دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 14 من 19
وضع القراءة:

سؤال محير

أما بيسان، فلم تستطع التفوه بحرف، إذ تسارعت نبضات قلبها بصورةٍ ملحوظة، لوح عمر بكفه أمام وجهها محاولًا إعادتها إلى الواقع:
- بيسان...! أين ذهبتِ؟
وفي تلك اللحظة، كانت غزل قد أنهت عملها، فاتجهت نحوهما وجلست بجوار بيسان، وقد التقطت آخر ما دار بينهما، لوحت بيدها أمام وجهها هي الأخرى:
- من الفضاء إلى الأرض يا بيسان... هل تسمعيننا؟
ولما لم تتلقَّ أي استجابة، مدت يدها وقرصتها بقوة، شهقت بيسان وهي تنتفض من مكانها:
- آآه! ما الذي تفعلينه أيتها المعتوهة؟! لقد آلمتني!
ضحكت غزل وهي تهز كتفيها:
- الحمد لله... عدتِ إلينا أخيرًا، فمنذ دقائق ونحن نتحدث معك وأنتِ في عالمٍ آخر.
تنحنحت بيسان بخفة، ثم التفتت نحو عمر من جديد، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ لا تبشر بخير:
- أعد ما قلته قبل قليل... أيها القائد.
ثم تداركت نفسها بسرعة وهي ترفع حاجبها:
- أقصد... يا عمر العزيز.
تجمد عمر في مكانه، ثم أطلق ضحكةً متوترة وهو يشيح ببصره عنها'
- أنا؟! لم أقل شيئًا... لا أتذكر أنني تحدثت أصلًا.
مالت بجسدها إلى الأمام، وأخذت تنظر إليه بثبات:
- حقًا؟
ثم نهضت ببطء من مكانها:
- لا بأس... سأساعدك على التذكر بنفسي.
ما إن لمح عمر تلك النظرة حتى نهض مذعورًا، وابتعد عدة خطوات إلى الخلف:
- بيسان... اهدئي! أقسم لكِ أنني أخوكِ!
واصلت التقدم نحوه بخطواتٍ بطيئة، بينما كانت عيناه تبحثان عن أي طريقٍ للهروب:
- رائع... شكرًا على هذه المعلومة الجديدة.
ثم أشارت بإصبعها نحوه:
- والآن... قف مكانك.
تلفت حوله بسرعة، فوقعت عيناه على قطعة التحف الأثرية التي أمسكتها بيسان بين يديها، اتسعت عيناه بفزع، ولوح بكلتا يديه'
- لحظة... أولًا ضعي تلك الأنتيكة جانبًا، ثم نتفاهم.
أنزلت بيسان بصرها إلى القطعة التي تحملها، ثم أعادت النظر إليه بابتسامةٍ هادئة جعلته يزداد خوفًا:
- حسنًا... كما تريد.
وضعتها برفق فوق الطاولة، ثم صفقت بيديها وهي تبتسم:
- ها قد وضعتها... والآن، قف مكانك.
رفع عمر يديه مستسلمًا، ثم أطلق زفرةً طويلة:
- حسنًا... استسلمت.
صمت لحظة، ثم اقترب منها بخطواتٍ حذرة:
- لكن... أرجوكِ لا تغضبي، فأقسم بالله أنني لم أرد أن أزرع فيها أملًا كاذبًا.
اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وجلست على الأريكة، بينما انخفض بصرها إلى الأرض:
- لا أريدها أن تتعلق بوهمٍ يا عمر...
خرجت كلماتها بصعوبة، ثم أكملت بصوتٍ خافت:
- لا أعلم إن كان ذلك الطبيب جيدًا فعلًا... ولا أريدها أن تنكسر إن خاب أملها.
جلس عمر بجوارها، وقد تبدلت ملامحه إلى الجدية:
- من وجهة نظري... فهو طبيبٌ ممتاز.
