اولى الهزاىم
ما إن فتح عامر باب الغرفة حتى تجمد في مكانه، واتسعت عيناه بصدمةٍ وهو يشاهدها مقلوبًا رأسًا على عقب، وكأن إعصارًا اجتاحها ولم يُبقِ فيها شيئًا سليمًا. تناثرت قطع الأثاث والزجاج في كل مكان، بينما بدت آثار التخريب واضحة في كل زاوية.
تسارعت أنفاسه، وبدأ قلبه يخفق بعنف، ثم اندفع إلى الداخل وهو ينادي بأعلى صوته:
- أمي!... أبي!... أين أنتما؟!
لم يجبه سوى صمتٍ موحش، زاد من اضطرابه ورعبه، أخذ ينتقل بين الغرف بسرعةٍ جنونية، يبحث عنهما بعينين مرتعبتين، حتى وقعت عيناه على ورقةٍ صغيرة مُعلّقة على المرآة.
اقترب منها بخطواتٍ متثاقلة، ومد يده المرتجفة لينزعها، ثم فتحها وهو يردد في داخله دعاءً صامتًا:
"يا رب... لا تجعل ما أخشاه حقيقة."
وقعت عيناه على الكلمات، فبدأ يقرأها بصمت:
"مرحبًا أيها الطبيب... أو لنقل أيها العالِم، أو البروفيسور، أو المستكشف الصغير!...لا بد أنك عرفت من نحن...
لقد نجوت من السجن هذه المرة بإرادتنا، لكن المرة القادمة أضمن لك أنك لن تبقى على قيد الحياة، أما والداك العزيزان... فلا تقلق عليهما انهما في المشقى، مجرد بعض الجروح التي أصابتهما أثناء محاولتهما الدفاع عن نفسيهما، أرأيت كيف أنني كريمٌ معك؟!
((S))"
ما إن انتهى من القراءة حتى شحب وجهه تمامًا، اشتدت قبضته على الورقة حتى ابيضّت أنامله، وبرزت عروق يديه بصورةٍ مخيفة، بينما كانت عيناه تشتعلان غضبًا، همس من بين أسنانه بصوتٍ امتلأ بالوعيد:
- أقسم بالله... ستدفعون ثمن اقترابكم من عائلتي غاليًا.
لم يضِع ثانيةً واحدة، استدار مسرعًا، وغادر المنزل بخطواتٍ متعجلة، ثم استقل سيارته وانطلق بها بأقصى سرعة نحو المشفى.
***
بعد عدة دقائق...ترجل عامر من سيارته على عجل، ثم اندفع إلى داخل المشفى بخطواتٍ سريعة.
لكن قبل أن يقطع عدة أمتار، فوجئ بالصحفيين وعدسات الكاميرات يحيطون به من كل اتجاه، وتعالت الأصوات حوله في وقتٍ واحد:
- دكتور عامر... هل لديك تعليق على قرار المحكمة؟
- من الجهة التي لفقت لكم التهمة؟
- هل صحيح أنكم تعرضتم لمؤامرة؟
ضاقت أنفاسه وهو يحاول تجاوزهم، حتى تدخل أمن المشفى وشقوا له طريقًا بصعوبة بالغة، ما إن وصل إلى مكتب الاستقبال حتى رفعت الموظفة رأسها، واتسعت ابتسامتها فور رؤيته، تحدثت بحماسٍ واضح:
- دكتور عامر! متى خرجت؟ الحمد لله على سلامتك.
ثبت نظره عليها، كانت ملامحه مشدودة بصورةٍ أرعبتها، ثم قال بصوتٍ مرتفعٍ لم يترك لها فرصةً لمواصلة الترحيب:
- أخبريني... أين والداي؟
ارتبكت الموظفة، وأخذت تقلب البيانات أمامها بسرعة، ثم هتفت بتوتر:
- دكتور... لم يصلا إلى...
قاطعها بعصبية، وهو يمرر يده بين خصلات شعره بعنف:
- وصلا وهما مصابان... ابحثي جيدًا.
بدأت تبحث بسرعةٍ أكبر وهي تتمتم:
- لحظة... ربما...
لكن صبره كان قد نفد تمامًا، لوّح بيده بضيق، يتمتم بسرعة:
- لا... لا أريد شيئًا، سأبحث عنهما بنفسي.
تركها قبل أن تنطق بحرفٍ آخر، واتجه نحو السلالم يصعدها بخطواتٍ متسارعة، وهو يدعو الله أن يكون قد وصل متأخرًا فقط... لا أكثر.
