حين يختار القلب طريقه
نظرت إليها بيسان لعدة دقائق، ثم التفتت نحو عمر عندما تحدث إليها:
- وافقي يا بيسان، لا تكسري فرحتها. انظري إليها كم هي سعيدة بالذهاب إلى هناك. إن وافقتِ سنذهب جميعًا غدًا، وإن رفضتِ فلن يستطيع أحد الذهاب.
وضعت مروة يدها على كتفها تشجعها:
- لقد وافقت على ذهابهم، ثم إن نيسان لم تشاهد الخيول من قبل على الطبيعة.
اقتربت غزل من بيسان وجلست بجانبها وهي تقبلها:
- أرجوكِ يا بيسان وافقي، أريد الذهاب ورؤية الخيول، حتى إنني أريد أن أشهد ولادة المهر الصغير.
نظرت بيسان إلى أختها التي كانت تبتسم بسعادة، فتنهدت بحزن ووضعت يدها على وجنتها بحنان:
- هل تريدين الذهاب حقًا؟
أومأت نيسان بحماس:
- أجل، أرجوكِ وافقي.
ترددت بيسان:
- وإن لم أوافق؟
انخفضت ابتسامة نيسان قليلًا، ثم أجابت بهدوء:
- لن أعاند أمي.
نظرت بيسان بعيدًا، وغرقت في أفكارها...
هل ستلتقي به غدًا؟
هل سيعود قلبها إلى النبض بجنون كما كان؟
وهل سيحاسبها الله لأنها أحبت شخصًا لم تستطع منع قلبها من الميل إليه؟
لكنها لم تكن تريد سوى سعادة أختها، فهذا هو الأهم.
استغفرت ربها، ثم نظرت إلى نيسان بعد تردد طويل:
- حسنًا... يمكننا الذهاب غدًا.
قفزت نيسان نحوها بسعادة، وأخذت تقبل وجهها كطفلة فرحة، بينما احتضنتها غزل من الخلف.
رفعت بيسان يدها محاولة إبعادها:
- لقد خنقتِني، ابتعدي قليلًا.
ابتعدت غزل وهي تضحك بسعادة:
- لقد وافقتِ! سوف نشاهد ولادة المهر الصغير.
ابتسمت بيسان رغم حزنها:
- هيا الآن اذهبي للنوم، حتى تكوني بكامل نشاطك غدًا.
احتضنتها نيسان وقبلت وجنتيها:
- شكرًا لكِ يا أمي، تصبحين من أهل الجنة.
نظرت إليها بيسان بحزن وهي تتذكر والدتها:
- وأنتِ من أهلها يا صغيرتي.
***____****____***
بعد أن ذهبت نيسان إلى غرفتها، بقي الجميع في مكانهم للحظات، وكأن السعادة التي غمرتها تركت أثرًا جميلًا في قلوبهم.
نظرت غزل إلى بيسان بمكر، وهي تحاول قراءة ملامحها:
- كيف وافقتِ بهذه السرعة؟ هيا اعترفي.
نظر عمر إليها باستغراب، وكأنه لا يزال غير مصدق موافقتها:
- حقًا يا بيسان، كيف وافقتِ؟ لقد كنا نظن أننا نحتاج إلى الليل كاملًا حتى نقنعك.
أراحت بيسان رأسها إلى الخلف، وأطلقت تنهيدة طويلة تحمل الكثير من التعب والحزن:
- لقد سمعتكم تتهامسون ونحن في الخارج، ثم سألت خالتي وأخبرتني بكل شيء. صحيح أنني لم أكن موافقة في البداية، لكنني نظرت إلى الأمر من زاوية أخرى... أريد سعادة نيسان، وهذا أهم شيء عندي.
أخرج عمر هاتفه وهو يبتسم:
- سوف أتصل به الآن وأخبره بموافقتنا.
نظرت إليه مروة بعد أن وضع الهاتف على أذنه:
- ما الأمر؟
نظر عمر إلى الشاشة باستغراب:
- لا يجيب.
انتبهت بيسان إلى حديثهم، فعقدت حاجبيها بقلق:
- هل لا يريد منا القدوم؟
سارعت غزل بضربها بخفة:
- اصمتي، لا بد أنه مشغول بالعمل. حاول مرة أخرى يا عمر.