توقف لحظة ثم أكمل:
- بحثت عنه منذ الصباح، ولم أجد أي ملاحظةٍ سيئة بحقه، بل على العكس... الجميع يشهد له بالكفاءة.
ارتجفت شفتا بيسان، ولم تستطع منع دموعها من الانهمار:
- لو أنني استطعت جمع مبلغ العملية كاملًا... لما احتجنا إلى مساعدة أحد.
أحنى عمر رأسه بحزن، ثم سألها بهدوء'
- ألم يتبقَّ سوى القليل؟ كم بقي؟
مسحت دموعها بطرف كفها، ثم أجابت بصوتٍ متعب:
- بقي الربع الأخير فقط.
عقد حاجبيه بدهشة وقد خرج صوته مصدومًا:
- ماذا؟! ألم تخبريني أن المتبقي هو النصف؟
أغمضت عينيها بألم، ثم تنهدت:
- كان كذلك...
توقفت لحظة قبل أن تهمس:
- لكنني اضطررت إلى صرف جزءٍ منه أثناء سفري... لم يكن لدي خيارٌ آخر.
لم يجد عمر ما يقوله، فاكتفى بضمها إليه برفق، وربت على كتفها محاولًا تهدئتها:
- لا تبكي... بإذن الله سنجمعه، ولن أتركك تواجهين هذا وحدك.
لم يكد عمر ينهي كلماته، حتى اندفعت غزل نحوهما مسرعة، وهي تلوح بهاتفها في الهواء، وقد ارتسمت على وجهها ملامح الفرح:
- خرجوا... أقسم لكم أنهم خرجوا! انظروا بسرعة!
مسحت بيسان دموعها على عجل، ثم التفتت إليها بعدم فهم:
- من تقصدين؟
ناولت غزل الهاتف لعمر وهي تكاد تقفز من شدة حماسها، تناول الهاتف سريعًا، وما إن وقعت عيناه على الخبر حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه:
- لقد أُثبتت براءة الطبيبين عامر وآدم... وقد خرجا صباح اليوم.
أغمضت بيسان عينيها براحة، ثم رفعت رأسها نحو السماء هامسةً بحمد الله:
- الحمد لله...
لم يطل صمتها، إذ نهض عمر متجهًا نحو غرفة نيسان:
- سأذهب لأخبرها، ستفرح كثيرًا.
لكن قبل أن يبتعد، أوقفته بيسان بصوتٍ جاد:
- عمر... انتظر.
توقف عن السرر ثم التفت إليها باستغراب:
- نعم؟
اقتربت منه خطوة، ثم نظرت إليه برجاء:
- أرجوك... لا تخبرها، ولا تذهبوا لزيارته... من أجلي.
انعقد حاجباه بحيرة يسألها:
- ولماذا؟
خفضت بصرها إلى الأرض، ثم زفرت بهدوء:
- أخشى أن تتعلق به أكثر... وإذا لم يستطع مساعدتها فستنكسر مرةً أخرى، وأنا لا أريد أن أرى ذلك.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يأتي صوت مروة من خلفهم، بعدما أغلقت المصحف الذي كان بين يديها:
- ما الذي يحدث هنا؟
استدار الجميع نحوها، اقترب منها عمر، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
- لا شيء يا أمي... فقط خرج الطبيبان عامر وآدم بعد أن ظهرت براءتهما.
أشرقت ملامحها، ورفعت كفيها إلى السماء:
- الحمد لله... كنت أعلم أن الله لن يضيع حق أناسٍ طيبين مثلهم.
رمقت غزل بيسان بطرف عينها، ثم ارتسمت على ثغرها ابتسامة ماكرة:
- فعلًا يا أمي... وخصوصًا أن الطبيب عامر...
وقبل أن تكمل جملتها، سارعت بيسان بالإمساك بيدها:
- غزل... تعالي معي قليلًا، أريد أن أريك شيئًا.
