رسـالـة مـن الـمـاضـي
________**
أعادت بيسان قراءة الرسالة مرة بعد أخرى، حتى تجاوزت المرات العشر، وهي تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات متسارعة، بينما كانت أنفاسها تتلاحق، وعقلها يعجز عن استيعاب ما تراه عيناها.
توقفت أمام غزل، وحدقت إليها بحيرة قاتلة، هل توقظها وتخبرها بما قرأت؟ أم تكتم الأمر داخل صدرها؟ يا الله... ماذا عليها أن تفعل؟ هل ما قرأته حقيقة أم مجرد حلم عابر؟
أغمضت عينيها لثوانٍ، ثم أخذت نفسًا عميقًا، قبل أن تمد يدها وتهز غزل برفق وهي تناديها بلهفة:
- غزل... استيقظي... غزل، أرجوكِ، أفيقي.
بعد محاولات عدة، فتحت غزل عينيها بصعوبة، وقد غلبها النعاس، ثم تمتمت بصوت متعب:
- ماذا هناك؟
ساعدتها بيسان على الاعتدال في جلستها، ثم ناولتها الهاتف وهي تقول بارتباك واضح:
- انظري...
ألقت غزل نظرة سريعة على الشاشة بعينين مثقلتين بالنوم، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تعيد الهاتف إليها:
- حقًا؟ إنكِ تمزحين معي... دعيني أنام.
امتلأت عينا بيسان بالدموع، ثم هزت رأسها وهي تتمسك بكف غزل:
- غزل... أرجوكِ، استيقظي جيدًا وانظري إليها بتمعن.
استلقت غزل من جديد وهي تغمغم بنعاس:
- بيسان... إن كنتِ تمزحين معي، فأنا متعبة جدًا، وليس لدي مزاج لتحمل مقالبك النادرة.
أمسكتها بيسان من ذراعها، ثم وضعت الهاتف بين يديها وهي ترجوها بصوت مرتجف:
- أقسم لكِ أنه ليس مقلبًا... أرجوكِ، أنا خائفة... وحائرة.
اعتدلت غزل هذه المرة، واختفت آثار النعاس من وجهها، لتقرأ الرسالة بتركيز.
"بيسان... ابنتي وحبيبة قلبي، إن رأيتِ اتصالي فأعيديه، أريدكِ في أمر ضروري... لكن إياكِ أن تخبري أحدًا بذلك."
رفعت رأسها ببطء، ثم نظرت إلى بيسان باستغراب بالغ:
- لا بد أنه كذب... أليس كذلك؟
بدت بيسان كمن فقد القدرة على التفكير، ثم همست بصوت تائه:
- لا أعلم... لقد رأيته أمام عيني يفارق الحياة... سبعة عشر رصاصة كامت تستقر،غي جسده، أليس كذلك يا غزل؟ لقد رحل... ولن يعود... أليس ما يحدث مجرد حلم؟
أخذت غزل نفسًا عميقًا، ثم أمسكت يدها بكلتا يديها محاولة بث الطمأنينة في قلبها، قبل أن تخاطبها بحزم:
- انظري إليّ يا بيسان.
وما إن رفعت بيسان عينيها الغارقتين بالدموع، حتى تابعت غزل بهدوء:
- نعم... عمي أحمد قُتل أمام عينيكِ، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، كما أنهم دفنوه أمامكِ أيضًا، لذلك فهذا ليس إلا فخًا... وليس حلمًا.
مسحت بيسان دموعها سريعًا، ثم نهضت من مكانها وهي تهز رأسها برفض شديد:
- لا... أبي ما زال حيًا، أشعر بذلك، عندما طلبت منهم أن أودعه للمرة الأخيرة رفضوا... لقد أخطأت عندما أخبرتكِ، سأهاتفه الآن.
نهضت غزل بسرعة، وأمسكتها من كتفيها بقوة وهي تهتف بغضب امتزج بالخوف:
- إياكِ يا بيسان... أقسم لكِ أنه فخ! لماذا لا تفهمين؟ هل رأيتِ يومًا ميتًا يعود إلى الحياة؟
حدقت بيسان أمامها بضياع، ثم همست بصوت مرتجف:
- إن كان فخًا... فماذا يريدون مني؟ ومن يكون صاحب الرسالة؟ وما مصلحته من كل ذلك؟
فكرت غزل لثوانٍ، ثم أجابتها بعقلانية:
- لا بد أنه شريف... ألم تسمعي ما قاله شادي؟ أو ربما رئيس العصابة نفسه.
