حين يصبح الخوف اعترافًا
في ذلك الوقت، وقبل ساعات قليلة...
كان عمر قد وصل إلى مركز الشرطة مسرعًا، يحمل في داخله خوفًا لا يستطيع إخفاءه، أخبر الضابط بكل ما حدث، وقد ساعده تسجيل المكالمة بينه وبين بيسان على إثبات صحة كلامه.
استمع الضابط للتسجيل باهتمام، وما إن انتهى حتى وقف بسرعة، وأصدر أوامره بتجهيز القوة للتحرك، كان عمر على وشك المغادرة، لكنه توقف عندما رأى الضابط يطلب من شقيقته العودة إلى المنزل.
اعترضت هي بإصرار، وأكدت أنها ستذهب معهم، فحاول رفض الأمر في البداية، لكنه اضطر في النهاية إلى الموافقة اختصارًا للوقت.
تحركوا جميعًا بسرعة، بينما كان القلق ينهش قلب عمر، وفي منتصف الطريق، ارتفع رنين هاتفه، نظر إلى الشاشة، ليجد غزل تتصل به، أجابها، ليستمع إلى صوتها المرتجف بالخوف:
- ماذا فعلت يا عمر؟ وما الذي حدث بالتفصيل؟ هل بيسان بخير؟
أخذ عمر نفسًا عميقًا، ثم نظر من نافذة السيارة إلى الطريق أمامه، وقال بصوت يحمل القلق:
- لا أعلم يا غزل... لكن بيسان وعامر، وأيضًا آدم، في ورطة كبيرة.
ما إن سمعت غزل كلماته حتى بدأت دموعها بالانهمار، لكنها حاولت التمسك بالأمل:
- هل ستكون بيسان والبقية بخير؟
نظر عمر إلى الضابط الجالس أمامه، ثم أجاب وهو يدعو الله في داخله:
- أرجو ذلك... أخبري أمي أن تهدأ، سيكون كل شيء بخير.
مسحت غزل دموعها، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت جرس الباب، اقتربت من والدتها بخوف، ثم همست لعمر:
- عمر... هناك أحد يقرع الباب.
تحدث عمر بهدوء رغم توتره:
- اذهبي وانظري من الطارق، لكن لا تصدري أي صوت.
تدخلت شقيقة الضابط بعدما استمعت إلى المكالمة، ونبهتها:
- أخبرها أن تغلق أنوار البيت أولًا، ثم تنظر من الطارق.
التفت عمر إليها، وعندما انتبه إلى هويتها اتسعت عيناه بدهشة، لقد عرفها.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد مرور وقت قصير، توقفت سيارات الشرطة بالقرب من المكان المحدد، ترجل الضابط سامي، ومن خلفه عمر، بينما انتشر رجال الشرطة حول الموقع، وبدأت مجموعة منهم بالتقدم بحذر إلى الداخل بعد تفقد المكان جيدًا.
ما إن لمح عمر سيارة عامر حتى أسرع إليها، توقف أمامها بقلق، ولاحظ أن زجاج النافذة محطم، انحنى ينظر إلى الداخل، لكنه وجدها فارغة.
بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه، خاصة عندما رأى آثار الدماء. اقترب منه الضابط سامي ووضع يده على كتفه مستفسرًا:
- ما الأمر؟ هل هناك خطب ما؟
نظر عمر إليه باضطراب، وأشار إلى السيارة:
- هذه سيارة عامر... أخبرتني بيسان أنها كانت محتجزة بداخلها، لكنها غير موجودة الآن، وانظر... هناك دماء هنا.
تفحص سامي السيارة بعناية، ثم انحنى ليأخذ بطاقة الذاكرة التي سقطت من بيسان، تفحصها للحظات، ثم ربت على كتف عمر مطمئنًا:
- لا تقلق... لا بد أن هذه الدماء من جروحها، لو كانت العصابة قد عثرت عليها، لما كسروا الزجاج بهذه الطريقة، فلديهم أساليب أخرى.
ثم أكمل وهو ينظر إلى السيارة:
- يبدو أنها هي من كسرت الزجاج وخرجت.
