دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 1 من 5
وضع القراءة:

دوامة القدر

**
في مغيب الشمس، كانت الأمواج تعانق جانبي السفينة الضخمة المتجهة نحو الميناء، بينما انعكست أشعة الغروب الذهبية على صفحة البحر، لترسم لوحةً آسرة تخدع الناظر إليها، وكأن ذلك البحر الهادئ يخفي في أعماقه سرًا لا يعلمه أحد.
كانت السفينة تعج بالركاب القادمين من بلدانٍ مختلفة، تتعالى أصواتهم بالضحكات والأحاديث، بينما وقف بعضهم يتأمل الأفق، وآخرون انشغلوا بتوديع البحر قبل الوصول.
وسط تلك الأجواء، انحنت فتاة يكسوها الوقار والاحتشام أمام طفلةٍ صغيرة لم تتجاوز السادسة من عمرها، ثم جلست على ركبتيها برفق لتفك عقدة رباط حذائها التي استعصت على الصغيرة.
ما إن انتهت حتى جلست إلى جوارها، فاندفعت الطفلة تعانقها بقوة، وكأنها وجدت في حضنها الأمان كله.
ابتسمت الفتاة بحنانٍ بالغ، ثم مررت أصابعها بين خصلات شعرها الذهبي القصير وهي تنظر إليها بعينين امتلأتا حبًا، همست بيسان بعدما قبلت رأسها:
- هل هكذا أصبح أفضل؟
أومأت نيسان برأسها، ثم رفعت يديها تتحركان بلغة الإشارة، وعيناها تلمعان ببراءةٍ أخاذة:
- نعم... أمي.
تنهدت بيسان بعجز وهي تغمض عينيها للحظة، كم مرة أخبرتها بأنها أختها وليست أمها؟ لكن الصغيرة كانت ترفض تصديق ذلك، وتصر على مناداتها بـ"أمي"، لأنها الوحيدة التي احتضنتها منذ فتحت عينيها على الدنيا.
أعادت بيسان خصلات الشعر المتطايرة خلف أذنها، ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة.
- نيسان، يا صغيرتي... ألم أخبركِ أنني أختك؟
هزت نيسان رأسها بقوة، ثم تشبثت بثيابها وكأنها تخشى أن تبتعد عنها أجابت وهي تحاول كبت دموعها:
- أنتِ أمي... أنتِ من اعتنى بي طوال حياتي... أما أمي الحقيقية فقد تركتني لأنني صماء... كنت أراها دائمًا تتحدث عني، وتقول إنني عبء عليها... وإنني تسبب لها الإحراج أمام الناس.
تجمدت ملامح بيسان، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة، بينما سالت دموعها بصمت، تحاول أن تمنع الصغيرة من رؤية انكسارها، ابتعدت عنها قليلًا، ومسحت دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة.
- نيسان... ألم تعديني ألا تفتحي هذا الموضوع مرةً أخرى؟
خفضت نيسان رأسها، ثم أشارت بحزنٍ عميق:
- ليس بيدي... أقسم لكِ، ءأنا ابنتها حقًا؟ فلماذا تكرهني إلى هذا الحد؟ هل لأنني صماء؟ أنا لم أختر أن أولد هكذا... حتى إنها تزوجت من رجلٍ شرير، وأمرها أن تطردنا من بيت أبي....أنا أكرهه.
ارتجف قلب بيسان، وشعرت وكأن كلمات الصغيرة خناجر تغرس في صدرها، ابتسمت رغم الألم حتى لا تزيد حزنها:
- ومن أخبركِ بكل هذا الكلام يا صغيرتي؟ ثم إن أحدًا لا يستطيع أن يجبرنا على الرحيل، ما دام الله معنا.
توقفت قليلًا، ثم ابتسمت محاولة تغيير الحديث:
- ألم تشتاقي إلى مروة؟
اتسعت عينا نيسان بسعادة، وأخذت تشير بسرعة:
- كثيرًا... ألسنا ذاهبين إليها؟
أومأت بيسان بابتسامة صادقة:
- بلى... بل إنها اتصلت بي قبل قليل، وأخبرتني بأنها ستكون في انتظارنا.
ثم احتضنت وجهها بكفيها تكمل:
- هيا... استريحي قليلًا حتى تصلي إليها وأنتِ بكامل نشاطك.
ابتسمت نيسان أخيرًا، ثم أغلقت عينيها مستسلمةً للنوم، بينما بقيت بيسان تتأمل ملامحها البريئة، تدعو الله في سرها أن يحفظها من كل سوء... غير مدركة أن القدر كان يخبئ لهما ما لم يخطر على قلب بشر.
