بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار
ساد الصمت أرجاء المكان، قبل أن تقطعه نادية وهي تقف بملامح متجهمة، وقد ارتسم الضيق على وجهها بوضوح:
- أنا لستُ موافقة على هذه الزيجة.
اشتعل الغضب في ملامح جمال، فالتفت إليها مستنكرًا:
- ماذا تقصدين يا نادية؟
ثبتت نادية نظراتها عليه، ثم أجابته بإصرار:
- حديثي واضح يا جمال.
ثم حولت بصرها نحو عامر، وأردفت بعتاب:
- وأنت يا عامر... ألم تكن تريد الزواج من بيسان؟ ما الذي غيّر كلامك؟
أطرق عامر برأسه، وأسند وجهه بين كفيه بوهن، قبل أن يرفع عينيه إليها متحدثًا بهدوء:
- أمي... سأشرح لكِ كل شيء لاحقًا.
اتسعت عينا فداء بصدمة، وهي تنظر بينهما بعدم استيعاب:
- ماذا تقصدين يا خالتي؟ هل كان عامر سيتزوج بيسان أم ماذا؟
اقترب منها عامر مبتسمًا ابتسامة حاول أن يجعلها مطمئنة، ثم أوضح لها:
- فداء... لقد اختلط الأمر على أمي، كنت قد أخبرتها سابقًا أنني أرغب في الزواج، لكنني لم أحدد ممن، وعندما رأتني أساعد بيسان، ظنت أنها المقصودة.
في تلك اللحظة، انتبه جمال إلى صوت طرقات الباب، فارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وهو يلتفت إلى عامر:
- لا بد أنه الشيخ يا بني.
رمشت فداء بعدم تصديق، ثم تمتمت باستغراب:
- ماذا؟ شيخ؟ هل... سوف نعقد القران الآن؟
رغم الإرهاق الذي بدا واضحًا على عامر، ورغم بقع الدم التي ظهرت على قميصه، أجبر نفسه على الابتسام وهو يجيبها:
- أجل... هل لديكِ مانع؟
ازدادت حيرتها، فهزت رأسها بتوتر:
- هناك أمور كثيرة علينا فعلها أولًا... ثم إنني لم أخبر خالي بالأمر بعد.
تنهد جمال بضيق، ثم التفت إلى نادية قائلًا:
- افتحي الباب يا نادية، لا بد أن الشيخ قد وصل.
ثم وجه حديثه إلى فداء بحزم ممزوج بالحنان:
- وأنتِ يا ابنتي... أنا وصيكِ، ولا دخل لخالك في هذا الأمر، هو لا يستطيع حتى الحركة، فكيف سيأتي؟ سنخبره لاحقًا، ولن يعترض بإذن الله، فهو لا يتمنى لكِ إلا الخير.
تاهت نظرات فداء بين الوجوه المحيطة بها، كانت ترغب بالزواج من عامر بكل ما تملك من مشاعر، وكانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن، لكن مجرد تخيلها لردة فعل خالها إذا علم بالأمر جعل قلبها ينقبض خوفًا.
لقد سبق أن حذرها مرارًا من هذا الطريق...لكنها، في تلك اللحظة، لم تستطع الإنصات إلا لصوت قلبها، تنفست بعمق عندما وقع بصرها على الشيخ الواقف عند الباب، وإلى جانبه آدم، الذي بدا واضحًا أنه سيكون شاهدًا على العقد.
ابتسمت بخجل، ثم جلست إلى جوار عمها بصمت، في المقابل، ألقت نادية نظرة طويلة على عامر، امتلأت بالحزن والأسى، قبل أن تستدير متجهة نحو الدرج، لكن جمال أوقفها متسائلًا:
- ما الأمر يا نادية؟ ألا تريدين حضور عقد قران ابنك؟
أخفضت بصرها نحوه، ثم همست ببرود يخفي ألمها:
- لا... لا أريد.
رمقها جمال باستغراب، ثم التفت إلى الشيخ الذي كان ينتظر بصبر، وقال باحترام:
- تفضل يا مولانا... يمكنك البدء.
أمسك عامر بالملف الذي أحضره آدم، ثم سلّم الشيخ الأوراق الخاصة به، إضافة إلى أوراق فداء، راقبت فداء المشهد بخجل، وشعور دافئ يتسلل إلى قلبها.