أنزلت بيسان بصرها نحو الهاتف، وأمسكته بتردد، ثم رفعت عينيها نحو غزل، بادلتها الأخرى نظرة متوسلة، فما كان من بيسان إلا أن جلست على حافة السرير، وأسندت رأسها بين كفيها، وكأن العالم كله قد انهار فوق كتفيها.
جلست غزل إلى جوارها، وربتت على ظهرها بحنان، ثم همست:
- قومي يا بيسان... صلي ركعتين، لعل الله يشرح صدرك ويذهب عنكِ هذا القلق.
أخذت بيسان نفسًا طويلًا، ثم أومأت بصمت، واتجهت نحو المرحاض بعقل مشتت، بينما بقيت غزل تتابعها بعينين يغمرهما القلق، زفرت غزل ببطء، ثم خرجت من الغرفة حتى تتوضأ وتصلي معها.
وبعد أن انتهتا من الصلاة، ارتفع صوت أذان الفجر يملأ المكان بسكينة مهيبة، رددت الفتاتان كلمات المؤذن بخشوع، ثم وقفتا بين يدي الله تؤديان صلاة الفجر، وكل واحدة منهما تحمل في قلبها دعاءً مختلفًا.
وحين فرغتا من الصلاة، التفتت غزل إلى بيسان وهي تقول برفق:
- سأوقظ والدتي والبقية، حسنًا؟
أومأت بيسان برأسها موافقة، وما إن خرجت غزل من الغرفة، حتى عمّ الصمت المكان من جديد.
وفجأة...
دوّى صوت إشعار رسالة جديدة، انتفض جسد بيسان من شدة الخوف، والتفتت نحو الهاتف بتردد، اقتربت منه ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم التقطته وفتحت الرسالة.
وما إن قرأت محتواها، حتى ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، إذ كانت الرسالة من عامر.
"ثمة شيء في صلاة الفجر لا يشبه بقية الصلوات، وحتى مصلو الفجر لا يشبهون غيرهم... لأنهم لا يملكونكِ."
ابتسمت بمحبة، وأسرعت أصابعها تكتب ردها:
"وإن ملأتَ رحابَ الليلِ أدعيةً، أجابك النور عند الفجر آمين. فإن بعد صلاة الفجر ترتفع الدعوات إلى رب العباد، فيا رب، يسر أمورنا، وفرج همومنا، وارزقنا من حيث لا نحتسب، واجمعنا على خيرٍ بإذنك."
وما إن أرسلت الرسالة، حتى عادت غزل إلى الغرفة وهي تحمل مصحفها، توقفت لحظة عندما رأت تلك الابتسامة الهادئة التي زينت وجه بيسان، ثم اقتربت منها باستغراب:
- يا مقلب القلوب... ما الذي حدث حتى ابتسمتِ الآن؟
أغلقت بيسان الهاتف بسرعة، ثم هزت رأسها نافية:
- لا... لا يوجد شيء.
رفعت غزل حاجبها الأيسر وهي ترمقها بنظرة مشاكسة، ثم علقت:
- حقًا؟ كما تشائين... لكنني أظن أنني أعرف سبب تبدل مزاجك.
أخفضت بيسان رأسها بخجل، لتنطلق ضحكات غزل في أرجاء الغرفة وهي تقول:
- وتقولون إنني أنا كثيرة الخجل! انظروا إلى تصرفاتها.
ضحكت بيسان بقلة حيلة، ثم التفتت إليها بجدية وهي تسأل:
- أخبريني... ماذا نفعل الآن؟ هل أعيد الاتصال بذلك الرقم؟
هزت غزل رأسها نفيًا بحزم، ثم أجابتها:
- لا، لا تفعلي، دعينا نبحث عن الرقم أولًا، ونرى إن كان يقودنا إلى شيء... فلن نخسر شيئًا.
وافقتها بيسان بهدوء، ثم تناولت المصحف الموضوع بجوارها، وبدأت تقرأ وردها اليومي بخشوع، لتفعل غزل الشيء نفسه، بينما ظل ذلك السؤال المرعب يطوف في عقل بيسان... هل كانت الرسالة أملًا أعاده الله إليها... أم بداية فخ جديد؟
________**
في صباح اليوم التالي، كان عامر يجلس إلى جانب والديه، وبرفقتهما السيدة حنان، التي كانت تشعر بأنها غريبة وسط تلك الأجواء العائلية، رغم أنها أمضت الصباح كله تتحدث مع نادية، حتى بدأت الألفة تتسلل بينهما شيئًا فشيئًا.
