همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به
ثبت آدم نظراته داخل عيني غزل طويلًا، فارتبكت تحت وطأة نظراته، وسرعان ما أشاحت بعينيها إلى الجهة الأخرى، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة قبل أن يُفصح عمّا يجول في صدره:
- أعترف لكِ، آنسة غزل... أنكم أشخاص مميزون بطريقة تجعل الإنسان يرغب بالمزيد من معرفتكم.
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم التفتت إليه متسائلة:
- ماذا تقصد بحديثك؟
أرجع رأسه إلى الخلف وهو يبتسم بخفة، وتعمد أن يتحدث بصيغة الجمع حتى لا تدرك حقيقة مشاعره أو المقصود من كلماته:
- أقصد أننا لم نشعر بالملل من وجودكم يومًا، ولو وُضعنا في الموقف ذاته مرة أخرى... فلن نتخلى عنكم أبدًا.
ظلت تحدق به طويلًا، تحاول أن تفسر كلماته، لكن دون جدوى. دارت في رأسها عشرات الأسئلة، ثم زفرت بضيق وهي تحدث نفسها "إن سألته الآن عما يقصده، سيقول إنني غبية وبطيئة الفهم..."
انتشلها من شرودها صوته القلق وهو يتأمل ملامحها:
- هل أنتِ بخير يا غزل؟
أومأت برأسها بصمت، ثم أسندت رأسها إلى الحائط خلفها، لتسرح في واقعهم المؤلم، نيسان... رحلت حقًا، ولم يعد هناك مجال للإنكار، وبيسان... أصبحت كجسد بلا روح، لا تتحرك، ولا تتحدث، ولا حتى تنظر إلى من حولها.
أما والدتها... فكانت تكتم وجعًا يفوق الاحتمال، تخفيه داخل قلبها حتى لا تنهار أمام أبنائها، ازدحمت تلك الصور داخل عقلها دفعة واحدة، فانهمرت دموعها دون أن تشعر.
انتبه آدم إلى دموعها، فاعتدل في جلسته بقلق واضح، وحدق بها بعينين امتلأتا خوفًا عليها، ثم همس بصوت خافت:
- ما بكِ يا غزل؟ هل أنتِ بخير؟
انتبهت إليه، ولمحت مقدار القلق الذي يكسو ملامحه، فسارعت إلى مسح دموعها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة لا تحمل من الحياة شيئًا:
- لا تقلق... أنا بخير.
لم يقتنع بإجابتها، فانعقدت ملامحه وهو يستفسر بهدوء:
- إذًا... لماذا تبكين؟
هزت رأسها نفيًا، ثم همست بصوت متعب:
- لا يوجد شيء... شكرًا لك.
ظل يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، حتى قاطعه صوت فتاة اقتربت منه وهي تحمل بين يديها مجموعة من الملفات، وقد بدا الإرهاق واضحًا على وجهها:
- دكتور آدم... هل أنت هنا؟
التفت إليها بابتسامة مجاملة، ثم بادرها باهتمام:
- تفضلي يا ليان، ماذا هناك؟
زفرت بتعب، ثم مدت الملفات نحوه قائلة:
- هذه كشوفات المرضى التي عليك مراجعتها... لقد تعبت وأنا أبحث عنك في جميع الأقسام.
تناول الملفات منها، ثم رمقها بنظرة ممتنة قبل أن يرد بلطف:
- أشكركِ... لقد أتعبتكِ معي.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة وهي تجيبه:
- لا شكر على واجب، أستاذي.
راقبت غزل المشهد بصمت، ثم أخذت تتأمل ليان من رأسها حتى قدميها.
"إنها جميلة...هادئة...ورقيقة...وليست مثلكِ يا غزل..."