لقد جهّز كل شيء مسبقًا...وذلك وحده كان كافيًا ليجعلها تؤمن بأنه يحبها حقًا، مرت دقائق قليلة، حتى انتهى الشيخ من إجراءات العقد، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة وهو يدعو لهما:
- بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خيرٍ إن شاء الله.
سادت أجواء من الارتياح بعد انتهاء مراسم العقد، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، إذ وقعت عينا آدم على بقع الدم التي لطخت قميص عامر، فانعقد حاجباه بقلق، وسارع نحوه متفحصًا جرحه قبل أن يستفسر:
- ما هذا يا عامر؟ ألم تقم بتغيير الضماد عندما عدت؟
أرخى عامر كتفيه بإرهاق، ثم أجابه بصوت خافت:
- لا... لم أجد الوقت أساسًا.
انتفض قلب فداء خوفًا، فتقدمت منه على الفور، وجلست إلى جواره وهي تتأمل ملامحه الشاحبة بقلق بالغ، ثم همست:
- ما بك يا عامر؟ هل يؤلمك الجرح؟ لماذا لم تهتم بنفسك؟
ضغط عامر على أسنانه في ضيق، وقد اجتاحه نفور شديد من الموقف بأكمله، ما الذي ورّط نفسه فيه؟ لم يفكر يومًا في أن الأمور ستصل إلى هذا الحد...رفع بصره إليها، ورسم ابتسامة باهتة حاول جاهدًا أن تبدو طبيعية، ثم طمأنها:
- لا... لا يؤلمني شيء، أنا بخير.
اقترب آدم منه، وأسنده حتى نهض من مكانه، ثم خاطبه بحزم:
- تعال معي... عليك أن ترتاح في غرفتك.
راقبهما جمال بابتسامة هادئة، ثم خاطبها بحنان:
- هيا يا ابنتي... ساعدي زوجك.
ولم تتردد فداء في التقدم إلى الجهة الأخرى، فأحاطت ذراعه برقبتها، وأسندت ظهره بيدها الأخرى لتساعده على السير.
في تلك اللحظة، أغمض عامر عينيه وهو يتمتم في داخله مستغفرًا ربه...يا الله... لم يفكر في الأمر من هذه الزاوية، قرب... وتلامس! سامحك الله يا أبي... ماذا فعلت بي؟ لم يكن يريد هذا أبدًا، بل إن قلبه كان متعلقًا ببيسان وحدها...
كانت أول فتاة يقترب منها بهذا الشكل، وأول من يشعر بالقرب الحقيقي منها، لذلك أثقل هذا الموقف صدره أكثر مما توقع.
انتبه آدم إلى اضطرابه، فضغط على يده بخفة، وكأنه يخبره بصمت أنه يفهم ما يشعر به، وصلوا إلى الغرفة، فبادرت فداء إلى فتح الباب بيدها الحرة، ثم ساعدته حتى جلس على السرير بمساندة آدم.
بعدها رتبت الوسائد خلف ظهره بعناية، حتى يستند إليها براحة، وقفت أمامه للحظات، بينما كان آدم يفتح أزرار قميص عامر استعدادًا لتغيير الضماد.
ألقى عامر عليها نظرة ضيقة أخفاها سريعًا، ليتدخل آدم وهو يكتم ضحكته بصعوبة:
- يمكنكِ الخروج الآن، آنسة فداء.
التفت إليها عامر، ثم تحدث معتذرًا:
- اذهبي إلى المنزل يا فداء... وأعتذر لأنني لن أستطيع الجلوس معك اليوم كما يفعل أي زوجين، أو حتى الخروج معك.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، ثم هزت رأسها برفق:
- لا تقلق يا عامر... المهم أن تكون بخير.
حول عامر بصره نحو آدم، ثم أردف بنبرة متعبة:
- إذًا... أسرع في عملك يا آدم.
لكن فداء لم تستطع إبعاد عينيها عن الجرح الذي غطته الدماء، فتقدمت خطوة أخرى وسألت بقلق واضح:
- هل أستطيع مساعدتكما في شيء؟
نفى آدم ذلك بلطف، ثم أجابها:
- لا، فقط أحضري علبة الإسعافات الأولية... ستجدينها في الحمام.
أسرعت فداء نحو الحمام، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى عادت وهي تحمل العلبة، فوضعتها إلى جوار عامر، ألقت عليه نظرة أخيرة ملؤها الاطمئنان، ثم خرجت من الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها، قبل أن تهبط إلى الطابق السفلي.
