رسالة تُربك القلوب
_____**
ساد داخل السيارة صمتٌ ثقيل، حتى بدا وكأن الهواء نفسه قد توقف عن الحركة، لم يكن الهدوء الذي جمعهما هدوء راحة، بل هدوءًا يسبق العاصفة، يحمل بين طياته أسئلةً كثيرة وإجاباتٍ مؤجلة.
كانت بيسان تشعر بأن الكلمات تختنق داخل صدرها، وكلما حاولت إخراج الحقيقة، شعرت بأن لسانها يعجز عن النطق بها.
أما عامر، فكان يراقب ملامحها بصمت، يقرأ اضطراب عينيها، ويشعر أن خلف ذلك التردد سرًا لن يمر مرور الكرام، أخذت بيسان نفسًا عميقًا، وكأنها تستجمع ما تبقى لديها من شجاعة، ثم همست بصوتٍ متردد:
- لقد كان مكتوبًا أنه...
لكن طرقاتٍ خفيفة على زجاج النافذة قطعت حديثها قبل أن يكتمل، أدار عامر رأسه بانزعاج، ثم أنزل زجاج النافذة قليلًا، لتقع عيناه على آدم الذي وقف بجوار السيارة، فخاطبه بضيق واضح:
- ماذا هناك؟
أشار آدم بعينيه نحو غزل التي كانت تنتظر بالقرب من المنزل، ثم أجابه بهدوء:
- إنها تنتظرها ليصعدا معًا.
زفر عامر بضيق، فقد كان يشعر أن الحقيقة أصبحت على بُعد كلمة واحدة فقط، ولا يريد لأي شيء أن يقطع تلك اللحظة، لذلك رد بتوترٍ أخفى خلفه قلقًا كبيرًا:
- اجعلها تنتظر قليلًا يا آدم.
في تلك الأثناء، نزعت بيسان حزام الأمان ببطء، وكأنها تهرب من الحديث قبل أن تواجهه، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها وهمست:
- انسَ الأمر يا عامر.
وما إن وضعت يدها على مقبض الباب حتى باغتها عامر بإمساك يدها، وكأن خوفه من الحقيقة كان أكبر من خوفه من سماعها، شد على يدها برفق، ثم تطلع إليها بعينين امتلأتا بالرجاء والقلق معًا، وهمس بصوتٍ اختلط فيه التوتر باللهفة:
- أخبريني يا بيسان... لا تجعليني أجن، ما الذي كُتب في الرسالة؟ أشعر أن ألف فكرة وفكرة تمزق رأسي.
ارتجف قلبها وهي ترى ذلك الخوف الصادق في عينيه. التفتت نحو آدم الذي كان ما يزال يقف بالخارج، ثم حاولت التهرب من الإجابة وهي ترسم ابتسامة خافتة على شفتيها:
- أخبرها أنني قادمة.
اكتفى آدم بإيماءة صغيرة، ثم ابتعد عن السيارة تاركًا لهما بعض الخصوصية، عاد عامر ينظر إليها، ثم رفع كفيه بكل حنان وأحاط وجهها بينهما، كأنه يريد أن يمنع عنها الخوف قبل أن يمنعها من الرحيل.
ظل يتأمل ملامحها لثوانٍ، ثم خرج صوته أكثر هدوءًا، لكنه كان يحمل رجاءً صادقًا:
- أرجوكِ يا بيسان... أريحي قلبي، ماذا كان مكتوبًا في الرسالة؟
أخفضت بصرها، وشعرت أن الحقيقة أثقل من أن تُقال. حاولت أن تبدو طبيعية، فابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها، ثم تمتمت:
- كانت رسالة عادية إلى حدٍ ما... مجرد رسالة صباحية، لا أكثر يا عامر.
لم يقتنع، كان يعرفها أكثر مما تعرف نفسها أحيانًا، ويعلم أن ارتباكها لا يأتي من فراغ، ظل ينظر إليها طويلًا، ثم رفع أحد حاجبيه وهو يسألها بنبرة امتزج فيها الشك بالاستغراب:
- ألم تخبريني أنها أُرسلت إليكِ قبل أن أرسل رسالتي بمدة؟
هربت بعينيها بعيدًا عنه، وشعرت بأن كل ثانية تمر تجعل الكذب أصعب، أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت يديها فوق يديه برفق، وأبعدتهما عن وجهها بحنان وهي تهمس:
- صدقني... ليست بشيء مهم، لا بد أنها أُرسلت بالخطأ... صدقني، وربما كنت أتوهم
ساد الصمت بينهما مجددًا، لكن هذا الصمت كان كافيًا ليخبر عامر بما عجزت الكلمات عن قوله.