ابتسمت بسخرية من نفسها، ثم ضربت جبينها بخفة وهي توبخ ذاتها "يا لكِ من غبية...هل هذا وقت التفكير بمثل هذه الأمور؟"
انتبه آدم إلى حركتها الغريبة، فعقد حاجبيه باستغراب وهو يسألها:
- ما الأمر يا غزل؟
توقفت للحظة... "غزل؟" ناداها باسمها مجردًا من أي لقب... لا تدري لماذا شعرت أن قلبها ابتسم قبل شفتيها، اعتدلت في جلستها، ثم نهضت بهدوء وهي تستأذن منهما:
- عن إذنكم... أريد أن أرتاح قليلًا، خذا راحتكما.
ظل يتابع طيفها بعينيه حتى ابتعدت، ولم ينتبه إلى ليان إلا بعدما أعادت مناداته:
- عفوًا... ماذا قلت؟
ألقت ليان نظرة ضيقة نحو أثر غزل، ثم أعادت بصرها إليه وهي تعرض عليه بلطف:
- هل أرافقك في المرور على المرضى يا أستاذي؟
نهض من مكانه متجاوزًا إياها، ثم أجابها بهدوء:
- لا... شكرًا لكِ، اذهبي واستريحي.
تابعته بعينيها حتى ابتعد، ثم أطلقت تنهيدة طويلة وهمست لنفسها بحبٍ أخفته سنوات : آه... إلى متى ستظل هكذا يا أستاذي؟ متى ستراني... وترى هذا الحب الذي أحمله لك؟ يبدو أن انتظاري سيطول كثيرًا...
**____****____**
رمشت بيسان ببطء شديد، وكأن جفنيها يحملان ثقل العالم بأسره، حتى استطاعت أخيرًا أن تفتح عينيها بوهن. شعرت بوخزة خفيفة في يدها، فأدارت رأسها ببطء لتجد الممرضة تدون بعض الملاحظات بعد أن نزعت المحلول الموصول بيدها.
حاولت النهوض، إلا أن الممرضة سارعت إليها تسندها برفق، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة مطمئنة وهي تخاطبها:
- صباح الخير، آنسة بيسان... هل تشعرين بأي شيء؟
وضعت بيسان يدها فوق رأسها، وأخذت تدلكه برفق بسبب الدوار الذي يهاجمها، ثم همست بصوتٍ واهن وهي تعصر عينيها محاولةً التخفيف من الألم:
- ماذا حدث... وأين أنا؟
اتسعت ابتسامة الممرضة بحنان، ثم أردفت بلطف:
- لا شيء يا عزيزتي، انتظري بضع ثوانٍ فقط، سأذهب لأنادي الطبيب حتى نطمئن عليكِ.
غادرت الممرضة الغرفة، بينما أخذت بيسان تجول بعينيها في المكان من حولها. انعقد حاجباها باستغراب وهي تحاول استيعاب ما يحدث.
مهلًا...ما الذي حدث بالأمس؟ هل كان كل ما رأته حقيقة... أم مجرد كابوس؟
استندت إلى طرف السرير محاولة الوقوف، لكنها ما إن وضعت قدميها على الأرض حتى داهمها الدوار مجددًا، فعادت لتجلس وهي تفرك ما بين حاجبيها بألم.
بدأت الذكريات تتدفق إلى رأسها دفعةً واحدة...كل ما حدث...كل كلمة تفوهت بها...وكل تصرفٍ أحمق صدر منها.
أغمضت عينيها بقوة، وانسابت دموعها بصمت، فمسحتها سريعًا بكف يدها، ثم نهضت متشبثة بما حولها، واتجهت بخطوات بطيئة نحو المرحاض، قبل أن تغلق الباب خلفها بضعف.
***
بعد دقائق قليلة...
كان عامر يقف أمام باب غرفتها، يلتقط أنفاسه المتسارعة بعد أن جاء مسرعًا فور علمه باستيقاظها، لم يشأ أن يتولى طبيب آخر الكشف عليها...
لا ينكرها... لقد كان يغار عليها....بل إنه سأل الممرضة قبل دخوله إن كانت قد استيقظت وهي في حالة هيجان، فأخبرته أنها كانت هادئة تمامًا.
تنهد بتوتر، ثم فتح الباب وهو يحمل ملفها الطبي بين يديه، تقدم عدة خطوات داخل الغرفة، لتنعقد حاجباه وهو يبحث عنها بعينيه.