تأملت نادية ملامحها الشاردة، ثم مدت إليها شطيرة وهي تخاطبها بلطف:
- لمَ لا تأكلين يا حنان؟
ابتسمت حنان ابتسامة باهتة يملؤها الحزن، ثم أجابت بصوت مثقل بالألم:
- وكيف تريدين مني أن آكل يا نادية؟
ربتت نادية على يدها بحنان محاولة التخفيف عنها، ثم قالت بمواساة:
- تستطيعين تجاوز هذا كله يا حنان، فلا تستسلمي لهذه الطاقة السلبية التي تسيطر عليكِ.
أطلقت حنان زفرة طويلة، ثم حولت أنظارها نحو عامر وهي تخاطبه برجاء:
- بني... أريد العودة إلى المستشفى.
كان عامر يمضغ لقمة من الخبز، فهز رأسه نافيًا بحزم، ثم أجابها:
- لا يا خالتي، ستبقين هنا... ولا أريد أي نقاش في هذا الأمر.
وضعت الشوكة جانبًا، ثم سألته بصوت امتزج فيه الحزن بالقلق:
- بني... أين شادي؟ لماذا لم يأتِ لرؤيتي كما اعتاد؟ أشعر أن مكروهًا أصابه... أخبرني، هل هو بخير؟
انقبض قلب عامر، لكنه أخفى ألمه خلف ابتسامة هادئة، ثم أجابها بلطف:
- شادي بخير يا خالتي... وهو الآن في مكان أظنه جميلًا.
لم تقتنع حنان بإجابته، وحدقت فيه بعينين دامعتين قبل أن تهمس برجاء:
- أرجوك يا بني... أخبرني الحقيقة.
اغرورقت عينا عامر بالدموع، فمسحهما سريعًا بطرف إصبعه قبل أن يجيب، لكن رنين جرس المنزل قطع حديثه، تنفس بعمق، وأخفى آثار حزنه، ثم اتجه نحو الباب.
ما إن فتحه حتى وجد فداء تقف أمامه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة متكلفة، ثم تنحى جانبًا ليفسح لها المجال للدخول.
دخلت فداء وهي تنظر إليه باهتمام، ثم اقتربت منه وطَبعت قبلة على وجنته قائلة بلهفة:
- كيف أصبحت يا عامر؟ هل أصبحت بخير الآن؟
تجمد في مكانه لثوانٍ من هول تصرفها، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، ثم تحرك نحو الداخل وهو يجيب بهدوء:
- أنا بخير كما ترين... شكرًا لكِ.
سارت خلفه بخطوات متسارعة، ثم اقتربت من جمال، وانحنت تقبل يده باحترام صادق، راقب جمال تصرفها بصمت، بينما ضغط على أسنانه محاولًا كبت ما يشعر به، ثم ابتسم ابتسامة مصطنعة وهو يقول:
- كيف حالك يا ابنتي؟
أشرقت ابتسامة صادقة على وجهها وهي تجيب:
- أصبحت بخير عندما رأيتكم يا عمي.
أطلقت نادية ضحكة ساخرة لم تستطع إخفاءها، ثم علقت بنبرة حملت الكثير من المعاني:
- بالتأكيد... ستكونين بخير.
التفتت إليها فداء باستغراب واضح، ثم سألتها:
- ماذا تقصدين يا خالتي؟
وقبل أن يتطور الحديث، تدخل عامر سريعًا مغيرًا مجرى الكلام:
- اجلسي يا فداء... لماذا ما زلتِ واقفة؟
جلست بهدوء، لكن عينيها توقفتا على حنان، فمالت قليلًا وهمست متسائلة:
- من هذه؟
أجابتها نادية مباشرة، وقد بدا شيء من الجفاء في نبرتها:
- إنها صديقتي يا فداء.
استغربت فداء برودة تعامل نادية معها، لكنها آثرت الصمت، وأطرقت برأسها بحزن، قطع جمال الصمت وهو يلتفت إلى عامر مبتسمًا:
- ألن تخرجا اليوم معًا إلى أي مكان؟
أخفى عامر انزعاجه، ثم أجابه بهدوء:
- ليس الآن يا أبي.
ابتسم جمال ابتسامة ذات مغزى، ثم هتف:
- حقًا؟ لقد ظننت أنكما ستخرجان الآن.