_______________*
لم يدم هدوء السفينة طويلًا...
فبينما كان الركاب يظنون أن رحلتهم أوشكت على نهايتها، بدأت السفينة تنحرف عن مسارها شيئًا فشيئًا، وكأن قوةً خفية تجذبها نحو نقطةٍ مجهولة في قلب البحر.
تغير اتجاهها بصورة مفاجئة، لتندفع نحو دوامةٍ بحرية هائلة أخذت تبتلع المياه من حولها بعنف، فيما ارتفعت الأمواج بشكلٍ مخيف، واشتدت الرياح حتى أصبحت تصفر كأنها تصرخ في وجوه الجميع.
أسرع قبطان السفينة ممسكًا بعجلة القيادة بكلتا يديه، يحاول بكل ما يملك من قوة أن يعيدها إلى مسارها الصحيح، لكن الطبيعة كانت أقوى منه.
وفجأة...اجتاحت السفينة عاصفةٌ عنيفة، لتقتلع أحد أشرعتها الضخمة، الذي اندفع بقوةٍ هائلة ليستقر فوق رأس القبطان، فسقط أرضًا غارقًا في دمائه، تاركًا القيادة بلا قائد.
في تلك اللحظة...تحولت السفينة إلى ساحةٍ للفوضى، تعالت الصرخات، وارتفعت أصوات البكاء والدعاء، بينما أخذ الركاب يتراكضون في كل اتجاه، يبحث كلٌ منهم عن وسيلةٍ تنقذ حياته.
استيقظت نيسان مذعورة على تلك الأصوات، لتجد نفسها بين ذراعي بيسان التي كانت تضمها إليها بقوة، وكأنها تحاول أن تحميها من البحر بأكمله.
رفعت الصغيرة رأسها، تنظر إلى وجوه الركاب التي غمرها الرعب، وإلى الأطفال الذين أخذوا يبكون دون توقف.
التفتت إلى بيسان، ثم سألتها باشاراتها، وقد ارتجفت يداها:
- ماذا يحدث؟
ابتلعت بيسان خوفها، وأجابتها بابتسامةٍ مصطنعة تخفي وراءها قلقًا لا يوصف:
- لا أعلم... يبدو أن السفينة انحرفت عن طريقها.
ازدادت ملامح نيسان شحوبًا، وأشارت بسرعة:
- هل... هل سنموت؟
اهتز قلب بيسان لسؤالها، لكنها تماسكت، وربتت على وجنتها بحنان:
- لا يا صغيرتي... لا تقولي هذا. بإذن الله سيتمكنون من السيطرة على السفينة، ولن يصيبنا مكروه.
لكن نيسان لم تستطع كتمان خوفها، فانهمرت دموعها وهي تشير بسرعة:
- أنا أكره البحر... لا أحبه... وأكره أمي... وأكره زوجها... أريد أبي... أريد أن أعود إليه.
لم تتمالك بيسان نفسها، فضمتها بقوة حتى كادت تخفيها بين ذراعيها، همست وهي تبكي:
- أرجوكِ يا نيسان... لا تقولي ذلك...
ثم تذكرت فجأة أن الصغيرة لا تسمع كلماتها، فابتعدت قليلًا، وأخذت تشير بيديها بسرعة، محاولةً أن تبدو قوية أمامها:
- انظري إليّ...سوف تبقين بجانبي... ولن تتركي يدي أبدًا... مفهوم؟
أومأت نيسان برأسها، ثم قبضت على يد أختها بكل ما أوتيت من قوة.
- حسنًا... لن أتركها.
في تلك الأثناء، تجمع عددٌ من أفراد الطاقم وبعض الركاب حول القبطان محاولين إسعافه، بينما كان آخرون يركضون لإنقاذ السفينة.
لكن...قبل أن يتمكنوا من فعل أي شيء، ارتطمت السفينة بصخرةٍ بحرية ضخمة هزتها بعنفٍ شديد، حتى شعر الجميع وكأن الأرض قد انقلبت تحت أقدامهم.
دوى صوت الاصطدام في المكان، تبعه صوت تشقق هيكل السفينة، ثم بدأت المياه تتدفق إلى داخلها بسرعةٍ مخيفة:
صرخ أحد أفراد الطاقم بأعلى صوته:
- المياه تتسرب إلى الداخل! الجميع إلى قوارب النجاة... بسرعة!