نظرت إليها غزل باستغراب:
- الآن؟ ماذا هناك؟
لم تمنحها فرصةً للاعتراض، بل سحبتها خلفها حتى دخلتا الغرفة، ثم أغلقت الباب، ما إن ابتعدتا عن الجميع، حتى قرصت بيسان ذراعها بخفة، شهقت غزل وهي تفرك مكان القرصة:
- يا مجنونة! لماذا فعلتِ ذلك؟
وضعت بيسان يديها على خصرها، ثم حدجتها بنظرةٍ عاتبة:
- كدتِ توقعيننا في أسئلةٍ لا أملك لها جوابًا.
ضحكت غزل وهي تجلس على طرف السرير:
- فهمت... فهمت.
ثم مالت نحوها قليلًا تهمس بجدية:
- لكن برأيي... أخبري نيسان، فمن حقها أن تعرف.
هزت بيسان رأسها بالنفي:
- لا... إن علمت ستصر على الذهاب إليه، وأنا لا أريد ذلك.
تنهدت غزل، ثم نهضت متجهة نحو الباب:
- افعلي ما تشائين... لكن لا تلوميها إن غضبت منك.
وما إن أمسكت بمقبض الباب حتى فُتح فجأة، وانطلقت نيسان إلى الداخل كالإعصار الصغير، وهي تقفز من شدة السعادة:
- أختي! أختي! لقد خرج الطبيب عامر!
تجمدت بيسان في مكانها، وحدقت بها بدهشة:
- ماذا؟! كيف عرفتِ؟
ابتسمت نيسان ابتسامة واسعة:
- خالتي أخبرتني.
ثم أمسكت بيدي أختها بكلتا يديها، ونظرت إليها بعينين تلمعان بالأمل:
- أرجوكِ... دعينا نذهب لزيارته.
تنهدت بيسان، ثم سحبت يديها برفق:
- لا يا نيسان... لن نذهب، وهذا قراري.
اختفت الابتسامة عن وجه الصغيرة، وانخفض رأسها بحزن:
- لكن... عمر وعدني أننا سنذهب.
اقتربت بيسان منها، وربتت على شعرها بحنان:
- أعلم يا صغيرتي... لكن هذا أفضل.
رفعت نيسان رأسها، وكانت الدموع قد بدأت تتجمع في عينيها:
- أرجوكِ...
توقفت لحظة، ثم أضافت بملامح حزينة، بينما ارتجفت يداها وهي تشير لها:
- سأعمل في أي مكان... سأساعدك في جمع مبلغ عمليتي... فقط اسمحي لي أن أراه.
بمجرد سماع تلك الكلمات، شعرت بيسان وكأن شيئًا اعتصر قلبها، احتضنت شقيقتها بقوة، بينما انهمرت دموعها رغماً عنها، أما غزل، فاكتفت بإدارة وجهها حتى تخفي دموعها هي الأخرى.
ابتعدت بيسان قليلًا، ثم أمسكت وجه نيسان بين كفيها:
- اسمعيني جيدًا...
انتظرت حتى التقت عينا الصغيرة بعينيها.
- لا أريد أن أسمع منك حديثًا عن مبلغ العملية مرةً أخرى... هل فهمتِ؟
أومأت نيسان بطاعة:
- فهمت... لكن لا تبكي.
ابتسمت بيسان رغم غصة قلبها، ومسحت دموعها بسرعة:
- ومن قال إنني أبكي؟
ثم قرصت خدها بخفة:
- ما دمتِ بجانبي... فلن يبكيني شيء.
توقفت لحظة، قبل أن تستسلم أخيرًا:
- حسنًا... سنذهب لزيارته.
شهقت نيسان بفرحة، ثم قفزت تعانقها بقوة:
- تعيش أختي... تعيش!
ضحكت غزل وهي تغادر الغرفة.
- سأذهب لأخبر عمر حتى يجهز السيارة... وبالمناسبة، أنا قادمة معكم أيضًا.