تنهد ببطء وهو يحدق في ملامحها، وقد أدرك أنها تخفي عنه شيئًا كبيرًا. فلو كانت الرسالة عادية، لما اختفت بهذه الطريقة الغريبة، ولما ارتبكت بهذا الشكل.
رغم كل شكوكه، اختار أن يمنحها المساحة التي تحتاجها، ابتسم لها ابتسامة هادئة تخفي خلفها بحرًا من القلق، ثم انحنى يقبل مقدمة رأسها بحنان، قبل أن يهمس:
- حسنًا... كما تشائين يا بيسان، لن أضغط عليكِ، لكنك ستخبرينني لاحقًا... اتفقنا؟
تنهدت بقلّة حيلة، ثم أومأت برأسها موافقة، بينما كانت تشعر بوخز الضمير يزداد مع كل لحظة تمر.
وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب السيارة فجأة، ليطل عمر بوجهه المبتسم وهو يقطع تلك الأجواء المشحونة قائلًا:
- لمَ كل هذا التأخير؟
أغمض عامر عينيه بقوة، واستغفر الله في سره حتى لا يرتكب جريمة بحق عمر الذي لا يعرف اختيار توقيت دخوله أبدًا، ثم التفت إليه ببطء، ورسم على وجهه ابتسامة مصطنعة، بينما كانت أسنانه تضغط فوق بعضها من شدة الغيظ، وقال:
- مساء الخير يا عمر... كيف حالك؟
تأمل عمر تعابير وجهه للحظات، ثم كتم ضحكته بصعوبة وهو يجيبه ببراءة مصطنعة:
- بخير... كيف حالك أنت؟
ازدادت ابتسامة عامر اتساعًا، لكنها كانت من النوع الذي يسبق الانفجار، ثم أجابه:
- أصبحت في حالة سيئة الآن.
لم تتمالك بيسان نفسها، فانطلقت منها ضحكة صغيرة خففت شيئًا من التوتر الذي خيم على المكان، هبطت من السيارة، ثم اتجهت نحو عمر، وأمسكت بيده هامسة بصوتٍ خافت:
- أرجوك... لا تطل الحديث معه.
ابتسم عمر وضغط على يدها مطمئنًا، بينما التفتت هي نحو عامر، وأهدته ابتسامة دافئة قبل أن تقول:
- تصبح على خير يا عامر.
ترجل عامر من السيارة، ولم يبعد عينيه عنها للحظة، ثم أجابها بابتسامة صادقة حملت من الحنان أكثر مما حملت الكلمات:
- تصبحين من خيري.
ظل عامر واقفًا في مكانه، يتابع بيسان بعينيه حتى ابتلعها باب المنزل، بقيت نظراته معلقة بالمكان الذي اختفت فيه، وكأن جزءًا منه غادر معها، كان يشعر بانقباضٍ غريب في صدره، إحساس لم يستطع تفسيره، لكنه كان يخبره بأن هذه الليلة لن تمر بسلام.
مرر يده فوق وجهه محاولًا تهدئة أفكاره، ثم التفت ببطء نحو عمر، وقد عادت ملامح الجدية لتحتل وجهه بالكامل. اختفت ابتسامته المصطنعة، وحل محلها قلقٌ واضح لم يستطع إخفاءه مهما حاول.
اقترب منه خطوة، ثم همس بصوتٍ منخفض حتى لا يسمعه أحد:
- عمر... هل أخبرتك بيسان بشيء؟
أطلق عمر زفرة طويلة، ثم ألقى نظرة سريعة نحو آدم الذي تقدم منهما بعد أن تأكد من خلو المكان تقريبًا، كانت ملامحهما وحدها كافية لتؤكد أن الأمر أخطر مما يبدو، تنهد عمر قبل أن يجيبه:
- لا... لم تخبرني بشيء، لكن غزل أخبرتني قبل قليل بما حدث معهما فجرًا.
تسارعت نبضات قلب عامر، وشعر أن كل كلمة سيسمعها الآن قد تغيّر مجرى الأمور، عقد حاجبيه، وحدق في عمر بترقب واضح، ثم استعجله بلهفة لم يستطع إخفاءها:
- أخبرني... ماذا حدث؟ أرجوك.
أخذ عمر نفسًا عميقًا، وكأنه يبحث عن الطريقة المناسبة لقول ما سمعه، ثم تحدث بهدوء:
- لقد أُرسلت إليها رسالة من والدها...