السرير فارغ! رفع بصره نحو باب المرحاض، فوجده مغلقًا، تنفس الصعداء، ثم همّ بالالتفات ليمنحها بعض الخصوصية، إلا أن شيئًا ما لفت انتباهه.
السرير...لم يكن مرتبًا، اقترب منه بخطوات مترددة، وما إن وقع بصره على شيء فوقه حتى التقطه بسرعة.
إنها...ملابس المشفى، تسارعت دقات قلبه على نحوٍ مخيف، استدار فورًا نحو باب المرحاض، وطرق عليه عدة طرقات، وقد بدأ القلق ينهش صدره.
ازدادت ضربات قلبه حين لم يصله أي رد، اقترب أكثر، ثم خاطبها بصوتٍ اختلط فيه الرجاء بالخوف:
- بيسان... هل أنتِ في الداخل؟
ساد الصمت...ازداد قلقه أكثر، فوضع يده على مقبض الباب وهو يهتف بسرعة:
- سأفتح الباب... إن كنتِ في الداخل فأجيبيني.
انتظر لحظات معدودة...لكن لا صوت...ولا حركة...دفع الباب بسرعة، ليجده خاليًا تمامًا، تجمد في مكانه لثوانٍ، وكأن عقله رفض استيعاب ما يراه.
ثم اندفع خارج الغرفة مسرعًا، ليصطدم بمروة التي كانت تقف أمام الباب.
رفعت بصرها إليه، وما إن رأت ملامح الخوف والقلق المرتسمة على وجهه حتى انقبض قلبها، تقدمت نحوه بسرعة وهي تستفسر بارتباك:
- ما الأمر؟ هل بيسان بخير؟
مرر يده في شعره بعصبية، وعقله يعمل بجنون، ثم أجابها بصوتٍ مضطرب:
- إنها... ليست في الداخل.
اتسعت عينا مروة بصدمة، وهتفت بفزع:
- ماذا تقصد بأنها ليست في الداخل؟ ألم تنقلوها صباحًا إلى هذه الغرفة؟ إلى أين ذهبت؟
لم يجبها...بل تجاوزها مسرعًا، بينما كانت آلاف الاحتمالات تضرب رأسه بلا رحمة.
إلى أين يمكن أن تذهب؟ وكيف خرجت؟ ومتى؟
هبط الدرج درجتين وثلاثًا اختصارًا للوقت، حتى وصل إلى الممرضة التي كانت معها قبل قليل، ثم سألها بسرعة:
- أين المريضة بيسان التي كنتِ معها قبل دقائق؟
رمقته الممرضة بعدم فهم، ثم أجابت بارتباك:
- لا أعلم يا دكتور... لماذا؟ هل حدث شيء؟
لم يمنحها فرصة لإكمال حديثها، أخرج هاتفه بسرعة، واتصل بآدم، وما إن أجابه حتى بادره بلهفة:
- آدم... هل رأيت بيسان اليوم؟
جاءه صوت آدم عبر الهاتف وهو يرتدي معطفه الأبيض استعدادًا لجولته:
- لا، لم أرها... أليست في الغرفة؟ ألم تنقلها إليها هذا الصباح؟
واصل عامر السير بخطوات متسارعة، وعيناه تجوبان كل زاوية في المشفى، وكأنه يتوقع أن يجدها فاقدة الوعي في أحد الأركان، ثم أجابه وهو يحاول السيطرة على ارتجاف صوته:
- نعم... نقلتها بنفسي، لكنها ليست في الغرفة. بحثت في كل مكان داخلها... ولم أجدها.
تقدمت مروة نحوه بخطواتٍ متعثرة، وقد غلبها الخوف، بينما كانت دموعها تنساب بصمت على وجنتيها. توقفت أمامه تحدق في ملامحه المذعورة، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
- هل وجدتها؟
هز عامر رأسه نفيًا، وكأن الحركة وحدها استنزفت ما بقي لديه من قوة، ثم أجاب بصوتٍ خافت:
- لا... لم أجدها.