ضحك عامر ضحكة خافتة متكلفة، بينما كان داخله يرفض الفكرة تمامًا، لم يكن يرغب بالخروج مع فداء، لكنه مضطر إلى مسايرتها حتى يصل إلى الحقيقة.
وفوق ذلك كله، كانت بيسان لم تجب على اتصالاته منذ الصباح، وهو ما زاد ضيقه وقلقه، نهض من مكانه وهو يستأذن الجميع:
- سأصعد لأبدل ثيابي.
رمقه جمال بابتسامة جانبية لم يفهمها سواه، ثم قال:
- خذ راحتك يا بني.
صعد عامر الدرج بخطوات سريعة، وأغلق باب غرفته خلفه، ثم أخرج هاتفه على الفور، ضغط على اسم بيسان، ووضع الهاتف على أذنه ينتظر.
وما إن جاءه صوتها، حتى ارتسمت ابتسامة عاشقة على وجهه:
- كيف حالك يا بيسان؟
ابتعدت بيسان قليلًا عن غزل التي كانت تحاول التنصت على المكالمة، ثم أجابت بخجل:
- أنا بخير... كيف حالك أنت؟
تنهد عامر براحة، ثم قال بصوت ملؤه الحنين:
- الآن فقط أصبحت بخير... ويومي صار أجمل بعدما سمعت صوتك.
ارتسم القلق على ملامحها، فسألته بسرعة:
- هل أنت بخير يا عامر؟ هل ما زال الجرح يؤلمك؟ أنا أعتذ...
ابتسم مقاطعًا حديثها برفق:
- أنا بخير، فلا تقلقي... ولم يعد يؤلمني شيء، ثم لماذا تعتذرين؟ ليس لكِ أن تعتذري مهما فعلتِ، اتفقنا؟ وحتى ان كان بي داءٍ فأنتِ دوائي
ابتسمت بخجل، ثم أجابت بطاعة:
- حسنًا يا عامر.
ابتسم وهو يتكئ على حافة السرير، ثم سألها بدلال:
- ماذا تفعل زوجتي الآن؟
ضحكت بخفة وهي تجيبه:
- تشاهد برنامجًا دينيًا.
اتسعت ابتسامته بفخر، ثم قال بسعادة:
- الحمد لله... هكذا تكون زوجتي.
صمت لحظة، ثم أردف بحماس:
- أريد أن نخرج اليوم معًا، سأتصل بآدم، ونخرج جميعًا، ما رأيك؟
ترددت قليلًا، ثم قالت بهدوء:
- لا أعلم... اتصل بعمر أولًا، وانتظر موافقته.
تنهد عامر بضيق مصطنع، ثم تمتم باستسلام:
- وهل أنا متزوج عمر؟! يكفي ما فعله البارحة.
انطلقت ضحكات بيسان حتى ملأت أرجاء المنزل، فالتفتت إليها أحلام ومروة باستغراب، كتمت ضحكتها بصعوبة، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
- إنه أخي... وهو المسؤول عني الآن.
زفر عامر باستسلام، ثم ابتسم قائلًا:
- حسنًا... كما تشائين يا حبيبتي.
وضعت يدها على خدها وقد احمر وجهها خجلًا، ثم همست:
- حسنًا... سأغلق الآن، اعتنِ بنفسك، وأوصل سلامي لأمي نادية وأبي جمال.
أجابها بابتسامة دافئة وصلت إليها رغم بعد المسافة:
- بإذن الله... وأنتِ أيضًا اعتني بنفسك جيدًا. أستودعكِ الله.
ابتسمت وهي تهمس بمحبة:
- في أمان الله.
بعد أن أغلقت الاتصال، التفتت بيسان نحو غزل بملامح غاضبة غضبًا مصطنعًا، ثم اندفعت تركض خلفها وسط تعالي ضحكات أحلام ومروة.
وقبل أن تتمكن من الإمساك بها، ابتعدت غزل سريعًا وهي تستمع إلى رنين هاتفها، فأخذت نفسًا عميقًا ثم خاطبتها قائلة:
- أرجوكِ... انتظري قليلًا، ولا تقتربي.
ألقت بيسان عليها نظرة متوعّدة، بينما سارعت غزل للإجابة على الاتصال، خرج صوتها خافتًا للغاية، حتى كاد لا يُسمع، ولم يكن خفضه مصطنعًا، بل كان نابعًا من توترها الحقيقي:
- مرحبًا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!