وما إن اختفت خطواتها، حتى التفت عامر إلى آدم بضيق مصطنع، وتمتم:
- اضحك يا رجل... لماذا تكتمها؟
وكأن آدم كان ينتظر هذه الجملة، فانفجر ضاحكًا حتى انحنى من شدة الضحك، ثم استطاع أن يقول بين ضحكاته:
- لقد صدقت دور الزوجة تمامًا! يا إلهي... إنها بارعة في التمثيل بحق! هل تمتلك الجرأة لتنظر إلى عينيك وهي تخونك؟! يا إلهي... لا أكاد أصدق ما يحدث!
زفر عامر بضيق، ثم قاطعه بحزم:
- حسنًا... يكفي يا آدم، دعنا نركز على موضوعنا.
انعقد حاجبا آدم بحيرة، قبل أن يوجه بصره نحو عامر متسائلًا:
- كيف وافق عمي على خطتك؟ ألم يكن معارضًا، بل وغير مصدّق لما نُسب إلى فداء؟
أطلق عامر زفرة طويلة، وأغمض عينيه للحظات، لتجرفه ذاكرته إلى اليوم الثاني من مكوثه في المستشفى، بعد مغادرة بيسان بقليل.
في ذلك اليوم، قرر أن يصارح والده بكل ما عرفه، رغم يقينه بأن وقع الحقيقة سيكون قاسيًا عليه، وقف جمال أمامه مذهولًا، وقد ارتسمت الصدمة بوضوح على ملامحه، ثم هتف بغضبٍ ممزوج بعدم التصديق:
- كيف ذلك يا عامر؟ ماذا تقول؟ هل تدرك ما الذي يخرج من فمك؟
رفع عامر بصره إليه بإرهاق، ثم أجابه بثبات:
- أقسم لك يا أبي أنني أقول الحقيقة، شادي هو من أخبرني بذلك، لقد زرعوا أجهزة تنصت داخل المكتب، واستمعوا إلى حديثي معك عندما أخبرتك برغبتي في خطبة بيسان، أتذكر شرطك حينها؟ أرجوك، صدقني.
تنهد بثقلٍ كيير،شاعرًا بعجز والده:
- أعلم أن الأمر صادم، وأنا مصدوم مثلك تمامًا، لكن لا بد أن نعرف من هو الرئيس، لقد أخبرني شادي أنه شخص أعرفه جيدًا.
ظل جمال يحدق بابنه طويلًا، وكأن عقله يرفض استيعاب ما يسمعهؤ أيعقل أن تكون ابنة أخيه خائنة؟ ابتلع ريقه بصعوبة، ثم سأله بصوت خافت:
- ومن يكون؟ وكيف ستعرفه؟
أطرق عامر مفكرًا للحظات، قبل أن يجيبه:
- أظنه خالها سعيد... لقد قُتل شادي قبل أن يُكمل الاسم، لكنه نطق بحرف السين فقط.
ساد الصمت بينهما، بينما أخذ جمال يسترجع ما حدث قبل الحادثة، فتذكر أمر الملفات، وسارع إلى سؤاله:
- أخبرني... هل طلبت منها ملفات قبل الحادث؟
قطب عامر حاجبيه باستغراب، ثم نفى الأمر فورًا:
- ملفات؟ لا، لم أطلب منها أي شيء، لا بد أنها كانت تضع شيئًا آخر هناك.
هز جمال رأسه بتفكير، وقد بدأ يربط الخيوط ببعضها، ثم أردف:
- وعلى ماذا تنوي الآن؟
تنفس عامر بعمق، وكأنه يرتب أفكاره بعناية، ثم أوضح:
- بعد عدة أيام، سأذهب لخطبة بيسان، بعد إذنك طبعًا، لا أريد أن تضيع مني، أريدها أن تكون من نصيبي، وبعد خروجي من هنا، سأعقد قراني على فداء، ولن تعلم أي واحدة منهما بالأخرى.
رفع جمال حاجبه باستغراب، وحدق بابنه مطولًا قبل أن يسأله:
- وكيف ستنجح هذه الخطة يا بني؟
أطرق عامر رأسه، ثم أجابه بقلة حيلة:
- لا توجد طريقة أخرى للتقرب من فداء سوى هذه يا أبي.