****____****____****
في المساء...
وبعد يومٍ طويلٍ أنهكه جسديًا ونفسيًا، أنهى عامر الكشف على آخر مريض في عيادته الخاصة، ثم أغلق ملفه، وأدى صلاة المغرب بخشوعٍ طويل، وكأنه يناجي ربه أن يربط على قلبه ويعينه على ما هو مقبل عليه.
تنهد بهدوء، ثم اتجه بخطواتٍ ثابتة نحو الغرفة التي يرقد فيها والداه، ما إن فتح الباب حتى ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ دافئة.
اقترب منهما، ثم جلس على الكرسي المقابل لسريريهما، متنقلًا بنظره بينهما باهتمام:
- ها... ما الأخبار؟ كيف تشعران الآن؟
زفرت نادية بضيقٍ وهي تعدل من جلستها على السرير:
- أخبرني أولًا... متى سنخرج من هنا؟ لقد مللت من رائحة المشافي.
ابتسم عامر بخفة، ثم مال نحوها يربت على يدها بحنان:
- أفديكِ يا أمي الجميلة... بضعة أيامٍ فقط، حتى نطمئن على جرح رأسك، وبعدها سأخرجك بنفسي.
لم تمر كلماته مرور الكرام على جمال، أدار رأسه نحوه، ثم عقد حاجبيه متصنعًا الانزعاج:
- تحدّث مع والدتك باحترام يا ولد.
رمقه عامر باستغراب، ثم اتسعت عيناه:
- ماذا قلتُ حتى أغضبتك يا أبي؟
قلده جمال بطريقةٍ مضحكة، مغيرًا نبرة صوته:
- "أفديكِ يا أمي الجميلة."
وما إن أنهى تقليده حتى انفجرت نادية ضاحكة، حتى اضطرت إلى وضع يدها على رأسها من شدة الضحك:
- جمال... هل تغار من ابنك؟! يبدو أنك عدت شابًا من جديد.
نظر عامر إلى والده، ثم إلى والدته، قبل أن يفتح فمه بدهشةٍ مصطنعة:
- لحظة... هل يغار مني فعلًا؟
أشاح جمال بوجهه عنهما، متظاهرًا بعدم الاكتراث:
- اخفضا صوتكما... أريد أن أرتاح قليلًا.
ازدادت ضحكات نادية، ثم مالت نحوه برقة:
- هل زعل جمالي؟
وكأن جمال كان ينتظر هذه الجملة، استدار إليها بسرعة، وقد اختفت ملامح الضيق من وجهه تمامًا:
- لا والله... وكيف أزعل من عيون جمالي؟
فتح عامر فمه بصدمة، ثم رفع كفيه مستسلمًا:
- لا... لا... أنا سأخرج.
نهض من مكانه وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
- هل ستبدآن بقصة الحب هنا أيضًا؟ أم أنكما قررتما إعادة أيام الشباب داخل المشفى؟
أشار إليه جمال بيده وهو يحاول كتم ابتسامته:
- اخرج من هنا يا ولد... واتركنا نعيش ما تبقى من عمرنا بسلام.
ضحكت نادية بصوتٍ عالٍ، بينما انفجر عامر بالضحك هو الآخر، وقبل أن يرد عليه، دوى طرقٌ خفيف على الباب.
التفتت الأنظار نحوه، وما هي إلا لحظات حتى أطلت رأس آدم من خلف الباب، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة:
- هل أنتم هنا؟
رفع عامر حاجبه ساخرًا، ثم أشار بيده إلى الغرفة:
- لا... هناك في الممر، تفضل.
أطلق آدم ضحكةً خافتة، ثم دلف إلى الداخل، واتجه مباشرةً نحو جمال ونادية، انحنى يقبل يديهما باحترام:
- كيف حالك يا عمي؟ كيف أصبحتِ يا خالتي؟
ابتسم جمال وهو يربت على كتفه:
- بخير يا بني... الحمد لله.