وصل إلى الطابق الطوارئ، واذي من المحتمل انهم يكونا هناك، ثم أخذ يطرق أبواب الغرف الواحدة تلو الأخرى، وما إن يُسمح له بالدخول حتى يفتح الباب بسرعة، لتتعلق عيناه بكل سريرٍ يصادفه، لكنه في كل مرة كان يخرج بخيبةٍ أكبر من سابقتها.
ازدادت دقات قلبه مع كل غرفةٍ يفتحها، حتى لم يبقَ سوى آخر غرفة في نهاية الممر، توقف أمامها لثوانٍ، وأغمض عينيه وهو يلتقط أنفاسه المضطربة، ثم رفع يده وطرق الباب بخفة:
- تفضل.
وصله الإذن بالدخول، فأدار المقبض بسرعة، وما إن وقعت عيناه على من بالداخل حتى أطلق زفرةً طويلة، وكأن صخرةً كانت جاثمة فوق صدره قد أزيحت أخيرًا، تحدث براحةٍ امتزجت باللهفة:
- أووه... الحمد لله.
ثم تابع وهو يقترب بخطواتٍ سريعة:
- ابتعدي قليلًا من فضلك.
التفتت إليه فداء، وما إن رأته حتى اتسعت ابتسامتها، سألته بفرحةٍ غامرة:
- عامر!... متى خرجت؟!
أجابها وهو يتجه مباشرةً نحو السرير الذي ترقد عليه والدته:
- صباح اليوم.
جلس بجانب والدته، ثم أمسك يدها برفقٍ بين كفيه، وانحنى يقبلها مراتٍ متتالية، بينما اغرورقت عيناه بالدموع، رفع بصره إلى وجهها، فرأى اللاصق الطبي يلتف حول رأسها، لتزداد غصته، همس بصوتٍ مختنق:
- الحمد لله... الحمد لله أنني وجدتكِ بخير يا أمي.
ثم التفت إلى فداء، وقد عادت ملامحه إلى الجدية، يسألها بقلقٍ واضح:
- ماذا حدث؟... أخبريني.
تنهدت فداء بحزن، ثم جلست على المقعد المقابل له وهي تنظر له:
- لا أعلم من هم... اتصل بي رجالٌ لا أعرفهم، وأخبروني أن أسرع لإنقاذ عمي وعمتي، ثم أغلقوا الهاتف مباشرة.
أطرقت برأسها وأكملت بصوتٍ مرتجف:
- لم أفكر بشيء... خرجت من المنزل بأسرع ما أستطيع، وعندما وصلت وجدتهما بهذه الحالة، فاتصلت بالإسعاف فورًا.
أطرق عامر رأسه وهو يتمتم باستغفارٍ خافت، ثم مد يده إليها:
- أعطيني هاتفك.
ناولته الهاتف دون تردد، لكنها لم تستطع كتمان فضولها، فسألته بقلق:
- هل تعرف من يكونون يا عامر؟
أخذ الهاتف، وسجل الرقم في هاتفه، ثم حذفه من هاتفها حتى لا يبقى له أي أثر، قبل أن يعيده إليها وهو يجيبها بهدوءٍ حاول أن يفرضه على نفسه:
- سأعرف من هم... لا تقلقي.
ثم أردف وهو يناولها الهاتف:
- تفضلي.
أخذت الهاتف، بينما عاد هو ينظر إلى السرير، ليعقد حاجبيه باستغراب، رفع رأسه وسألها:
- أين أبي؟... هل هو بخير؟
ابتسمت فداء ابتسامةً مطمئنة، قبل أن تجيبه:
- نعم... لا تقلق عليه، إنه بخير.
توقف قليلًا قبل أن تسألها عيناه السؤال التالي، فأكملت:
- لكنه ذهب ليصلي.
انعقد حاجبا عامر بدهشة، بينما خرج صوته مستغربًا:
- صلاة؟... في هذا الوقت؟
رفعت بصرها إليه، وقالت بابتسامةٍ امتزجت بالتأثر:
- ذهب ليدعو الله... يدعو أن تخرج سالمًا، وأن تظهر براءتك أمام الجميع.
أغمض عامر عينيه للحظة، وشعر بدفءٍ غريبٍ يغمر قلبه، ثم ابتسم ابتسامةً خافتة:
- الحمد لله... ظننت أن شيئًا آخر قد أصابه.
راقبته فداء لبرهة، ثم اقتربت منه قليلًا وسألته بصوتٍ منخفض:
- عامر... كيف خرجت؟... ومن هؤلاء الأشخاص الذين يلاحقونك؟
أسند رأسه إلى ظهر المقعد، وأغمض عينيه بإرهاقٍ شديد، ثم اجابها بهدوء:
- لا تشغلي بالك يا فداء... المهم الآن أن ترتاحي.