وقعت الكلمات على مسامع عامر كالصاعقة، اتسعت عيناه بصورة لا إرادية، وتجمدت ملامحه لثوانٍ، وكأن عقله رفض استيعاب ما سمعه، اندفع يقاطعه بصوتٍ يكاد يختنق من شدة الصدمة:
- هل تقصد السيد أحمد... والدها الحقيقي؟
أومأ عمر مؤكدًا، ثم أردف وهو لا يزال غير مصدق لما يقوله:
- أجل... هو نفسه، لكن الأمر مستحيل، أخبرها أنه يريدها لأمرٍ ضروري، وطلب منها ألا تخبر أحدًا.
ظل عامر صامتًا للحظات، كانت الكلمات تتردد داخل رأسه مرارًا، لكنه لم يجد لها تفسيرًا منطقيًا، لقد حضر جنازة أحمد بنفسه! شارك في حمل النعش! ورأى كل شيء بعينيه! فكيف يمكن لإنسان مات ودُفن أن يرسل رسالة؟
هز رأسه بقوة وكأنه يطرد تلك الفكرة المستحيلة، ثم تمتم بعدم تصديق:
- لا... هذا غير معقول... بالتأكيد ليس صحيحًا.
وقف آدم يفكر بصمت، ثم شبك ذراعيه أمام صدره وهو يحلل الأمر بعقلانية، قبل أن يرفع رأسه نحوهما قائلًا:
- لا بد أنها فخ... أليس كذلك؟
لم يتردد عامر في الإجابة، فقد كان هذا الاحتمال هو الوحيد الذي بدا منطقيًا بالنسبة إليه، شد فكه بقوة، ثم أجاب بحزم:
- نعم... إنه فخ ومكيدة، من المستحيل أن يعود للحياة مرة أخرى. لقد حضرت جنازته، وحملت التابوت معهم... هذا مستحيل.
توقف لثوانٍ، ثم أكمل وهو يربط الأحداث ببعضها:
- وحتى الرسالة... اختفت هي والرقم بعدها مباشرة، لهذا السبب لم تخبرني بيسان. لا بد أن أحدهم تعمد فعل ذلك.
ساد الصمت بينهم للحظات، كان كل واحد منهم غارقًا في أفكاره، يحاول جمع الخيوط المتناثرة، لكن الصورة ما زالت ناقصة، وفي أثناء ذلك، أخذ آدم يراقب المكان بعينيه في هدوء، يتفحص السيارات المارة، والوجوه القريبة، والنوافذ المحيطة بهم، حتى شعر بوخزة غريبة في داخله.
اقترب منهما قليلًا، ثم خفض صوته إلى حدٍ كبير وهو يقول:
- عامر... أشعر أن هناك من يراقبنا، لا تثيروا الانتباه.
لم يلتفت عامر يمينًا أو يسارًا، بل أغلق عينيه لثوانٍ، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على انفعاله، ثم أخرج هاتفه، وبدأ يتصفح شاشته وكأنه منشغل بأمرٍ عادي، حتى لا يلفت الأنظار، قبل أن يعيده إلى جيبه بهدوء.
بعدها صافح عمر، واقترب منه أكثر وهمس بسرعة:
- سأتحرى عن هذا الأمر، لكن أريد منك أن تأخذ هاتف بيسان الليلة. طط، سأحاول الوصول إلى أي شيء من خلاله... هل تستطيع أن تعطيني إياه دون أن تشعر؟
بدت الحيرة واضحة على وجه عمر، فهو يعلم أن تنفيذ هذا الطلب ليس سهلًا أبدًا، زفر بضيق، ثم هز رأسه قائلًا:
- لا أعلم يا عامر... الأمر صعب، وستشك بي بالتأكيد.
ظل عامر صامتًا لثوانٍ يفكر في حلٍ آخر، لكنه لم يجد أفضل من ذلك، أومأ برأسه قائلًا:
- حسنًا... ابقَ على تواصل معي.
بادلَه عمر الإيماءة نفسها، ثم أجابه:
- حسنًا... تصبح على خير.
تبادل الثلاثة نظراتٍ صامتة حملت من القلق أكثر مما حملته الكلمات، بعدها استدار عامر متجهًا نحو سيارته، بينما لحق به آدم دون أن ينطق بأي حرف، فقد كان الصمت في تلك اللحظة أبلغ من أي حديث.
أما عمر، فظل واقفًا للحظات يراقب ابتعاد السيارة، قبل أن يزفر بثقل، كان يعلم أن الليلة ستكون طويلة، وأن ما ينتظره داخل المنزل ربما لا يقل صعوبة عما ينتظره خارجَه.