ظل جمال صامتًا برهة، ثم قال بتروٍّ:
- إذًا بالنبسة لبيسان... فلا داعي للاستعجال يا بني، وإن علمت هي أو أهلها بالأمر، فلن يسامحوك.
هز عامر رأسه بتفكير، ثم تنهد قائلًا:
- معك حق يا أبي سأخبر عمر، وأرجو أن يساندني.
وبالفعل، لم تكن مهمة إقناع عمر سهلة كما توقع، فقد واجه رفضًا شديدًا في البداية، ولم يوافق إلا بعد نقاش طويل، وعلى مضض، محذرًا عامر بلهجة لا تقبل المزاح:
- إن حدث عكس ما وعدتني به، أو رأيت الحزن في عيني بيسان بسببك، فلن أسامحك أبدًا، وسأجبرك بكل الطرق على الانفصال عنها.
انتشل آدم عامر من شروده وهو يهز كتفه برفق، ثم سأله باستغراب:
- أين ذهبت؟
تنهد عامر بضياع، وأجاب بصوت أثقلته الحيرة:
- أخشى أن أسقط... ولا أجد من ينقذني، أخبرني يا آدم... هل أستطيع فعلها؟
ربت آدم على كتفه مواسيًا، ثم ابتسم بثقة:
- توكل على الله يا عامر، وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، لا بد من كشف فداء والرئيس، وعندما تعلم بيسان الحقيقة، ستسامحك بإذن الله، خاصة أنك لن تكمل هذا الزواج، وإنما هو مجرد عقد قران والآن، حاول أن ترتاح، فالغد سيكون طويلًا.
نظر عامر إلى ساعته باستغراب، ثم تمتم:
- أتمزح؟ الساعة الرابعة عصرًا!
ابتسم آدم مجاراةً له، ثم عقّب:
- أجل، يمكنك أن تنام قليلًا بعد الصلاة، لتستعيد نشاطك، كما سيكون لديك عذر مناسب حتى لا تأتي فداء غدًا.
زفر عامر بتشتت، ثم تمتم:
- أقسم أنني وضعت نفسي بين نارين... اذهب الآن ولا تقلق علي.
انتهى آدم من تضميد الجرح، ثم وقف مودعًا:
- حسنًا، سأذهب، وأبلغ سلامي للخالة نادية... وافهمها حقيقة الأمر.
أومأ عامر برأسه وقد بدأ النعاس يغلبه، ثم أجابه:
- لا تقلق، سأخبرها... لكن ليس الآن، لدي أمر أريد تنفيذه أولًا، سأنتظر حتى يحين وقت العصر، ثم أصلي وأذهب إليها. هيا، اذهب أنت.
ابتسم آدم وهو يفتح الباب، ثم قال:
- حسنًا... أستودعك الله.
أجابه عامر وهو يراقبه يغادر:
- في أمان الله.
دقائق ودوى طرقٌ خفيف على باب الغرفة، فأذن عامر للطارق بالدخول، وما إن فُتح الباب حتى ولج جمال إلى الداخل، ليلتقي بصره بملامح ابنه المرهقة.
اقترب منه وجلس إلى جواره، ثم ربت على كتفه بحنان، محاولًا بث الطمأنينة في نفسه:
- لا تقلق يا بني، لقد هاتفت سعيدًا قبل قليل، وأخبرته أنني عقدت قرانك على فداء.
انتبه عامر إلى حديثه، فاعتدل قليلًا في جلسته، ثم سأله باهتمام:
- وماذا كان رد فعله؟
أطلق جمال زفرة طويلة، قبل أن يجيبه بهدوء:
- بقي صامتًا لوقتٍ طويل، ثم سألني بعد ذلك لماذا لم تأخذوا رأيي؟ فأخبرته أن تلك كانت رغبتي، وأنني أتمنى أن أرى أحفادي قبل أن أموت.
ما إن أنهى جمال حديثه حتى سعل عامر بخفة، ليبتسم والده وهو ينظر إليه، ثم أردف بنبرة تحمل شيئًا من المزاح:
- لا تقلق... لن أسمح لك بإنجاب الأطفال منها يا عامر، أتدري لماذا؟
نظر إليه عامر باستغراب، وقد انعقد حاجباه متسائلًا:
- لماذا يا أبي؟ هل تأكدت منها؟
أخرج جمال من جيبه جهازًا صغيرًا، ثم رفعه أمام ناظريه قائلًا:
- لأنني وجدت هذا.
