دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 37 من 36
وضع القراءة:

ما وراء المجهول

ظل عامر يحدق في شادي بعدم استيعاب، يحاول أن يربط كلماته بما يعرفه، قبل أن يسرح ذهنه لثوانٍ، وكأن ذكرى بعيدة بدأت تتشكل أمام عينيه.
وفجأة...تذكرها، ميساء ..
تلك الفتاة الجامعية التي كانت تلاحقه في كل مكان، وتحاول دائمًا التقرب منه، رفع بصره نحو شادي، وقد بدأت الصورة تتضح أمامه، ثم سأله بهدوء:
- أتقصد ميساء؟... هل كانت أختك يا شادي؟
ارتسمت على شفتي شادي ابتسامة ساخرة أكدت له صحة ما توصل إليه، تنهد عامر بعمق، ثم أردف بصدق واضح:
- أقسم لك أنني لم أعلقها بي يومًا، ولم أوهمها بأي مشاعر، بل أخبرتها أكثر من مرة أنها بالنسبة لي مثل أختي، ومثل أي زميلة أخرى، ولم أكن أكنّ لها أي مشاعر تتجاوز حدود الاحترام.
ضحك شادي ضحكة يملؤها القهر، ثم هتف بمرارة:
- حقًا؟! إذًا كيف أصبحت حاملًا؟!
ساد الصمت للحظة، بينما كانت أنفاسه تتسارع، قبل أن يكمل بصوت متحشرج اختلط فيه الألم بالغضب:
- لقد تخلصت منها بيدي هاتين بعدما فعلت ذلك... هل جربت يومًا أن تقتل أقرب الناس إلى قلبك؟ هل جربت أن تقتل روحك بيديك؟
اتسعت عينا عامر بصدمة، ثم هز رأسه نافيًا بقوة، وأجاب بإصرار:
- أقسم بالله أنني لم أقترب منها يومًا.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أكمل محاولًا إقناعه بالحقيقة:
- كانت أختك تعاني من مرض نفسي، وقد اكتشفت ذلك من تصرفاتها، كانت تتوهم أمورًا لا تمت للواقع بصلة، وعندما أخبرتها أنني أستطيع مساعدتها وعلاجها، انفجرت في وجهي غاضبة، واتهمتني بالجنون، ثم جلست تبكي.
خفض رأسه قليلًا وهو يستعيد تلك الذكرى، ثم تابع:
- وقتها اعترفت لي بأنها حامل من أحد أصدقاء شقيقها... لكنني أقسم لك، لم ألمسها يومًا، ولم أخدعها، وليس من أخلاقي ولا من ديني أن أفعل ذلك.
ظل شادي ينظر إليه بعينين تمتلئان بالشك، ثم هز رأسه بعنف وهو يرد:
- لا أصدقك... لقد قرأت مذكراتها، وكانت تتحدث عنك... وعن خيانتك لها.
أطرق عامر رأسه بحزن، ثم أجابه بقلة حيلة:
- صدقني يا شادي... أنا آسف حقًا لما حدث لها، لكنني لست الشخص الذي فعل بها ذلك.
اقترب شادي منه ببطء، بينما كان يرفع سلاحه حتى استقرت فوهته أمام قلب عامر مباشرة.
____
وفي الجهة الأخرى، أطلقت بيسان صرخة هلع، وهي تحاول الإفلات من قبضة الرجل الذي كان يمسك بها.
لكن شادي لم يهتم، بل تجاوز عامر، واتجه نحو بيسان، ثم رفع يده ولمس الجروح الموجودة على وجهها.
اشتعل الغضب داخل عامر، وانقبض فكّه بقوة حتى برزت عروق عنقه، ثم صاح بصوت غاضب:
- أبعد يديك عنها يا شادي!
التفت إليه شادي ببطء، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، ثم سأله متعمدًا استفزازه:
- هل أصبحت تخصك يا عامر؟
ثم التفت إلى بيسان، وأضاف بنبرة هادئة تخفي خبثًا كبيرًا:
- أخبريني يا بيسان... كيف وصلتِ إلى هنا؟ وأين كنتِ مختبئة؟
كانت يد الرجل لا تزال تغطي فمها، فلم يخرج من كلماتها سوى أصوات غير مفهومة، أشار شادي للرجل أن يرفع يده عنها.
وما إن أصبحت قادرة على الحركة، حتى بصقت في وجه شادي بكل ما تملك من غضب، ثم صاحت باحتقار:
- ابتعد عني يا عديم الشرف... ولا تضع يديك القذرتين عليّ مرة أخرى!
أغمض شادي عينيه للحظة وهو يحاول كبح غضبه، ثم فتحهما ببطء، ليلمح ابتسامة الرضا التي ارتسمت على وجه عامر بسبب رد فعلها.
ازدادت ملامحه قسوة، فأشار إلى رجلين من رجاله، آمرًا إياهما بالإمساك بعامر، اندفع الاثنان نحوه، وأحكما قبضتهما عليه.