فتح عينيه، ثم تابع بنبرةٍ حازمة:
- هيا، اذهبي إلى منزلك.
اعترضت بسرعة، وهزت رأسها بالنفي:
- لا أريد... أريد أن أبقى بجانبك... أقصد بجانبكم.
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة، ثم هتف بلطف:
- لا يجوز... لقد أيقظوك من نومك، وخالك بمفرده أيضًا، وهو بحاجةٍ إليك.
ثم أخرج هاتفه وهو يضيف:
- سأهاتف السائق ليقلك إلى المنزل.
تنهدت باستسلام، ثم ابتسمت ابتسامةً صغيرة قبل ان تتحدث:
- حسنًا يا عامر... كما تريد.
تابعت فداء نظراتها إليه للحظات، وكأنها تريد أن تستشف ما يخفيه خلف ذلك الهدوء المصطنع، لكنها أدركت أنه لن يخبرها بشيء، فاكتفت بإيماءةٍ صغيرة.
- حسنًا يا عامر... كما تريد، لكن أرجوك، إن حدث أي شيء فأخبرني.
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة، وهو يضع هاتفه في جيبه بعدما أنهى الاتصال بالسائق:
- بإذن الله... لا تقلقي.
***
ما هي إلا دقائق حتى غادرت فداء الغرفة، وعاد الهدوء ليخيّم عليها من جديد.
اقترب عامر من والدته بخطواتٍ هادئة، ثم جلس إلى جوارها، وأمسك يدها بين كفيه بحنان، يمرر إبهامه فوقها وكأنه يحاول أن يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها:
- أمي... استيقظي، أنا هنا... لقد أقلقتِني عليكما كثيرًا.
تحركت أصابع نادية ببطءٍ شديد، قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتسمت ابتسامةٌ متعبة على وجهها:
- عامر!
أشرق وجهه بفرحةٍ كبيرة، واقترب منها أكثر حتى كاد يلامسها:
- أمي... هل أنتِ بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ أخبريني، هل تشعرين بالدوار؟
لوّحت بيدها ببطء، محاولةً تهدئته رغم ما تشعر به من ألم:
- اهدأ يا بني... ساعدني أولًا على الجلوس.
أحاط كتفيها بذراعه برفق، وساعدها حتى استقرت في جلستها، ثم تناول زجاجة المياه وسكب لها قليلًا في الكوب، وقدمه إليها بحرص:
- تفضلي... اشربي قليلًا.
ارتشفت بضع رشفات، ثم رفعت يدها نحو وجهه، وأخذت تتحسس ملامحه بحنانٍ بالغ، وكأنها تتأكد أنه ليس حلمًا:
- بني الغالي... لقد اشتقت إليك كثيرًا، الحمد لله الذي أعادك إلينا سالمًا.
لم يتمالك نفسه، فابتسم رغم الدموع التي لمعت في عينيه، ثم مسح دموعها بأطراف أصابعه:
- ولماذا تبكين؟ ها أنا أمامك بخير... المهم أن تخبريني ماذا حدث معكما.
تنهدت نادية بعمق، وأغمضت عينيها للحظات، وكأنها تسترجع تلك اللحظات المرعبة، قبل أن تفتحهما من جديد:
- كنا نصلي الفجر يا بني... وفجأة سمعنا صوت خطواتٍ مسرعة داخل المنزل، وبعدها مباشرة فُتح الباب بعنف.
ارتجف صوتها قليلًا، فأمسك عامر يدها يشجعها على المتابعة:
- كان عددهم يقارب السبعة... جميعهم ضخام البنية... أخذوا يحطمون كل شيء أمامهم دون رحمة، ولم نفهم كيف دخلوا المنزل، ولا ماذا يريدون.
توقفت لحظة، ثم أكملت وعيناها تمتلئان بالخوف:
- وقف والدك في وجههم ليمنعهم... لكن أحدهم ركله بقوة حتى سقط أرضًا، وعندما حاولتُ الاقتراب منه، ضربني آخر على رأسي...
ازدادت قبضة عامر على يدها، حتى كادت عروق كفه تبرز من شدة الغضب، أما هي، فلم تنتبه لذلك، وأردفت بصوتٍ متعب:
- وقبل أن يغادروا... أخبرونا أنها رسالةٌ لك، وأن عليك الابتعاد عن طريقهم.