ثم أشار بعينيه نحو عامر:
- خذه معك إلى العمل، يبدو أنه بدأ يزعجنا.
ابتسم عامر بمكر، ثم شبك ذراعيه أمام صدره:
- لا... لقد جاء ليطمئن عليكما، أليس كذلك يا آدم؟
وقبل أن يجيب، تنحنح آدم بخفة، ثم نقل بصره إلى عامر:
- في الحقيقة... هناك أشخاص جاءوا لزيارتك.
أشرق وجه جمال على الفور:
- إذًا اذهب إليهم يا بني، لا تجعلهم ينتظرون.
لكن عامر هز رأسه برفض قاطع وقد قرر ان يشاكس والده:
- أحضرهم إلى هنا.
رفع آدم حاجبيه بدهشة حقيقية:
- لا أظن أن ذلك مناسب... إنهم ضيوف أكثر من كونهم مرضى.
انضمت نادية إلى زوجها، وهي تشير لعامر بيدها'
- اذهب يا بني... لا يصح أن ينتظروا.
لكن عامر بقي على عناده، ثم كرر بهدوء:
- أحضرهم إلى هنا يا آدم.
زفر آدم باستسلام، ثم ابتسم بقلة حيلة:
- كما تريد.
استدار آدم نحو الباب، ثم غادر الغرفة بخطواتٍ هادئة، ساد الصمت لثوانٍ معدودة، لم يُكسره سوى صوت أجهزة المراقبة الطبية، بينما كانت نادية تراقب ملامح ابنها بطرف عينها، وكأنها تشعر أن شيئًا ما ينتظره خلف ذلك الباب.
ولم تمضِ سوى دقائق قليلة، حتى عاد آدم من جديد، لكن هذه المرة... لم يكن وحده.
تقدمت طفلةٌ صغيرة بخطواتٍ مترددة، تتبعها شابة تحمل باقةً من الزهور، وأخرى تحمل علبةً من الحلوى، بينما كان شابٌ يسير خلفهن بهدوء بيده عدة حقائب بلاستيكية ويبدو انّ ما بداخلهم فاكهة.
وما إن وقعت عينا عامر على الصغيرة، حتى تبدلت ملامحه بالكامل، واختفت كل آثار التعب التي كانت ترتسم على وجهه، انفرجت أساريره تلقائيًا، واتسعت ابتسامته وهو يفتح ذراعيه لها بلهفةٍ واضحة:
- نيسان!
تهللت أسارير الصغيرة، ثم ركضت نحوه بكل ما أوتيت من سرعة، لترتمي بين ذراعيه دون تردد، رفعها بين يديه بسهولة، وضمها إلى صدره بحنانٍ أبوي، قبل أن يقبل رأسها مراتٍ متتالية.
ثم رفع يديه يحادثها بلغة الإشارة التي اعتادتها منه:
- كيف حالكِ يا صغيرتي؟ هل أنتِ بخير؟
أجابته بالإشارة أولًا، وابتسامةٍ واسعة:
- أنا بخير... وسعيدة لأنك بخير.
داعب وجنتها بإصبعه، ثم ابتسم لها بمحبةٍ صادقة:
- وأنا أيضًا... لقد اشتقت إليكِ كثيرًا.
تنحنح عمر متعمدًا، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره بابتسامةٍ عريضة، انتبه عامر أخيرًا إلى بقية الواقفين،  حك مؤخرة رأسه بخجل:
- اعذروني جميعًا... لقد نسيت وجودكم من شدة فرحتي برؤية الصغيرة.
ثم أشار بيده نحو المقاعد:
- تفضلوا... يسعدني حضوركم.
لوح عمر بيده مبتسمًا يخفف الاجواء:
- لا عليك، بل أسعدنا أن نراك بخير... كدنا نظن أننا جئنا في وقتٍ غير مناسب.