كرر عمر الاتصال عدة مرات، لكن دون جدوى، فظل الهاتف يرن دون أن يجيب عامر.
نظر عمر إلى بيسان، ولاحظ الضيق الذي ظهر على ملامحها:
- سأرسل له رسالة أخبره فيها بقدومنا غدًا.
تنهدت بيسان بقلة حيلة:
- كما تشاء يا عمر.
ثم نهضت من مكانها:
- أنا ذاهبة للنوم، تصبحون على خير.
تحركت غزل بعدها وهي تتثاءب:
- وأنا أيضًا، تصبحون على خير.
ثم ركضت خلف بيسان قبل أن تغلق باب غرفتها، وبعد أن دخلت جلست بجانبها على السرير.
نظرت إليها غزل بفضول:
- أخبريني يا بيسان، ما الأمر؟
استلقت بيسان على السرير، ومدت يديها فوقه، وظلت تنظر إلى سقف الغرفة بشرود:
- لا أعلم يا غزل، لكن هناك شيئًا ما يخبرني بأن هناك أمرًا سيئًا سيحدث.
جلست غزل بجانبها، ووضعت يدها على شعرها بحنان:
- ماذا تقصدين؟
استدارت بيسان إليها، ورفعت كتفيها بعجز:
- لا أعلم... لكنني خائفة من الغد.
ابتسمت غزل محاولة طمأنتها:
- لا تقولي هكذا، سيكون الغد جميلًا جدًا. ثم إنك تحبين الخيول، أليس كذلك؟
نظرت بيسان أمامها بحزن، وكأن ذكرى قديمة مرت أمام عينيها:
- أجل، أحبها... إنها تذكرني بوالدي رحمه الله.
احتضنتها غزل بحنان:
- رحمه الله.
ثم ابتسمت محاولة تخفيف الأجواء:
- ما رأيك أن أستلقي بجانبك؟
نظرت إليها بيسان بطرف عينها:
- لا يا عزيزتي، فأنتِ تمارسين المصارعة أثناء نومك.
ضحكت غزل:
- سأكون مطيعة اليوم، صدقيني.
احتضنتها بيسان وهي تبتسم:
- كنت أمزح معك يا غزلي، هيا نامي.
قبلتها غزل بمشاكسة:
- وأنتِ نامي يا بيسو.
نظرت إليها بيسان بضيق مصطنع:
- هل ترينني قطة حتى تقولي بيسو؟ انهضي من جانبي... هيّا، قال بيسو قال.
التصقت بها غزل وهي تضحك:
- أنا أمزح معك، أعرف أنك لا تحبين هذا الاسم، لكنني أحب مناداتك به.
تنهدت بيسان باستسلام:
- أحبك الله في الدارين يا غزل، هيا اتركيني أنام.
أغلقت غزل عينيها وهي تبتسم:
- وأنا أريد أن أنام لأحلم بذلك الوسي...
لكنها لم تكمل جملتها، إذ ألقت بيسان الوسادة عليها بسرعة:
- قلت لكِ نامي دون أي حرف، وإلا أقسم بالله أنني سأخرجك من الغرفة.
أدارت غزل ظهرها لها وهي تضحك:
- فتاة آخر زمن... ليتني لم أربكِ وأكبركِ. حسنًا، سوف أنام.
نظرت إليها بيسان وهي تعطيها ظهرها، ثم اقتربت منها ببطء واحتضنتها:
- أجل، هكذا أفضل يا مربيتي.
***____****____***
***____****____***
كان عامر يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بتوتر واضح، وكأن الكلمات عالقة في حلقه ولا يستطيع إخراجها. وما إن دلف والده إلى المكتب حتى ابتلع ريقه بصعوبة، فقد شعر بأن لحظة المواجهة التي كان يخشاها قد حانت.
نظر جمال إلى ابنه، ولاحظ الارتباك الذي يملأ ملامحه، فتقدم وجلس أمامه، ثم أشار إليه بالجلوس بجانبه:
- اجلس يا بني، لماذا أنت واقف؟
جلس عامر بجواره، وبدأ يفرك رقبته بتوتر، محاولًا جمع شجاعته قبل أن يتحدث:
- أممم... أبي، أريد أن أخبرك بشيء، لكن أرجوك لا تقاطعني حتى أنهي كلامي.