تنفس عمر قليلًا براحة، لكنه ظل قلقًا، وبعد دقائق، اقترب أحد أفراد الشرطة منهم.
تحدث باحترام:
- سيدي... لا يوجد أحد في الداخل.
انعقد حاجبا سامي باستغراب:
- كيف لا يوجد أحد؟
أجابه الشرطي:
- بحثنا جيدًا، ولا يوجد لهم أثر، يبدو أنهم غادروا من الباب الخلفي، لكننا وجدنا هذه.
مد يده بالشريط الذي كان يحمله، وما إن رآه عمر حتى اتسعت عيناه، أمسكه بسرعة وهو يهمس بخوف:
- هذا شريط يد بيسان... لقد أمسكوا بها أيضًا.
أخذ سامي نفسًا عميقًا، ثم بدأ يتفحص المكان بعينيه بدقة، توجه نحو السيارة مرة أخرى، وأخرج هاتف عامر، عبث به قليلًا، ثم ضرب مقدمة السيارة بغضب، نظر إليه عمر بتساؤل:
- ماذا هناك؟
أجابه سامي بانفعال:
- هناك خط تصنت على هاتف عامر... لا بد أنهم استمعوا إلى المكالمة التي وصلت إليك.
ثم التفت إلى رجال الشرطة وأصدر أوامره:
- اجمعوا كل شيء موجود هنا، وأحضروه إلى القسم.
ثم وجه حديثه إلى شرطي آخر:
- وأنت... اجمع باقي الدوريات، سنتبعهم.
صعد سامي إلى السيارة، بينما اقتربت هبة بفضول وسألت:
- ماذا؟ هل قبضتم عليهم؟
نظر إليها سامي بجدية:
- لا... لم نقبض عليهم بعد، لكنني سأعرف أين هم.
تدخل عمر قائلًا:
- لكن أوصل الآنسة هبة، لقد حل الليل.
اعترضت هبة بضيق:
- لا أريد الذهاب إلى البيت.
كان سامي منشغلًا بالتفكير في كيفية الوصول إلى هذه الشبكة بأسرع وقت، لذلك لم يهتم لاعتراضها.
نظر إليها بحزم:
- سوف أوصلك إلى البيت الآن، ولا أريد أي اعتراض.
تأففت هبة بضجر، ثم نظرت إلى عمر الذي بدا وكأنه غارق في عالم آخر، اختلست النظر إلى ملامحه التي كانت تحفظها جيدًا، لكنها أسرعت بإبعاد عينيها عندما انتبهت إلى صوت سامي:
- هيا، اصعدي للبيت، ولا تتأففي مرة أخرى.
-««::::::::::::::-:::::::::::::»»-
في منزل نيسان...
كانت أحلام تجلس أمام مروة وغزل، تلاحظ الخوف الواضح على وجهيهما، نظرت إلى مروة باستغراب وسألت:
- ما الأمر يا مروة؟ هل عمر بخير؟
ابتسمت مروة بتوتر، محاولة إخفاء قلقها:
- أجل... إنه بخير. ماذا تشربين؟
هزت أحلام رأسها بحزن:
- لا أريد شيئًا يا مروة... جئت فقط لأجلس في غرفة نيسان.
وقفت مروة، ثم أشارت إليها أن تتبعها:
- تعالي معي.
توقفت أحلام للحظة أمام غرفة نيسان، وكأن قدميها لا تقويان على التقدم، ثم نظرت إلى مروة عندما أشارت لها:
- هذه غرفة نيسان... وهذه التي بجانبها غرفة بيسان.
دخلت أحلام بخطوات مترددة، كانت صور نيسان تملأ المكان، وكأنها ما زالت تعيش بين جدرانه.
جلست على السرير، وأمسكت صورة بجانبها، لتتساقط دموعها بصمت. ثم همست بألم:
- أنا آسفة يا نيسان... لا أستطيع أن ألقب نفسي أمًا، ولا أن أقول ابنتي. لقد حرمتك من حنان الأم، وكنت أراك عبئًا عليّ.
احتضنت الصورة بين يديها، وأكملت بصوت مرتجف:
- أعلم أن الندم بعد فوات الأوان لا يعيد شيئًا... لكنني اشتقت إليكِ.