لم يُجبه عامر مباشرة، فقد ارتفع بصره دون إرادةٍ ليستقر على بيسان.
كانت تقف بصمت، ممسكةً بباقة الزهور بكلتا يديها، بينما ترتسم على وجهها ابتسامةٌ خجولة زادتها رقة.
وفي تلك اللحظة...تسارعت نبضات قلبه بصورةٍ غريبة، أشاح بصره عنها سريعًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا استعادة رباطة جأشه.
تنحنح بخفة، قبل أن يتقدم خطوةً إلى الأمام:
- اسمحوا لي أن أعرفكم.
أشار أولًا نحو والده الجالس على السرير:
- هذا والدي... السيد جمال.
ثم اتجه بنظره إلى والدته مبتسمًا:
- وهذه والدتي... السيدة نادية.
بعدها نظر إلى الصغيرة التي ما زال يحملها بين يديه:
- وهذه بطلتنا الصغيرة... نيسان.
توقف لثوانٍ، وكأن الكلمات خانته عندما وصل إليها، رفع عينيه نحو بيسان، ثم سرعان ما خفضهما مرةً أخرى:
- وتلك... الآنسة بيسان شقيقتها.
ثم أشار نحو غزل:
- وهذه الآنسة غزل... ابنة خالتهم.
وتوقف مرةً أخرى، وقد نسي اسم عمر من شدة ارتباكه، ابتسم عمر وهو يمد يده نحوه منقذًا الموقف:
- عمر... أخو الآنسة غزل، وابن خالتهم.
صافحه عامر بابتسامةٍ خفيفة:
- تشرفت بمعرفتك.
لكن عينيه عادتا مرةً أخرى نحو بيسان دون أن يشعر،  ثم انتقلت عيناه إلى عمر الواقف بجوارها، تسللت فكرةٌ سريعة إلى ذهنه، ترى... هل هذا الشاب خطيبها؟ أم أنه زوجها؟
بينما بيسان كانت تحاول التظاهر بالهدوء، لكنها شعرت بنظراته أكثر من مرة، حتى إنها أصبحت تخشى أن ترفع رأسها فتلتقي عيناه بعينيها مجددًا.
وقبل أن يطيل التفكير، جاءه صوت نادية يقطع شرود الجميع:
- ما بك يا بني؟ أين ذهبت؟
انتبه عامر على الفور، ثم ابتسم بخفة بينما انزل نيسان ارضًا:
- لا شيء يا أمي.
في تلك الأثناء، مدت نادية يدها نحو نيسان بحنان:
- تعالي إليَّ يا جميلة.
نظرت نيسان إلى اليد الممدودة باستغراب، ثم التفتت نحو بيسان، ابتسمت لها الأخيرة، وربتت على كتفها برفق:
- الخالة تسألكِ كيف حالكِ.
ابتسمت نيسان بخجل، ثم صافحتها تشير بيديها:
- أنا بخير يا خالتي.
ربتت نادية على يدها بمحبة رغم انها لم تفهم شيء من اشارتها لكنها خمنت ما تقول:
- الحمد لله... حفظكِ الله يا صغيرتي.
أما جمال، فقد ظل يراقبهم بصمت، قبل أن يوجه حديثه نحو عامر:
- هل هؤلاء من مرضاك؟
هز عامر رأسه نافيًا:
- لا يا أبي... لقد جمعتني الصدفة بهذه الصغيرة على متن السفينة، وقدمت لها مساعدةً بسيطة، ومنذ ذلك اليوم أصبحنا أصدقاء.
انتقلت نظرات جمال إلى عمر، وقد بدت عليه علامات الفضول:
- إذًا... ما سبب زيارتكم الكريمة؟
تقدم عمر خطوةً إلى الأمام، وقدّم باقة الزهور وعلبة الحلوى إلى جمال بكل احترام، بينما وضع اكياس الفاكهة والعصير جانبًا:
- نعتذر عن مجيئنا دون موعد يا عمي، لكننا لم نعرف وسيلةً للوصول إلى الدكتور عامر إلا بالحضور إلى هنا.