بدأ عامر يقاوم بعنف، محاولًا التخلص منهما، بينما كان شادي يقترب من بيسان مجددًا، ثم خاطب عامر ببرود:
- لا تتحرك كثيرًا يا عامر.
لمع الغضب في عيني عامر، وتمكن أخيرًا من الإفلات من قبضتهما، ليتقدم نحوهما وهو يهتف بغضب:
- اتركها يا شادي... مشكلتك معي أنا، وليست معها.
نظر شادي إليه بابتسامة مستمتعة، ثم قال ببطء:
- إذًا... لا تقترب.
توقف لحظة، ثم أكمل وهو يوجه سلاحه نحوه:
- ارمِ سلاحك بعيدًا... واركع على ركبتيك، وضع يديك خلف رأسك.
ثبت عامر نظره عليه لثوانٍ طويلة، ثم ألقى سلاحه بعيدًا، وجثا على ركبتيه، واضعًا يديه خلف رأسه في استسلامٍ ظاهري، قبل أن يقول:
- والآن... أبعد يديك عنها يا شادي.
قهقه شادي ساخرًا، ثم هز رأسه وهو يرد:
- إنك مسكين يا عامر... تصدق كل ما يُقال لك.
اقترب منه خطوة، ثم أردف بخبث:
- أريد أن أخبرك بمعلومة مهمة... هل تعلم أن فداء تعمل معنا؟
تجمد عامر في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة لم يستطع إخفاءها، ابتسم شادي وهو يراقب وقع كلماته عليه، ثم تابع:
- ألم تأتِ صباح اليوم وهي مصابة ببعض الكدمات؟ كل ذلك كان تمثيلًا... كانت بخير تمامًا، وما حدث لم يكن سوى جزء من الخطة.
ظل عامر يهز رأسه ببطء، وكأنه يرفض تصديق ما يسمعه، ثم همس بصوت مبحوح:
- لا... لا أصدقك... أنت تمزح.
هز شادي كتفيه بلا مبالاة، ثم أجابه:
- ذلك يعود إليك... سواء صدقت أم لم تصدق.
ضغط عامر على أسنانه بقهر، ثم سأله:
- لماذا كل هذا؟ هل من أجل السندات حقًا؟
وأخرج الملفات من داخل سترته، ثم رماها أمام شادي وهو يقول:
- ها هي... خذها.
حول شادي نظره من الملفات إلى بيسان، ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يجيب:
- نعم... سأخذها، لكن ليس هذه...
وأشار إلى بيسان يكمل:
- بل هذه.
اشتدت قبضة عامر، حتى كادت أصابعه تنغرس في كفيه، ثم سأله بهدوء يخفي خلفه غضبًا عارمًا:
- هل أنت الرئيس يا شادي؟
نفى شادي برأسه، ثم أجاب:
- لا... لست أنا.
وصمت لحظة، قبل أن يضيف:
- الرئيس... ينتظرك في الداخل.
انعقد حاجبا عامر باستغراب، وردد:
- في الداخل؟
لم يجبه شادي، بل اكتفى بالإشارة إلى أحد رجاله. تقدم الرجل بخطوات سريعة نحو عامر...ورفع قبضته...ثم وجه له ضربة قوية خلف رأسه.
__________**
داخل الغرفة...
كان شريف يحدق في شاشة المراقبة بصدمة حقيقية، بعدما وقعت عيناه على بيسان، وقد عجز عن استيعاب الكيفية التي وصلت بها إلى ذلك المكان.
تتابعت أنفاسه باضطراب، بينما كانت عيناه تنتقلان بين الشاشة وشادي، وكلما رآه يقترب من بيسان أو يلمسها، ازداد الغضب المشتعل في صدره، حتى كاد يفقد أعصابه.
قطع رئيس المافيا شروده وهو يلتفت إليه متسائلًا بهدوء:
- ما بك يا شريف؟
انتفض شريف انتفاضة خفيفة، ثم أخفى اضطرابه بسرعة وأجاب محاولًا التماسك:
- لا شيء، سيدي... لكن لماذا لم تعطِ شادي أمرًا بقتل عامر؟
ارتسمت على شفتي رئيس المافيا ابتسامة غامضة، بينما بقيت عيناه معلقتين بالشاشة، وفي اللحظة التي شاهد فيها عامر يسقط مغشيًا عليه، استرخى في مقعده، ثم أجاب بهدوء:
- لأن عامر ليس رجلًا ضعيفًا.
صمت لحظة، ثم أضاف وهو يشير إلى الشاشة:
- لقد رأيت بنفسك كيف تخلص من الرجال الذين سبقوه.
مال بجسده إلى الأمام، وعادت عيناه تستقران على بيسان، ثم أردف بنبرة حملت كثيرًا من الخبث:
- ثم... هل ترى تلك الفتاة؟ ألم تقل إنها حبيبته؟
ابتلع شريف ريقه بصعوبة، ثم أومأ برأسه مجيبًا:
- أجل، سيدي... لقد سمعنا ذلك في التسجيل الذي زرعته فداء داخل مكتب عامر.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه رئيس المافيا، وقال بصوت امتلأ بالطمع:
- لقد أعجبتني...