سكتت قليلًا، ثم ابتسمت بحزن:
- كنت ما زلت أحمل بعض مشاعر الأمومة بداخلي، لكنني كنت أكابر وأعاند.
انخفض صوتها أكثر:
- هل تعلمين سرًا صغيرًا يا صغيرتي؟ لم أكن أحب والدك أحمد... كان يعمل دائمًا ولم أشعر باهتمامه بي، أو ربما كنت أشعر بذلك لأنني لم أكن أحبه.
نزلت دموعها وهي تكمل:
- لكن انظري... تزوجت شريف، وهو أيضًا يعمل باستمرار، ومع ذلك أحببته.
شدت الصورة إلى صدرها:
- لو أخبرت بيسان بهذا لانفجرت بي غاضبة، فهي تعشق والدك حبيبتي.
قبلت الصورة بحب وندم، ثم أغمضت عينيها وهي تتمتم:
- أعلم أنك غاضبة مني... لكنك ارتحت من أم لم تعرف كيف تمنحك الحنان.
ثم وضعت الصورة بجانبها وهي تهمس:
- عيشي بسلام مع والدك... وأوصلي له تحياتي.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في الجهة الأخرى...
كانت بيسان تجلس في زاوية الغرفة، تضُم ساقيها إلى صدرها، بينما كانت دموعها تنهمر بصمتٍ لا يتوقف، كانت تشعر وكأن الوقت توقف عند تلك اللحظة التي فقدت فيها كل إحساس بالأمان.
نظرت إلى آثار الأذى التي ظهرت على جسدها بسبب مقاومتها ومحاولاتها المستمرة للابتعاد عن الفتاتين اللتين قامتا بتجهيزها، ثم مسحت دموعها بأطراف أصابعها، وهي تهمس بصوت مكسور:
- أين أنت يا عامر؟... أرجوك تعال وأنقذني، أقسم لك أنني سامحتك، فقط تعال إلى هنا.
أغمضت عينيها للحظة، تحاول التمسك بأي أمل، لكن خوفها كان أكبر من قدرتها على التحمل، كانت لا تفكر سوى به....هل هو بخير؟ هل أصابه مكروه؟ هل استطاع الخروج؟
وقبل أن تجد إجابة لأي سؤال ينهش قلبها، سمعت صوت فتح الباب، انتفض جسدها بخوف، ورفعت عينيها نحو الباب، دخلت إحدى الفتيات بخطوات هادئة، تحمل بعض الأشياء، ثم اقتربت منها.
انكمشت بيسان على نفسها أكثر، فحاولت الفتاة طمأنتها:
- لا تقلقي يا جميلة... ستكونين الآن بخير بين يدي الزعيم.
ارتجف صوت بيسان وهي تبكي:
- أرجوكِ... أنا لا أريد هذا، أقسم لكِ أنني لم أفعل شيئًا.
وضعت الفتاة الطعام على الطاولة، ثم نظرت إليها بنظرة تحمل الشفقة والسخرية في آنٍ واحد، قبل أن تضحك بخفة:
- يا لكِ من مسكينة... الزعيم إذا أراد شيئًا يحصل عليه. تناولي هذا أولًا.
هزت بيسان رأسها برفض، وازدادت دموعها:
- أرجوكِ... ساعديني.
نظرت إليها الفتاة بقلة اهتمام، ثم أغلقت الباب خلفها وغادرت، وما إن اختفت خطواتها حتى انفجرت بيسان بالبكاء، رفعت يديها تدعو الله بقلب مرتجف أن يصل إليها عامر.
كانت لا تزال ترى صورته أمامها عندما سقط مغشيًا عليه، ولم تستطع طرد الخوف من عقلها، هل هو حي! هل تألم بسببها؟ هل نجا؟
وفجأة... قطع صمت الغرفة صوت إطلاق نار في الخارج، توقفت دموعها للحظة، وارتجف جسدها، يبدو أن اشتباكًا قد بدأ.
