدث.
بعد انتهاء عامر من الحديث، وضع سامي يده أسفل ذقنه، وغرق في تفكير عميق قبل أن يسأله:
- هل معك هاتفها؟
هز عامر رأسه نافيًا:
- لا... ليس معي، لكنني أخبرت عمر أن يحصل عليه.
أومأ سامي بإعجاب بسيط، فقد أدرك أن عامر تصرف بحذر رغم توتره.
- أحسنت صنعًا... لكن هل أنت متأكد من أن هناك أحدًا يراقبك؟
نفى عامر بهدوء:
- لا، لست متأكدًا، آدم هو من شعر بذلك.
التفت سامي نحو آدم الذي كان يقف جانبًا، يراقب الحديث بصمت، ثم سأله:
- هل أنت متأكد يا آدم؟
أخذ آدم نفسًا هادئًا قبل أن يجيب:
- لا أعلم... كان مجرد إحساس، شعرت أننا مراقبون، لكنني لم أرَ أحدًا.
ظل سامي صامتًا للحظات، ثم قال بتفكير:
- لا أستطيع الجزم بشيء قبل أن نرى الهاتف، ربما يحمل لنا الإجابة.
أشار نحو عامر يكمل حديثه:
- هلّا هاتفت عمر؟
وقبل أن يخرج عامر هاتفه، قاطعه آدم وكأنه تذكر أمرًا مهمًا:
- صحيح يا سامي... هل ظهر أي أثر لشريف والبقية؟
تغيرت ملامح سامي قليلًا، ثم أجاب:
- لا، كان هناك تسليم قبل عدة أيام، لكن لم يحضر أي طرف منهما. وهذا أمر غريب جدًا.
ضيق عامر عينيه وهو يفكر، كان يعرف جيدًا أن شريف ومن معه لا يتصرفون بعشوائية، وتأخرهم عن أمر كهذا لم يكن طبيعيًا أبدًا.
رفع الهاتف إلى أذنه ثم خاطبه:
- هذا شيء عجيب... لم يقوموا بتأخير أي تسليم مهما كانت الظروف. لا بد أنهم يخططون لشيء ما، أو أنهم أصبحوا يعرفون تحركاتكم يا سامي.
أومأ سامي مؤكدًا:
- أظن ذلك.
في تلك اللحظة، جاء صوت عمر من الطرف الآخر بعد أن أجاب الاتصال، تحدث عامر بسرعة:
- أخبرني يا عمر... هل حصلت عليه؟
جاء صوت عمر يحمل بعض التردد:
- لا... إنها داخل الغرفة منذ أن دخلت المنزل ولم تخرج حتى الآن.
تغيرت ملامح عامر فورًا، وظهر القلق في صوته:
- هل هي بخير؟ هل...
لكن عمر قاطعه سريعًا ضاحكًا ليطمئنه:
- لا تقلق، إنها بخير، لكنني لا أعلم كيف أحصل على هاتفها.
أخذ سامي الهاتف من عامر للحظات، ثم تحدث بجدية:
- عمر، اخترع أي حجة، نحن بحاجة إلى الهاتف بسرعة نحن في المشفى، داخل مكتب عامر.
أنهى عمر المكالمة، ثم تحرك باتجاه غرفة بيسان.
---
في ذلك الوقت، كانت بيسان تجلس داخل غرفتها، وقد أرهقها التفكير حتى شعرت بأن رأسها لم يعد يحتمل المزيد.
كانت تحدق في هاتفها بصمت، وكأنها تنتظر أن يظهر فيه تفسير لكل ما يحدث، كيف يمكن أن يكون والدها حيًا؟ وكيف اختفت الرسالة؟ ولماذا طلب منها ألا تخبر أحدًا؟
كانت كل الأسئلة تدور في عقلها دون إجابة، تذكرت كلمات غزل، وتذكرت نظراتها القلقة عندما أخبرتها أنها رأت الرسالة بنفسها....لم يكن حلمًا.....لم يكن وهمًا.....لقد حدث بالفعل.
