دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 59 من 61
وضع القراءة:

دوامة الشك وعودة الروح

عاد عامر إلى منزله بعد يوم طويل أثقل روحه بالكثير من المشاعر المتناقضة، كان يشعر وكأنه خرج من معركة لم تنتهِ آثارها بعد، فبالرغم من انتهاء خطر سعيد وشريف، إلا أن داخله لم يجد الراحة التي كان يبحث عنها.
كان يحمل في قلبه حزنًا غريبًا على فدوى، ليس لأنها كانت بريئة مما فعلته، فهو يعلم أخطاءها جيدًا، لكنه لم يستطع تجاهل اللحظة الأخيرة التي اختارت فيها أن تحميه، وأن تدفع ثمن أخطائها بطريقة لم يتوقعها.
وصل إلى منزل بيسان، وكانت هي تجلس وحدها ممسكة بهاتفها، تعيد قراءة محادثاتهما القديمة، كانت تبتسم بحنين وهي تتذكر كلماته واهتمامه بها، غير مدركة أن خلف الباب يقف شخص يحمل في قلبه الكثير من الألم.
رن جرس المنزل! توقفت بيسان للحظة، ثم نهضت ونظرت من العين السحرية، لتجده عامر يقف أمام الباب بحالة لم تعهدها منه من قبل.
فتحت الباب بسرعة، وما إن رأته حتى انحنى ليحتضنها بضعف، وكأنه وجد أخيرًا المكان الوحيد الذي يستطيع أن ينهار فيه، تفاجأت بيسان من تصرفه، لكنها شعرت فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي.
ابتعدت عنه قليلًا وسحبته إلى الداخل، ثم نظرت إليه بقلق:
- ما بك يا عامر؟ هل أنت بخير؟ هل خالتي نادية بخير؟ هل عمي جمال بخير؟ أجبني.
تنفس عامر بوجع، ثم نظر حوله وكأنه يبحث عن شيء يطمئنه:
- أين الجميع؟
أجابته بقلق وهي تتفحص ملامحه المرهقة:
- إنهم خارجون ليكملوا بعض الأشياء لغزل... أخبرني ما بك.
أمسك عامر بيدها، واتجه بها نحو غرفتها، جلس على السرير، ثم جذبها إليه حتى جلست بجانبه، وبعد لحظات وضع رأسه على قدميها، لم تستوعب بيسان ما يحدث، فقد كان عامر دائمًا قويًا أمام الجميع، لكن هذه المرة كان مختلفًا تمامًا.
وفجأة، انفجر ببكتءٍ صامت....
كان بكاء شخص أنهكته الأحداث، شخص حاول أن يبقى ثابتًا طويلًا حتى لم يعد قادرًا على ذلك، وضعت بيسان يدها على ظهره، تحركها بحنان وهي تنتظر حتى يهدأ.
بعد وقت، رفع رأسه ومسح دموعه، فابتسمت له بحب وسألته بتردد:
- ما الذي أبكاك لهذا الحد يا عامر؟
نظر إليها للحظات، ثم أجابها بصوت مليء بالألم:
- أنتِ الأكمام في قميصي، التي أمسح بها دموعي كلما بكيت مذعورًا.
نظرت إليه باستغراب وقلق أكبر:
- ما بك يا عامر؟ إنني قلقة.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قرر أن يخبرها بما حدث:
- لقد ماتت فداء وهي تحاول حمايتي.
اتسعت عينا بيسان بصدمة:
- هل لهذا السبب تبكي يا عامر؟
هز رأسه نافيًا وقد ابعد جسده عنها معتدلًا:
- لا... ليس لهذا السبب، أنا متعب يا بيسان... تعبت حقًا، كل شيء يأتي خلف الآخر، لقد تحملت الكثير حتى سعيد مات أيضًا.
اقتربت منه اكثر محاولة تهدئته:
- لا تحزن نفسك يا عامر... مصيرهم الموت، أليس كذلك؟
أومأ لها متنهدًا بقوة:
- أجل، مصيرهم الموت، لكنني لا أعلم... كنت أريد أن أشاهدهم وهم على منصة الإعدام.