رفعت نظرها إليه باستغراب، وقد امتلأت ملامحها بالقلق:
- ماذا يقصدون بذلك يا عامر؟
سحب نفسًا عميقًا، وحاول أن يخفي الغضب المشتعل داخله، ثم رسم ابتسامةً هادئة لا تشبه ما يشعر به إطلاقًا:
- أعلم أنها رسالة يا أمي... لكنهم لا يعلمون مع من يعبثون.
اشتدت نبرته دون أن يشعر، وارتسمت في عينيه نظرةٌ حادة.
- لن أتراجع... مهما حدث.
انعقد حاجبا نادية، وشعرت أن ابنها يخفي عنها أمرًا أكبر مما تتخيل:
- لن تتراجع عن ماذا يا عامر؟
تنبه إلى اندفاعه، فأشاح بصره عنها سريعًا، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة:
- لا شيء... لا تشغلي بالك يا أمي.
وقبل أن تستفسر أكثر، انفتح باب الغرفة بهدوء، التفت عامر سريعًا نحو الباب، وما إن وقعت عيناه على والده حتى تبدلت ملامحه.
كان جمال يعرج في سيره، مستندًا إلى الجدار حتى لا يفقد توازنه، نهض عامر في لمح البصر، واتجه نحوه مسرعًا، ثم أسند ذراعه حوله بحذر:
- على مهلك يا أبي... لماذا لم تطلب من أحد أن يساعدك؟
ارتسمت على وجه جمال ابتسامةٌ دافئة، وربت على كتف ابنه بحنان:
- لأنني أردت أن أراك أولًا... وقد أخبرني المحامي أنك خرجت.
انحنى عامر يقبل رأسه بمحبة، ثم ابتسم لأول مرة منذ دخوله المشفى:
- نعم يا أبي... أنا أمامك الآن.
انتقلت نظرات جمال بين ملامح ابنه، وكأنه يتأكد بنفسه أنه يقف أمامه سالمًا، ثم تنهد براحةٍ غمرت قلبه:
- الحمد لله... الحمد لله الذي ردك إلينا سالمًا يا بني.
ارتسمت ابتسامةٌ دافئة على وجه عامر، ثم أعاد والده برفق إلى السرير حتى جلس دون أن يرهق قدمه المصابة، في تلك اللحظة، جال ببصره داخل الغرفة وكأنه يبحث عن أحد:
- أين فداء؟
عدل عامر الوسادة خلف ظهره، ثم أجابه بهدوء:
- طلبت من السائق أن يوصلها إلى المنزل.
وما إن لمح نظرة الاستغراب التي ارتسمت على وجه والده، حتى تابع سريعًا:
- لقد كانت مرهقة جدًا يا أبي، ولم تنم منذ أن وصلكما الخبر، ولا تنسَ أن خالها بمفرده ويحتاج إلى من يرعاه.
أومأ جمال برأسه بإعجاب، ثم ربت على كتف ابنه:
- أحسنت يا بني... فعلت الصواب.
ساد الصمت للحظات، لكن ملامح جمال تغيرت فجأة، وأصبحت أكثر جدية، قبل أن يثبت نظره في عيني ابنه:
- أخبرني يا عامر... هل هناك شيء تفعله ولم تخبرنا به؟
ارتفع حاجبا عامر باستغراب، ثم مال برأسه قليلًا:
- ماذا تقصد يا أبي؟
زفر جمال ببطء، ثم أشار بيده نحو زوجته:
- أظن أن والدتك أخبرتك بما حدث... لقد أوصلوا لك رسالةً واضحة، يريدونك أن تبتعد عن طريقهم.
أطرق عامر برأسه للحظات، ثم أطلق زفرةً طويلة، وكأنه يحمل فوق كتفيه جبالًا من الهموم:
- لم يعد للتراجع مكان يا أبي.
رفع رأسه من جديد، وقد عادت تلك النظرة الحازمة إلى عينيه:
- لكنني أعدك بشيء واحد... لن يستطيعوا الوصول إليكما مرةً أخرى.
راقبه جمال بصمت، ثم ابتسم ابتسامةً يغلب عليها الفخر:
- هذا ابني الذي أعرفه.
توقف قليلًا، ثم أردف بنبرةٍ يغلب عليها الحنان:
- افعل ما تراه صوابًا... لكن كن حذرًا، ولا تحمل كل شيء وحدك.
أومأ عامر بإيجاب، وقد شعر بشيءٍ من الراحة بعدما سمع كلمات والده:
- لا تقلقا... لن يحدث إلا الخير بإذن الله.
ألقى نظرةً على ساعة يده، فانتبه إلى الوقت:
- عليّ أن أذهب الآن... لدي مرضى بانتظاري.