وضعت يدها على جبينها بضيق، وشعرت بالندم يهاجمها، لو أنها أخبرت عامر منذ البداية...لو أنها أخبرته بكل شيء...لكان بجانبها الآن.
هي تعرفه جيدًا، وتعرف أنه لن يتركها تواجه هذا الخوف وحدها، بل سيفعل المستحيل لحمايتها، لكنها اختارت الصمت، والآن أصبحت وحيدة أمام هذا السر الكبير.
مدت يدها نحو الهاتف، وكانت على وشك الاتصال بعامر، لكنها توقفت عندما سمعت طرقات الباب، رفعت رأسها بسرعة، ثم سمحت للطارق بالدخول.
دخل عمر بابتسامة هادئة، محاولًا إخفاء السبب الحقيقي لزيارته، جلس بجانبها، بينما كانت هي تحاول أن تبدو طبيعية رغم الفوضى التي تعيشها بداخلها.
- كيف كان يومك؟ هل كنتِ سعيدة؟
ابتسمت له ابتسامة صغيرة:
- إنني سعيدة يا عمر.
ظل عمر يفكر في الطريقة المناسبة للحصول على الهاتف، حتى وقعت عيناه عليه بين يديها، وهنا بدأت خطته بهدوء...
كان عمر يحاول أن يبدو طبيعيًا قدر الإمكان، رغم أن عقله كان منشغلًا بمهمة واحدة فقط... الحصول على هاتف بيسان دون أن يجعلها تشعر بأن هناك شيئًا غير عادي.
لم يكن الأمر سهلًا، فبيسان لم تكن غافلة، وكانت في هذه الفترة بالذات أكثر حساسية لأي تصرف غريب من حولها، خصوصًا بعد الرسالة التي قلبت هدوءها إلى خوف وتساؤلات لا تنتهي.
ظل يتحدث معها بهدوء، يراقب تعابير وجهها، منتظرًا اللحظة المناسبة، وبينما كانت تمسك الهاتف بين يديها، لمعت في عينيه فكرة بسيطة، فقرر أن يستغلها دون أن يجرح ثقتها به.
ابتسم وهو ينظر إليها، ثم حاول تغيير الجو المشحون قليلًا:
- إنني أغبطكم يا بيسان... لقد تزوجتِ أنتِ وغزل، وبقيت أنا وحيدًا، أريد أن أخبركِ بشيء.
رفعت بيسان نظرها إليه باهتمام، فقد اعتادت أن ترى عمر يحمل دائمًا الأخبار والمواقف التي تخفف عنها، لذلك وضعت الهاتف جانبًا دون أن تنتبه إلى أهمية ذلك، ثم سألته:
- أخبرني... ماذا هناك يا عمر؟
حاول عمر أن يخفي ارتياحه عندما رأى الهاتف بعيدًا عن يديها، ثم أكمل حديثه وهو يحافظ على هدوئه:
- لقد قررت أن أتزوج مثلكما.
اتسعت عينا بيسان بدهشة، وكأن الخبر أخرجها للحظات من دوامة التفكير التي كانت تغرق فيها:
- حقًا؟ ومن هي؟ هل أعرفها؟ أخبرني.
ظهرت ابتسامة صادقة على وجه عمر، فلم يكن هذه المرة يمثل السعادة، بل كان يتحدث عن أمر يعنيه بالفعل.
- أجل، إنني أقول الحقيقة. هل تتذكرين الفتاة التي أخبرتك عنها؟ إنها هي نفسها، لقد اكتشفت أن الرجل الذي ظننته والدها كان أخاها بالرضاعة، وأن خالها هو قريبها الحقيقي... وأنا أريد أن أرتبط بها.
لم تنتظر بيسان المزيد من التفاصيل، فقد غمرتها الفرحة من أجله، ونسيت للحظات كل ما يحيط بها من قلق، اقتربت منه وعانقته بسعادة، وهي تشعر بالراحة لأنها ترى شخصًا آخر ممن تحبهم يجد طريقه للسعادة:
- لقد فرحت من أجلك... مبارك لك يا عامر.
ابتعد عمر عنها قليلًا، واضعًا يده على صدره بتظاهر بالضيق، ثم قال:
- إنني عمر وليس عامر يا فتاة... لا تخلطي بيننا.