ثم ابتسم بمحبة:
- حمدًا لله على سلامتكم ايضًا، ونسأل الله أن يمنّ عليكم بالشفاء العاجل، بصراحة لم نعلم ما حدث لكم الا من الطبيب آدم، كنا قد جئنا لزيارتهم لكننا فوجئنا بما حدث لكم.
ثم أردف وهو ينظر إلى عامر وآدم:
- وحمدًا لله على سلامتكم أنتما أيضًا، لقد أصرت نيسان على زيارتكم بمجرد انها رأت خبر الافراج عنكم
ابتسم آدم وعامر شاكرين  بينما لمعت عينا جمال بالامتنان:
- بارك الله فيكم ... أسعدتمونا بزيارتكم، واتمنى ألا ترونها بعزيز لكم
في تلك اللحظة، كانت نادية تراقب ابنها من جديد، مرةً تنظر إليه حيث عادت الصغيرة تجلس على قدمه... ومرةً إلى بيسان...ثم عادت الابتسامة الماكرة ترتسم على شفتيها، وكأنها بدأت تقرأ ما يخفيه قلبه، قطعت ذلك الصمت وهي تشير إلى علبة الحلوى:
- عامر يا بني...
انتبه إليها مباشرةً، وقد ارتبك قليلًا:
- نعم يا أمي؟
ابتسمت وهي تشير بعينيها إلى عائلة بيسان:
- قف، وقدم لهم من الحلوى التي أحضروها... لا يصح أن تبقى هكذا.
ضحك بخفة، ثم أنزل نيسان عن قدميه برفق:
- حاضر يا أمي.
تناول علبة الحلوى، وبدأ يوزعها عليهم واحدًا تلو الآخر، وعندما وقف أمام بيسان...توقفت يده لثانية، مدت يدها هي الأخرى، فالتقت أصابعهما مصادفةً عند قطعة الحلوى.
سحب يده بسرعة، بينما ارتسمت حمرةٌ خفيفة على وجهيهما، همست بخجل:
- شكرًا.
ابتسم ابتسامةً صغيرة، لم يستطع إخفاءها:
- العفو.
عاد إلى مقعده، لكن عقله لم يعد حاضرًا بينهم، كانت عيناه تعودان إليها بين الحين والآخر، بينما أخذ سؤالٌ واحد يطارده بلا رحمة.
*"من يكون عمر بالنسبة لها؟"*
*"هل هو خطيبها؟"*
*"أم أنها متزوجة؟"*
*"ولماذا يقف دائمًا إلى جوارها؟"*
حاول طرد تلك الأفكار، لكنها كانت تعود إليه بإصرارٍ أكبر مع كل مرةٍ تقع عيناه عليها...
وفي المقابل...
كانت بيسان تحاول التظاهر بالهدوء، لكنها شعرت بنظراته أكثر من مرة، حتى إنها أصبحت تخشى أن ترفع رأسها فتلتقي عيناه بعينيها مجددًا.
قطع جمال ذلك الهدوء وهو يبتسم لعمر'
- يبدو أنكم متحابون جدًا مع عامر.
ضحك عمر بخفة، ثم أشار إلى نيسان:
- الفضل كله لهذه الصغيرة... فمنذ أن ساعدها الدكتور عامر وهي لا تتوقف عن الحديث عنه.
قهقهت نيسان، ثم اشارت بيديها بحماس:
- لأنه أفضل طبيب في العالم.
ترجم عمر لهم ليضحك الجميع على عفويتها، بينما احمرّ وجه عامر قليلًا من الإحراج.
وقبل أن يتحدث أحد...
دوّى صوت ارتطامٍ قوي، تبعه اندفاع باب الغرفة بعنفٍ حتى اصطدم بالجدار. التفتت جميع الرؤوس نحو الباب في اللحظة نفسها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.