ابتسمت له بحنان، ووضعت يدها على قدمه:
- لا عليك... لقد رأيتهم وهم يقتلون أمام عينيك.
تنهد عامر ونهض من جانبها بعدما هدأ قليلًا:
- لا أعرف لماذا جئت اليوم، لكنني هاتفْت آدم ولم يجبني، وأمي ليست في البيت، إنها مع السيدة حنان في جلسة العلاج.
نظرت إليه بعتاب مصطنع:
- وأنا؟ ألست زوجتك يا عامر؟
تغيرت ملامحه فورًا، واقترب منها ليعانقها بحب:
- أنتِ حبيبتي وكل ما أملك.
ثم ابتسم لها وقد كور وجهها بين كفيه:
- بماذا أصفك يا بيسان؟ يا من ترسمين بابتسامتك الفرح لقلبي، وتنثرين عبيرك زهوًا على كل جسدي... بماذا أصفك وأنتِ أسقيتني من رحيقك كل جنون العشق؟ أنتِ التي أدمنت قربها، أدمنت نبضها، أدمنت عطرها... فأي كلام يعبر عني؟ وأي حرف يستحق أن يصفكِ يا حبيبتي؟
ارتمت بين أحضانه تعانقه، لكنه ابتعد بعدها قليلًا وهو يبتسم:
- إن شاهدني عمر هنا فسوف يكون هذا آخر يوم لي... من الجيد أنهم لم يكونوا موجودين.
نظر إليها بحب يكمل:
- أراكِ غدًا يا حبيبتي.
ابتسمت وهي تودعه:
- اعتنِ بنفسك يا عامر.
أجابها بابتسامة:
- وأنتِ كذلك... أغلقي الباب خلفك، ولا تفتحي لأي شخص.
---
وهكذا جاء اليوم الذي انتظره الجميع....
اليوم الذي طال الصبر من أجله، اليوم الذي سيجمع الأحبة بعد رحلة طويلة من الألم والانتظار، كان يوم الزفاف.
كانت بيسان تجلس بتوتر، تفرك يديها بين حين وآخر، ترتدي فستانها الأبيض الذي جعلها تبدو كأنها حلم جميل، ولم يظهر منها سوى وجهها المليء بمشاعر مختلطة بين السعادة والخوف.
اقتربت منها أحلام بابتسامة، وهي تحمل مظروفًا بيدها:
- لقد وصل هذا من أجلك.
نظرت إليها بيسان باستغراب:
- لي أنا؟ ممن؟
حركت أحلام كتفيها بعدم علم:
- لا أعلم، لقد أحضره فتى التوصيل وأخبرني أن أسلمه للسيدة بيسان.
أخذت بيسان المظروف، ثم قالت:
- حسنًا، لا عليكِ... هل غزل جاهزة؟
أجابتها أحلام بتأكيد:
- أجل، ولقد وصل عامر وآدم للتو.
ابتسمت بيسان بخفة بينما زاد ت ترها أكثر:
- حسنًا يا أمي، إنني قادمة.
أمسكت بيسان بالمظروف بين يديها، ولم يخطر ببالها للحظة أن شيئًا بسيطًا كهذا قد يحمل خلفه عاصفة قادرة على تغيير فرحتها في أكثر أيام حياتها انتظارًا.
وضعت المظروف جانبًا للحظات، ثم أكملت استعدادها للزفاف، محاولة إخفاء توترها وارتباكها، كان قلبها يخفق بشدة، ليس خوفًا من الزواج، بل من حجم السعادة التي انتظرتها طويلًا حتى أصبحت تخشى أن تفقدها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد مدة، هبط عمر الدرج وهو يمسك بيدي كل من بيسان وغزل، وتوقف أمام عامر الذي كان ينتظرها بقلب ممتلئ بالحب والشوق.