جلست في زاوية الغرفة، وضمت نفسها وهي تضع يديها فوق أذنيها محاولة حجب أصوات الرصاص، مرت دقائق طويلة كأنها ساعات، ثم بدأ كل شيء يهدأ تدريجيًا.
أبعدت يديها ببطء، وأخذت تستمع بحذر....ساد الصمت....لكن قلبها لم يهدأ، وفجأة...
انفتح الباب، رفعت بيسان يدها إلى فمها تكتم شهقتها، ونظرت نحو الشخص الذي دخل.
وفي لحظة واحدة...توقفت أنفاسها، اتسعت عيناها، وارتسمت ابتسامة ممزوجة بالدموع على وجهها، كان عامر يقف أمامها، كان التعب واضحًا على ملامحه، والدماء تلطخ ملابسه، لكنه كان هناك.
وصل إليها، نظر إليها عامر بصدمة مؤلمة عندما رأى حالتها، الفستان القصير الذي ترتديه، آثار التعب والخوف، والجروح التي ظهرت على وجهها ويديها...
كل شيء داخله اشتعل غضبًا وألمًا، اقترب منها بسرعة، وخلع قميصه ووضعه عليها ليغطيها، ثم تحدث بصوت هادئ رغم الانهيار الذي يشعر به:
- بيسان... أعلمي أن كل ما حدث لم يؤثر في حبي لكِ.
رفعت بيسان عينيها إليه، لكنها لم تستطع التركيز على كلماته، فقد رأت الدماء التي تسيل من صدره، تغيرت ملامحها إلى الخوف، واقتربت منه وهي تبكي:
- عامر... أرجوك لا تتحدث.
ابتسم عامر ابتسامة ضعيفة، لكنه فقد توازنه للحظة، أسرعت بيسان بإسناده، حتى جلس على الأرض، نظر إليها عامر بحب كبير، وكأنه يحاول حفظ ملامحها في ذاكرته، ثم تحدث بصعوبة:
- لقد وعدتكِ أنني سأوصلكِ إلى البيت... لكنني أخلفت وعدي.
اهتز صوتها وهي تحاول منعه من الكلام:
- عامر... أرجوك لا تتحدث.
حاول أخذ نفس عميق، ثم تابع بصوت متقطع:
- هل أستطيع أن أطلب منكِ طلبًا؟
نظرت إليه بدموعها، فأكمل:
- أعلم أنكِ لن توافقي عليه... وأعلم أنه خطأ كبير سنحاسب عليه، لكن اعتبريه آخر طلب لي.
أومأت بيسان وهي تبكي، وكأنها لا تستطيع رفض أي شيء يطلبه، نظر إليها عامر برجاء:
- عانقيني يا بيسان... ليكن هذا آخر طلب لي، حتى وإن لم تسامحيني.
ترددت للحظات، رفعت عينيها إلى السماء، تستغفر ربها بقلب مضطرب، ثم اقتربت منه، احتضنته خوفًا من فقدانه، وفي تلك اللحظة شعرت بدموعه تسقط على كتفها.
خرج صوتها صادقًا من أعماق قلبها:
- عامر... لقد سامحتك، أقسم لك أنني سامحتك.
فتحت عينيها على اتساعهما عندما شعرت بثقله عليها، ابتعدت عنه قليلًا، ونظرت إليه بفزع:
- عامر... أرجوك قل شيئًا.
ثم بدأت كلماتها تخرج بتخبط وهي تهزه برفق:
- انظر إليّ يا عامر... أنا أحبك منذ زمن، ولقد سامحتك على كل شيء.
نظرت إلى الدماء التي غطت جسده وجسدها، وبدأ الخوف ينهش قلبها، هزته مرة أخرى وهي تبكي:
- عامر... أرجوك استيقظ، أعلم أنك تمزح، أليس كذلك؟ هيا انهض... لا تفعل هذا بي.
انفجرت بالبكاء، وضمت وجهه بين يديها:
- عامر... لقد اعترفت لك بحبي.
ارتجف صوتها أكثر:
- هيا قف أرجوك... لا تتركني.
وضعت رأسها على صدره، تبحث عن أي علامة تطمئنها، ثم همست بصوت ضعيف:
- إنني أحبك...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!