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكمل ببرودٍ أثار الرعب في نفس شريف:
- أريدها لي أولًا...ثم بعدها نتخلص منه.
هبّ شريف واقفًا فجأة، وكأن أفعى لدغته، اتسعت عيناه بصورة واضحة، وحاول جاهدًا أن يخفي اضطرابه، لكنه فشل، ثم تحدث بصوت متوتر:
- ماذا تقول يا سيدي؟... ألن نتخلص منه أولًا؟
حرك رئيس المافيا رأسه نافيًا، دون أن يحول بصره عن الشاشة، ثم أجابه ببرود أشد:
- لا...
واسترسل بنبرة خالية من أي رحمة:
- سوف أتخلص منه... بعد أن أستمتع بها.
انقبض فك شريف بقوة، واضطر إلى أخذ نفس عميق حتى يمنع نفسه من التهور أو إظهار ما يعتمل بداخله، ثم أجاب بصعوبة:
- كما تشاء، سيدي...
وسكت لحظة قبل أن يستفسر:
- هل نأخذ عامر إلى الغرفة التي يوجد بها آدم؟
فكر رئيس المافيا لثوانٍ، ثم هز رأسه نافيًا وهو يصدر أوامره:
- لا...
وأشار إلى الشاشة التي يظهر فيها عامر فاقدًا للوعي، ثم أردف:
- ضعوه في الغرفة الأخرى...أما الفتاة...فأحضروها إليّ.
__________**
قبل ذلك الوقت...
كان عمر قد اندفع مسرعًا نحو أقرب مركز شرطة، دون أن يضيع ثانية واحدة.
دخل المكان وهو يلهث من شدة السرعة، ثم أخبر الضابط بكل ما حدث، وأخرج هاتفه ليشغّل التسجيل الكامل للمكالمة التي دارت بينه وبين بيسان، ليكون دليلًا على صحة حديثه.
استمع الضابط إلى التسجيل باهتمام بالغ، وما إن انتهى حتى نهض من مكانه بسرعة، وبدأ بإصدار أوامره لعناصر الشرطة بالاستعداد للتحرك.
وفي تلك الأثناء، التفت عمر إلى غزل، وأمرها بالعودة إلى المنزل حفاظًا على سلامتها، لكنها رفضت بعناد، وأصرت على الذهاب معه.
رمقها بضيق، وحاول إقناعها أكثر من مرة، إلا أنها تمسكت برأيها، ومع ضيق الوقت، اضطر للموافقة، وانطلق الجميع خارج مركز الشرطة برفقة مجموعة من رجال الأمن.
وفي منتصف الطريق...ارتفع رنين هاتف عمر، أخرج الهاتف بسرعة، ثم أجاب بعدما لمح اسم غزل على الشاشة، وصله صوتها المرتجف، وقد بدا الخوف واضحًا في كل حرف نطقت به:
- ماذا فعلت يا عمر؟ وما الذي حدث بالتفصيل؟ وهل بيسان بخير؟
تنهد عمر بقلق، وألقى نظرة سريعة نحو الضابط الجالس إلى جواره، ثم أجاب بصوت حاول أن يجعله مطمئنًا:
- لا أعلم يا غزل... لكن بيسان وعامر... وآدم أيضًا... جميعهم في ورطة كبيرة.
ما إن سمعت كلماته حتى انفجرت بالبكاء. وبين شهقاتها، همست بأملٍ ضعيف:
- هل سيكونون بخير؟
أغمض عمر عينيه للحظة، ثم رفع بصره إلى السماء وكأنه يدعو الله في سره، قبل أن يجيب:
- أرجو ذلك...
وصمت قليلًا، ثم أردف:
- وأخبري أمي أن تهدأ... سيكون كل شيء بخير بإذن الله.
مسحت غزل دموعها بسرعة، واستدارت لتطمئن والدتها.
لكن...وقبل أن تنطق بكلمة...دوّى صوت جرس الباب في أنحاء المنزل.
تجمدت في مكانها، وشحب لون وجهها، ثم اقتربت من والدتها بصورة لا إرادية، وهمست بخوف شديد وهي تعود إلى الهاتف:
- عمر... هناك أحد يطرق الباب.
اشتد قلق عمر، لكنه حاول أن يبقى هادئًا، وأخذ يردد الاستغفار في سره، داعيًا ألا يكون الطارق شخصًا مجهولًا، ثم خاطبها بهدوء:
- غزل... اذهبي وانظري من الطارق، لكن لا تصدري أي صوت.
وقبل أن ترد...تدخلت شقيقة الضابط، التي كانت قد استمعت إلى المكالمة كاملة، ثم التفتت إلى عمر وقالت بسرعة:
- أخبرها أن تطفئ أنوار المنزل أولًا... ثم تنظر من الطارق.
التفت إليها عمر باستغراب، وما إن وقعت عيناه عليها حتى اتسعت عيناه بصدمة، وقد بدا وكأنه تعرف إليها، بينما بادلته هي ابتسامة هادئة حملت في طياتها الكثير من الغموض...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.