مد عمر يد بيسان نحو عامر، ليأخذها منه، وفي تلك اللحظة تناسى عامر كل ما حدث، تناسى كلمات شريف وسمومها، فلم يعد يهمه سوى وجودها أمامه، سوى أنها ستصبح زوجته أمام الجميع.
لكن صوت عمر أخرجه من شروده وهو يخاطبه بجدية وتحذير:
- لا تحزنها يا عامر... إن فعلت ذلك فصدقني لن تحصل عليها.
ابتسم عامر وهو يمسك بيد بيسان بحب:
- إنها روحي، وكيف لي أن أحزنها؟
انتقل عمر بنظره نحو آدم، ثم أعطاه غزل وهو يشير إليه بإصبعه محذرًا:
- حافظ عليها جيدًا يا آدم، إن أتت إليّ يومًا واشتكت منك، فلن ترى النور بعدها.
ابتسم آدم وهو يقبل يد غزل:
- إنها في عيني يا عمر، لا تقلق.
ابتسم عمر، ثم نظر إلى هبة وهو يتقدم نحوها سريعًا:
- إذًا هيا لنوصلكم إلى القاعة.
__________**
انتهى الزفاف وسط دعوات الجميع لهم بالسعادة والحب، وبعد ساعات طويلة من الفرح والتهاني، توجه كل زوج إلى منزله.
وصل آدم إلى منزله، فتح الباب لغزل، فتقدمت بخجل وهي تنظر حولها:
- أين عمي آدم؟
اقترب منها آدم بابتسامة:
- لقد ذهب مع والدي عامر إلى المزرعة، لقد أخبرتك أننا سنكون في بيت خاص بنا، لكنكِ لم توافقي.
أجابته غزل بتأكيد وهي تتخطاه:
- هذا هو الصحيح، كيف نسكن في منزل منفصل عن والدك؟ متى سيجري عمليته؟
ابتسم آدم وهو يحملها رغم اعتراضها:
- بعد أسبوع من اليوم.
تعلقت غزل برقبته بخجل:
- أنزلني يا آدم.
ضحك وهو يفتح باب غرفتهما:
- حسنًا، سأنزلك الآن... بدلي ثيابك لنصلي ركعتين.
أومأت غزل برأسها، ثم دفعته بخفة إلى الخارج وأغلقت الباب خلفه، تنهد آدم بحب وهو يرفع صوته:
- سأبدل ثيابي في الغرفة الثانية، عندما تنتهين أخبريني.
__________**
أما عامر فعندما أغلق الباب خلفهما وحاسب عامل التوصيل الذي أحضر العشاء لهم، كان أول ما فعله أنه بحث عن بيسان بعينيه، وجدها هادئة بشكل غريب، لا تظهر على ملامحها أي فرحة كانت يتوقع رؤيتها في ليلة كهذه:
- ما بكِ بيسان؟ هل أنتِ بخير؟
ابتعدت عنه بضيق:
- لا تلمسني... ابتعد.
تجمد عامر من ردها المفاجئ:
- ماذا تعنين بيسان؟ طوال الحفل وأنتِ تتهربين مني.
نظرت إليه والدموع تلمع في عينيها، ثم خرج صوتها محملًا بالألم:
- عامر... أخبرني الحقيقة، هل تزوجت فدوى حقًا؟
أغمض عامر عينيه بهدوء، فقد كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي، لكنه لم يتوقع أن تأتي بهذه الطريقة:
- هل ستصدقينني إن أخبرتك؟
اشتد غضبها، ثم صرخت بقهرٍ حقيقي:
- أريد جوابًا واحدًا فقط... نعم أم لا.
تنهد عامر محاولًا شرح الأمر بينما يقترب منها:
- لكنكِ ستسمعين تبريري.
ابتسمت بيسان بألم وهي تمسح دموعها وتبتعد عنه:
- لقد وصلني جوابك.
وقف عامر بسرعة واقترب منها كي تهدأ:
- صدقيني، لقد كان عقد قران فقط وليس زواجًا... لقد فعلت ذلك لكشف حقيقتهم.