ضحكت بيسان، وكانت تلك الضحكة الصغيرة كأنها استراحة قصيرة لقلب أنهكه الخوف:
- حسنًا يا عمر كما تشاء.
وقف عمر مبتسمًا، ثم انحنى يقبل جبينها بحنان، قبل أن يتجه نحو الباب:
- حسنًا... تصبحين على خير يا بيسان.
بادلته الابتسامة:
- تجده إن شاء الله.
خرج عمر من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، وما إن ابتعد قليلًا حتى أخرج الهاتف الذي تمكن من أخذه، وتنفس الصعداء.
لم يكن مرتاحًا لما فعله، لكنه كان يعلم أن الأمر ضروري، وأن عامر لا يبحث عن الهاتف بدافع الفضول، بل لأنه يحاول حمايتها.
وجد غزل تنتظره خارج الغرفة، وكانت ملامحها مليئة بالترقب، اقتربت منه بسرعة وسألته:
- ماذا؟ هل حصلت عليه؟
أخرج عمر الهاتف وأراها إياه بابتسامة صغيرة:
- أجل... حصلت عليه.
ثم نظر باتجاه الباب للحظات قبل أن يضيف:
- سأذهب إلى عامر الآن... اعتنوا بأنفسكم جيدًا، وانتِ قومي بإشغالها كي لا تشعر.
غادر عمر المنزل متجهًا إلى المشفى، بينما بقيت غزل تنظر إلى أثره، وقلبها يحمل دعاءً واحدًا فقط... أن تكون نهاية هذا الأمر خيرًا، ثم بعدها توجهت نحو غرفة بيسان كي تلهيها عن الهاتف.
---
بعد مدة قصيرة، كان عامر يجلس داخل مكتبه في المشفى، لكنه لم يكن يجلس فعلًا، كان جسده في مكانه، أما عقله فكان يركض خلف مئات الاحتمالات، عيناه لم تفارقا مهندس الأجهزة الإلكترونية الذي كان يعمل على الهاتف، وكل ثانية تمر كانت تزيد توتره.
كانت يده تتحرك بلا وعي فوق سطح المكتب، وعلامات القلق واضحة على ملامحه، التفت إلى سامي، وقد نفد صبره:
- ما الأمر؟ لماذا كل هذا الوقت؟
ظل سامي يراقب شاشة الحاسوب بهدوء، محاولًا الحفاظ على تركيزه وتركيز عامر معه.
- إنه يقوم بعمله... انتظر يا عامر.
عاد الصمت ليملأ المكان، كان الجميع ينتظر.....ينتظرون حقيقة قد تكون بداية حل، أو بداية مشكلة أكبر، وبعد دقائق طويلة، رفع المهندس نظره عن الشاشة، وقد ظهرت على وجهه علامات الوصول إلى النتيجة:
- ها هو... الرقم غير المسجل، والرسالة المحذوفة.
اقترب عامر قليلًا، وكأن جسده تحرك قبل أن يستوعب عقله.
- هل استطعت معرفة صاحب الرقم؟
أجابه المهندس بثقة وهو يشير إلى الشاشة:
- هذا عملي يا دكتور، حتى وإن حُذفت الرسالة من قبل الشخص المرسل، فلا تقلق... لم تختفِ آثارها بالكامل.
ثبتت أعين الجميع على الشاشة، كان الصمت في المكتب ثقيلًا، حتى صوت أنفاسهم بدا واضحًا في تلك اللحظة، اقترب عامر أكثر، وعيناه تتحركان بين الحروف الظاهرة أمامه.
ثم فجأة...تغير كل شيء، اتسعت عيناه بصدمة، وتجمدت ملامحه وكأن الزمن توقف للحظة، الاسم الظاهر أمامه، كان آخر اسم يتوقع رؤيته،ورفع نظره ببطء نحو آدم.
كان آدم يبادله النظرة نفسها، وقد قرأ الصدمة في عينيه قبل أن يسمع أي كلمة، ابتلع ريقه، ثم خرج صوته منخفضًا ومذهولًا:
- إنه...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!