استدار أخيرًا، ثم صعد درجات المنزل ببطء، يحمل فوق كتفيه همًا جديدًا لم يكن يتوقع أن يعيشه يومًا.
ما إن أغلق عمر باب المنزل خلفه حتى شعر بأن ثقلًا كبيرًا استقر فوق كتفيه، لم يكن يعلم كيف سيتصرف، ولا بأي طريقة سيتمكن من الحصول على هاتف بيسان دون أن يثير شكوكها. كانت المهمة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة قد تكشف كل ما يحاولون إخفاءه إن أخطأ خطوة واحدة.
جلس على الأريكة بإرهاق، وألقى رأسه إلى الخلف لثوانٍ، محاولًا ترتيب أفكاره قبل أن يقدم على أي تصرف، لم يدم هدوؤه طويلًا، فقد لمح غزل تتقدم نحوه بخطوات متسارعة، بينما كانت ملامحها تنطق بالقلق قبل أن تتحدث.
اقتربت منه وهمست حتى لا يصل صوتها إلى أحد:
- ما الذي حدث؟ هل أخبرته؟
رفع عمر بصره إليها، ثم ألقى نظرة سريعة في أرجاء المنزل ليتأكد من عدم وجود أحد بالقرب منهما، قبل أن يخفض صوته بدوره ويسأل:
- أين بيسان؟
اقتربت غزل أكثر، ثم أجابته بسرعة:
- إنها تصلي في الداخل... أرجوك أخبرني، ماذا حدث؟
أطلق عمر زفرة خافتة، ثم مال برأسه نحوها حتى لا يسمعهما أحد:
- نعم... أخبرته، وهو أيضًا يرى أن الأمر ليس طبيعيًا، ويعتقد أنها فخ.
توقف لحظة، ثم ازداد صوته انخفاضًا وهو يضيف:
- غزل... هل تستطيعين إحضار هاتف بيسان؟
انعقد حاجبا غزل بحيرة، ثم هزت رأسها ببطء وهي تجيب:
- لا أعلم يا عمر... منذ أن صعدنا وهي داخل غرفتها، لم تخرج أبدًا.
صمتت قليلًا، وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا، ثم تابعت بقلق:
- بل إنها سألتني إن كنت قد رأيت الرسالة فعلًا، أم أنها كانت تتوهم، لأنها لم تجد لها أي أثر في الهاتف.
شعر عمر بانقباض في صدره، اختفاء الرسالة وحده كان كافيًا ليؤكد أن هناك من يتلاعب بالأمر، وأن ما يحدث ليس مجرد مصادفة، رفع رأسه إليها، ثم سألها باهتمام:
- وماذا أجبتها؟
أجابته بثقة لم تتزعزع:
- بالطبع أخبرتها بالحقيقة... لقد رأيت الرسالة بعيني، وهذا ما صدمني أكثر.
تنفس عمر بارتياح نسبي، فقد كان يخشى أن تكون غزل قد شككت بذاكرتها، لكنه وجدها واثقة مما رأته، ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم عقب:
- من الجيد أنك أخبرتني بما حدث عندما نزلت لأعرف سبب تأخركم.
وقبل أن يكملا حديثهما، وصل إلى مسامعهما صوت مروة، التي كانت تراقبهما منذ لحظات باستغراب واضح، اقتربت منهما وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، ثم سألت بنبرة يغلب عليها الفضول:
- ما الذي تحيكانه يا شباب؟
التفت إليها عمر بسرعة، ورسم على وجهه ابتسامة هادئة أخفى خلفها كل ما يشعر به من توتر، ثم أجابها:
- لا تقلقي... كل خير بإذن الله.
لم تقتنع مروة كثيرًا، لكنها فضلت ألا تضغط عليه أكثر، وفي الجهة الأخرى من الغرفة، كانت أحلام تغلق المصحف الذي بين يديها بكل هدوء.
مررت كفها برفق فوق غلافه، ثم رفعته بكل احترام قبل أن تنهض من مكانها، ابتسمت للجميع ابتسامة صغيرة يغلب عليها الإرهاق، ثم خاطبتهم:
- تصبحون على خير.
اتجهت نحو غرفتها بخطوات بطيئة، وأغلقت الباب خلفها برفق، ساد الصمت من جديد، التقطت هاتفها، وما إن فتحت الشاشة حتى تفاجأت بعدد كبير من المكالمات الفائتة.
توقفت أناملها للحظة، ثم اتجهت عيناها إلى اسمٍ تعرفه جيدًا...شريف.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!