ضحكت بيسان بسخرية وهي تصفق بيدها:
- حقًا؟ وماذا عن العناق الذي شاهدته؟!
ثم تذكرت لحظة رؤيته يوم وفاتها، وقالت بألم:
- لقد أتيت إليّ بالأمس وأنت تبكي بسبب وفاتها... حقًا يا عامر، أنت ممثل بارع.
أمسك عامر بيدها وهو يحاول إيصال صدقه:
- صدقيني، لم أقترب منها.
سحبت يدها بقوة، واتجهت نحو حقيبتها وأخرجت المظروف:
- أخبرني إذًا... ما هذا؟
فتح عامر الظرف، ليتجمد مكانه عندما رأى صورة من كانت هناك صورة من عقد قرانه على فداء، وصور أخرى تجمعهما؛ صورة وهي تعانقه، وأخرى وهي تقبله على وجنته.
أغمض عينيه بغضب، فقد تذكر ذلك اليوم... اليوم الذي أصرت فيه فداء على تلك الصور رغم رفضه، فتح عينيه ليجد أمامه بيسان ودموعها تملأ وجهها بصمت قاهر، ثم اقترب منها محاولًا التوضيح:
- بيسان... إن هذه الصور...
قاطعته بابتسامة حزينة:
- صور مركبة أليس كذلك؟
هز رأسه نافيًا:
- لا، إنها حقيقية... لكن ليس كما تظنين.
وضعت يدها على أذنيها، وكأنها لا تريد سماع المزيد:
- لا أريد أن أعلم... لقد كنت تتلاعب بي، وأنا الغبية التي صدقتك.
ثم نظرت إليه بألم:
- هل كل ما كنت تفعله؟ كل ما كنت تخبرني به؟ كان كذبًا وتمثيلًا؟
أجابها عامر بسرعة:
- لا، أقسم لكِ أنني أحبك، ولم أحب أحدًا قبلك ولا بعدك... لكن اسمعيني.
التفتت إليه وهي تحاول منع دموعها:
- لا يوجد شيء بيننا يا عامر... لو أنني أستطيع الخروج الآن والذهاب إلى منزلي لفعلت، لكنني لا أريد فتح مواضيع لا نهاية لها.
صمتت للحظة ثم تابعت:
- بعد شهر من الآن سوف ننفصل بهدوء، لأنني لا أستطيع تحمل هذا.
تقدم عامر نحوها بغضب وأمسك يدها:
- أجل... أجل، لفقِي حجة للطلاق مني، لكن لدي سؤال أيضًا... إنه حقي. هل حصل شيء بينك وبين شريف؟
نظرت إليه بصدمة، وكأن السؤال جرحها أكثر من كل شيء، مان سؤاله أخر شيءٍ تتوقعه منه'
- ماذا تقصد يا عامر؟ هل ما فهمته صحيح؟
ابتعد عنها بضيق، لتبتسم له بحزن وهي تدرك سبب سؤاله، اجابته بكذب وهي تحاول إخفاء ألمها:
- أجل... لقد حصل.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف 44 حين تتشابك الأقدار وتُختبر القلوب 45 اعترافات خلف الأبواب 46 بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار 47 الوعد الذي سبق العاصفة 48 بداية العهد وأسرار تُكتشف 49 رسـالـة مـن الـمـاضـي 50 تردد وخوف 51 رسالة تُربك القلوب 52 بين الحقيقة والوهم 53 حين تتشابك الخيوط 54 بداية الحقيقة 55 صدمة قوية لم توقعها أحد 56 حين تنكشف الأقنعة 57 نهاية الخداع 58 دوامة الشك وعودة الروح 59 دوامة الشك وعودة الروح 60 حين عاد الغائب... ورحل الحبيب 61 حين يصبح الصمت وجعًا 62 رسـائـل مـحـب 63 حين يعود القلب إلى موطنه، الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.