تحولت الممرات إلى فوضى عارمة، بدأ أفراد الإنقاذ يوزعون سترات النجاة على الركاب، ويساعدون الأطفال وكبار السن على النزول إلى القوارب الصغيرة.
لكن عدد الركاب كان يفوق قدرة القوارب على الاستيعاب، كان بعضهم يصرخ طالبًا النجدة، وآخر يحتضن أبناءه وهو يبكي، بينما فقد بعض الركاب وعيهم من شدة الهلع.
وأخذ المنقذون يصرخون في كل اتجاه:
- من يستطيع المساعدة فليتجه إلينا فورًا! أسرعوا... لا وقت لدينا!
أما البحر...فكان يزداد هيجانًا مع كل دقيقة، وكأنه عازمٌ على ابتلاع السفينة بمن فيها.
___________
وقبل أن يعم ذلك الرعب أرجاء السفينة بلحظات...
كان عامر يجلس إلى جوار صديقه آدم على سطحها، يتأملان البحر الذي امتد أمامهما بلا نهاية، بينما كان حديثهما لا يفارق الوطن الذي اشتاقا إليه بعد غيابٍ دام خمسة أشهر.
قال عامر وهو يبتسم ابتسامةً شاحبة:
- لم أعد أطيق الانتظار... أريد فقط أن أصل إلى أرض الوطن.
ابتسم آدم وربت على كتفه بهدوء:
- وأنا كذلك... خمسة أشهر كانت كفيلة بأن تجعل الغربة أثقل من الجبال.
لقد سافرا لمناقشة البحث العلمي المتعلق بالمضاد الحيوي الذي توصلا إليه بالتعاون مع الجامعة الأمريكية، وبعد انتهاء مهمتهما، لم يكن يشغل بالهما سوى العودة إلى وطنهما وأهلهما.
لكن... لم تمضِ سوى لحظات حتى قاطعت صرخات الركاب حديثهما، تبادلا النظرات سريعًا، ثم انطلقا يركضان نحو مصدر الصراخ.
ما إن وصلا إلى غرفة القيادة حتى وجدا القبطان ملقى على الأرض والدماء تغطي رأسه، أسرع الطبيبان نحوه دون تردد، وبدآ بإسعافه بكل ما أوتيا من خبرة، لكن حالته كانت حرجة للغاية.
بعد أن اطمأنا إلى أنه يتنفس، هرعا إلى الخارج، حيث كانت الفوضى قد بلغت ذروتها، راحا يتنقلان بين الركاب، يقدمان الإسعافات الأولية للمصابين، ويهدئان الأطفال والنساء، بينما كانت السفينة تترنح بعنفٍ مع كل موجة تضربها.
وفجأة...اهتزت السفينة اهتزازًا عنيفًا أفقد الجميع توازنهم.
ثم...انقلبت؛ في لحظةٍ واحدة، تحولت الصرخات إلى أصواتٍ مكتومة ابتلعها البحر، وتناثر الركاب في المياه كأوراقٍ بعثرتها الرياح.
---
كانت بيسان تضم نيسان بكل ما تملك من قوة، تحملها بين ذراعيها وهي تحاول مقاومة الأمواج التي أخذت ترفعها تارةً وتغرقها تارةً أخرى.
لم تكن تجيد السباحة...وكان البحر أكثر شيء تخشاه في حياتها، ورغم أنها ارتدت هي وشقيقتها سترتي نجاة، إلا أن الخوف كان أكبر من أي وسيلة إنقاذ.
كانت تلهث وهي ترفع رأسها بصعوبة فوق سطح الماء، بينما تتشبث بنيسان وكأنها تتشبث بروحها.
أخذت تدعو الله بحرقة:
"يا رب... لا تحرمني منها... يا رب نجِّنا."
كانت ترى حولها مشاهد لا يمكن أن تنساها ما حييت، رجل يصرخ باسم ابنه، وأم تحتضن طفلها وهي تغرق، وشاب يحاول إنقاذ والده، وأشخاصًا اختفوا تحت الماء، وكأن البحر ابتلعهم بلا رحمة.
ورغم كل ذلك...كانت لا تزال متمسكة بشقيقتها، إلى أن جاءت موجةٌ عاتية، ارتفعت كالجبل، ثم اندفعت نحوهما بكل قوتها.
صرخت بيسان...لكن صوتها ضاع بين هدير البحر، ضربتهما الموجة بعنف، وانتزعت نيسان من بين ذراعيها في لحظةٍ لم تستوعبها.
اتسعت عينا بيسان بصدمة صارخة:
- نيسااااااان!
**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.