عقد جمال حاجبيه باستغراب، لكنه أومأ له بالموافقة:
- حسنًا يا بني، أخبرني ما الأمر.
خفض عامر نظره إلى الأرض، يبحث عن بداية مناسبة لحديثه:
- لا أعلم كيف أبدأ، لكنني أرجو أن تتفهمني يا أبي... أنت تعلم أن القلب لا يستطيع أحد التحكم به، ولا يمكننا أن نجبر مشاعرنا على شيء لا نريده.
توقف للحظة، ثم تابع بصوت يحمل الكثير من التردد:
- ألم تكن تريد أن تفرح بي عندما ذهبت إلى أمريكا؟
نهض عامر من مكانه فجأة، وكأنه عجز عن إكمال حديثه وهو ينظر إليه، فأعطى والده ظهره وأطلق زفيرًا طويلًا محاولًا السيطرة على توتره:
- أريد أن أكمل نصف ديني.
نظر جمال إليه بسعادة كبيرة، ونهض من مكانه ليحتضنه بفرح:
- أحسنت يا بني... إن فداء فتاة جميلة وعلى أخلاق، وليست بفتاة غريبة.
ابتعد عامر عنه قليلًا، ونظر إليه بتردد:
- لا يا أبي... إنها ليست فداء.
تلاشت الابتسامة عن وجه جمال تدريجيًا، وكأن شيئًا لم يكن يتوقعه قد حدث، فأسرع عامر بالحديث قبل أن يسيطر الغضب على الموقف:
- أبي، أرجوك لا تجبرني على شيء قد أندم عليه لاحقًا. تفهم مشاعري... أنا أريد خطبة الآنسة بيسان، أنت تعرفها، هي التي أتت في المرة السابقة لزيارتكم في المشفى.
ضرب جمال سطح المكتب بيده، وارتفع صوته بانفعال:
- لا، لست موافقًا.
نظر عامر إليه بحزن، محاولًا التمسك بقراره:
- أرجوك يا أبي، لا تجبرني على شيء لا أريده... أنا أريدها هي.
رفع جمال حاجبيه باستنكار:
- ولماذا هي بالذات؟
لمعت عينا عامر بالكثير من المشاعر، ووضع يده على صدره مشيرًا إلى قلبه:
- لا أعلم يا أبي... صدقني لا أعلم لماذا هي بالذات، لكن هذا اختارها.
جلس جمال واضعًا قدمًا فوق الأخرى، محاولًا فهم الأمر أكثر:
- هل تحدثت معها من قبل؟
هز عامر رأسه نافيًا:
- لا، لم أتحدث معها أبدًا، سوى عندما كنت أسأل عن صحة أختها الصغيرة.
نظر جمال إليه بنظرة تحمل شيئًا من القلق، لكنه حاول إخفاء انفعاله:
- هل سألت عنها يا بني؟
التفت عامر نحوه وأجابه بثبات:
- لا، لم أسأل. إن أعطيتني الموافقة سوف أسأل، لكنني لست محتاجًا إلى السؤال عنها حتى أعرف ما أريده.
رفع جمال حاجبه الأيمن باستغراب:
- هل أنت واثق بها إلى هذه الدرجة؟
نظر إليه عامر باستفهام:
- ماذا تقصد يا أبي؟
تغيرت ملامح جمال قليلًا، ثم تحدث بنبرة مليئة بالشك:
- لا أعلم... لكن من يجلس بجانب ابن خالتها ويلامسها، ماذا يعني ذلك؟
ساد الصمت بينهما للحظات، وشعر عامر بثقل السؤال فوق قلبه.
هل ما توصل إليه هو وآدم صحيح؟
وهل سيكون قادرًا على إقناع والده؟
إن لم يرد عليه الآن، فلن يقتنع جمال بأي شيء آخر.
استعان بالله في داخله، وتمنى أن يكون الأمر الذي سيخبره به صحيحًا، ثم نظر إلى والده بثبات حاول أن يخفي خلفه قلقه:
- إنه أخوها بالرضاعة.
أومأ جمال برأسه قليلًا وهو يفكر، ثم رفع عينيه إليه:
- إنني...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!