ثم اقترب من والدته وربت على يدها بحنان:
- وأنتِ يا أمي، لا ترهقي نفسك، وإن احتجتما إلى أي شيء، فما عليكما إلا الضغط على زر الاستدعاء، وسأكون عندكما خلال دقائق.
تبادلت نادية وجمال نظرةً مليئة بالفخر، قبل أن ترتسم ابتسامةٌ واسعة على وجهيهما:
- وفقك الله يا بني... وفتح لك أبواب الخير، لكن اذهب وخذ حمامًا دافئًا يزيل اثار السجن والتعب.
اومأ بهدوءٍ وهو بتسم لهما، ثم قبّل رأسيهما واحدًا تلو الآخر، وغادر الغرفة وهو يدعو الله أن يحفظهما من كل سوء.
****____****____****
في الجهة الأخرى...
كانت غزل تجلس في صالة المنزل منهمكةً في عملها على الحاسوب، بينما كانت تحاول التركيز رغم الضجيج الذي يملأ المكان.
أطلقت زفرةً طويلة، ثم رفعت رأسها نحو عمر الذي كان يجلس أمام التلفاز رافعًا الصوت إلى أقصى درجة، بينما يلاعب نيسان ويضحك معها.
عقدت حاجبيها بضيق، ثم رمقته بنظرةٍ حادة:
- عمر... بالله عليك، أخفض صوت التلفاز قليلًا، لم أعد أستطيع التركيز في عملي.
حول بصره إليها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مشاكسة:
- اعملي بصمت يا غزل... وإلا غزلتكِ غزلًا.
انفجرت نيسان بالضحك، حتى انحنت بجسدها الصغير من شدة المرح التفت إليها عمر، ثم ضيق عينيه متصنعًا الجدية:
- آه... إذًا فهمتِ النكتة أيتها المشاكسة؟
هزت رأسها بسرعة، وما زالت ضحكاتها تتعالى:
- أجل أيها القائد.
فتح ذراعيه لها، ثم أسرع يدغدغها حتى علت ضحكاتها أكثر:
- سألتهمك أيتها الحلوى اللذيذة.
في تلك الأثناء، جلست بيسان بجوارهما وهي تراقبهما بابتسامة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها:
- كفى يا عمر... دعها ترتاح قليلًا، فالضحك المتواصل سيتعبها.
ابتعد عنها فورًا، وكأنه تذكر أمرًا مهمًا:
- معك حق... نسيت ذلك تمامًا.
ثم مال نحو نيسان وربت على رأسها بحنان:
- أعتذر يا صغيرتي.
ابتسمت نيسان بعفوية، ثم هزت رأسها تشير إليه:
- لا بأس أيها القائد.
ما إن سمعت بيسان كلمة "القائد" للمرة الثانية، حتى عقدت حاجبيها ونقلت بصرها بين الاثنين بريبة، أمالت رأسها قليلًا، ثم شبكت ذراعيها أمام صدرها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ تحمل الكثير من الشك:
- لحظة... لماذا تنادينه أيها القائد؟ وما الذي تخفيانه عني؟
ارتبكت نيسان للحظة، ثم نظرت إلى عمر تستنجد به بعينيها الصغيرتين:
- لا... لا شيء يا أختي العزيزة.
وقبل أن تسترسل في الحديث، استدارت بسرعة وهي تشير بيدها نحو الممر:
- سأذهب إلى غرفتي لأرسم.
وما إن مرت بجوار عمر حتى غمزت له بعينها الصغيرة بخبثٍ طفولي، قبل أن تختفي داخل غرفتها، راقبتها بيسان حتى أغلقت الباب، ثم أعادت بصرها نحو عمر ببطء، وقد ازدادت نظراتها شكًا:
- والآن... أخبرني، ما الذي يدور بينكما؟
ابتلع عمر ريقه، ثم حك مؤخرة رأسه بتوتر:
- لا يوجد شيء يا بيسان... عن ماذا تتحدثين أصلًا؟
ضيقت عينيها أكثر، ثم جلست إلى جواره دون أن ترفع نظرها عنه:
- لا تكذب عليّ... هيا، أخبرني، إلى أين ستذهبان؟
خرجت الكلمات من فمه بعفوية قبل أن يفكر بها:
- وكيف عرفتِ أننا ذاهبان إلى الطبيب؟
ما إن أنهى جملته حتى اتسعت عيناه بصدمة، بينما وضعت بيسان يدها على فمها وهي تحدق به بعدم تصديق.
ساد الصمت...
أما عمر، فأغمض عينيه لثوانٍ وهو يلوم نفسه في داخله "أحسنت يا عمر... لم يكن ينقصك إلا أن تخبرها بالموعد أيضًا!"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!