اتسعت عينا عامر بصدمة، وهو يحدق في الجهاز غير مصدق، فبادره جمال مطمئنًا قبل أن يتساءل:
- لا تقلق، لقد قمنا بتعطيله، أعرف جيدًا كيف أتعامل مع مثل هذه الأجهزة يا بني.
تنفس عامر براحة، وقد ارتخت ملامحه قليلًا، ثم ابتسم قائلًا:
- الحمد لله... شكرًا لك يا أبي.
وما إن ارتفع صوت الأذان يملأ الأرجاء، حتى نهض جمال من مكانه، ثم ابتسم وهو يقول:
- سأذهب لأصلي... ثم أُرضي تلك الطفلة التي تجلس في الخارج.
ضحك عامر وهو يعتدل في جلسته، ثم عقب مازحًا:
- لو سمعتك وأنت تنعتها بالطفلة، فلن تسامحك أبدًا.
شاركه جمال الضحك، ثم هز رأسه بثقة:
- لا تقلق، والدتك طيبة القلب، وستسامحنا في النهاية.
ابتسم عامر وهو يتجه نحو الحمام استعدادًا للوضوء، ثم تمتم:
- أرجو ذلك يا أبي.
---
حلَّ المساء، وبعد أن فرغ عامر من أداء صلاة العشاء، أمسك هاتفه واتصل بعمر ليؤكد معه موعد الغد.
وما إن أنهى المكالمة، حتى اقتربت منه نادية، وقد بدا أثر الصدمة ما زال واضحًا على ملامحها، ثم خاطبته بعتبٍ ممزوج بالراحة:
- لقد أفزعت قلبي حقًا هذا الصباح، أخبرتني أنك تحب بيسان، ثم فجأة تعقد قرانك على فداء! لقد صُدمت بالفعل.
ابتسم عامر بخفة، ثم أجابها معتذرًا:
- سامحكِ الله يا أمي، لكنني لم أجد طريقة أفضل من هذه، حتى لا تظني أنني أحبها أو أن بيننا شيئًا، هل فهمتِ الآن؟
بادلتْه نادية الابتسام، وقد زال ما في قلبها من حيرة، ثم أومأت برأسها قائلة:
- أجل... فهمت حقًا، كيف استطاعت أن تفعل ذلك؟ لقد سقطت من نظري.
تنهد جمال بحزنٍ وانكسار، ثم أردف بأسى:
- وأنا أيضًا... لم أتوقع يومًا أن تخون ابنة أخي عمَّها.
شعر عامر بثقل الأجواء، فحاول تغييرها بابتسامة خفيفة، وقال:
- ابنكما تزوج اليوم... أفرحا قليلًا.
اتسعت ابتسامة نادية، ثم علقت مازحة:
- وهذا أجمل خبر سمعته، لكنكما بالفعل عصابة! أخبراني، هل كنتما تتعمدان الحديث أمامي حتى أسمع كل شيء؟
ابتسم عامر مؤكدًا:
- أجل، وإلا لما صدقتِ ما كنا نقوله.
تذكرت نادية أمرًا مهمًا، فسألته باهتمام:
- صحيح... وما وضع السيدة حنان؟
أطلق عامر زفرة قصيرة، ثم أجابها بقلة حيلة:
- ستبقى هنا حتى ينتهي كل شيء.
ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه نادية، ثم هتفت بحنان:
- دَعها تبقى، لقد أحببتها كثيرًا، سنأخذها معنا غدًا، أليس كذلك؟
ضحك جمال وهو ينظر إليها، ثم علق مبتسمًا:
- أرى أنكِ اعتبرتها فردًا من العائلة بالفعل.
خفتت ابتسامة نادية شيئًا فشيئًا، وغمر الحزن عينيها عندما تذكرت الحقيقة التي أخبرها بها عامر، ثم همست بأمل:
- أتمنى أن تصبح كذلك فعلًا.
وقف جمال من مكانه، ثم قال وهو يتمطى قليلًا:
- سأذهب للنوم، فالغد سيكون يومًا حافلًا، وأنت أيضًا يا عامر، اذهب لترتاح.
ثم التفت إلى نادية، وأردف بمزاح:
- وأنتِ أيضًا... هيا معي.
ضحكت نادية وهي تنهض من مكانها، ثم أجابته:
- حسنًا، أنا قادمة... لكن دعني أولًا أطمئن على حنان.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!