وصل صوت آدم عبر الهاتف، وقد بدأ القلق يتسلل إليه هو الآخر:
- ما الأمر يا عامر؟ هل هي مفقودة حقًا؟
أغمض عامر عينيه بقوة، ثم هوى بقبضته على الحائط المجاور حتى ارتد صدى الضربة في أرجاء الممر، قبل أن يهمس بألم:
- أرجو... ألا يكون ما أفكر به صحيحًا.
شهقت مروة بفزع، وسارعت تضع يدها فوق صدرها، بينما ارتجف صوتها بالدعاء:
- لا تقل ذلك... يا الله، احفظها وأرشدنا إليها.
عاد صوت آدم عبر الهاتف وهو يحاول التفكير بعقلانية:
- عامر... هل من الممكن أن تكون مع عمر أو غزل؟
فتح عامر عينيه فجأة، وكأن بصيصًا من الأمل أضاء داخله، ثم تمتم سريعًا:
- كيف لم أفكر بذلك؟
استدار نحو مروة يسألها بلهفة:
- أين عمر؟
مسحت دموعها بطرف كفها، ثم أجابت بصوتٍ متقطع:
- ذهب مع غزل لإحضار الفطور... ولم يعودا حتى الآن.
لم ينتظر أكثر، انطلق بخطواتٍ واسعة نحو كافتيريا المشفى، وقلبه يخفق بعنف، حتى لمح غزل تتقدم نحوه وهي تحمل أكياس الإفطار.
أوقفها وهو يلهث من شدة الركض، ثم سألها دون مقدمات:
- أين بيسان؟ هل هي معك؟
انعقد حاجبا غزل باستغراب، ثم أجابته بسرعة:
- لا... ليست معي، إنها في الغرفة.
طقطق عنقه بعصبية، وبدأ أسوأ احتمال يقتحم رأسه...ماذا لو كانت العصابة قد عادت من جديد؟ في تلك اللحظة وصل عمر إليهما، وما إن وقع بصر عامر عليه حتى اندفع نحوه مردفًا:
- بيسان... ليست موجودة.
اتسعت عينا عمر بصدمة، ثم هتف بعدم تصديق:
- ماذا تقصد بأنها ليست موجودة؟
واصل عامر طريقه بسرعة نحو غرفة المراقبة، وهو يجيبه دون أن يتوقف:
- يعني أننا بحثنا عنها... ولم نجدها.
ارتخت يد غزل، فسقطت أكياس الطعام أرضًا، بينما ارتجف جسدها كله، ثم أمسكت بذراع عمر وهي تبكي بخوف:
- ماذا يقصد؟... هل سيأخذون بيسان منا كما أخذوا نيسان؟
احتضنها عمر بسرعة، وربت على ظهرها محاولًا تهدئتها، رغم أن قلبه كان يرتجف مثلها تمامًا، ثم همس لها:
- لا تقولي ذلك... بإذن الله سنجدها.
ثم رفع صوته مخاطبًا عامر الذي ابتعد عنهما عدة خطوات:
- إلى أين أنت ذاهب؟
التفت إليه عامر على عجل، ثم أجابه:
- سأراجع كاميرات المراقبة... لأعرف هل خرجت من المشفى أم ما زالت بداخله.
أمسك عمر بوجه غزل بين كفيه، ومسح دموعها برفق، ثم خاطبها بحزمٍ ممزوج بالحنان:
- اسمعيني جيدًا يا غزل... اذهبي إلى أمي، ولا تتركيها وحدها، واتصلي بخالتي، لكن لا تشعريها بشيء، مفهوم؟
أومأت وهي تبكي بصمت، ثم تحركت بخطواتٍ ثقيلة، بينما أسرع عمر للحاق بعامر، دخل عامر غرفة المراقبة، واتجه مباشرة نحو الشاشات، وأخذ يبحث عنها بعينين لا تعرفان السكون.
مرت ثوانٍ ثقيلة...ثم هوى بقبضته على الطاولة بعنف وهو يهتف بغضبٍ ممزوج بالذعر:
- أين اختفت؟... أين ذهبت؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!