عندما تتحدث القلوب بصمت
بعد مدة، فُتح باب المكتب ليظهر جمال أمام نادية، التي وقفت أمامه، فعقد حاجبيه باستغراب وهو ينظر إليها:
- ما الذي تفعلينه هنا يا نادية؟
رفع عامر أنظاره من خلف والده إليها، لتخفض رأسها قليلًا وكأنها ضُبطت متلبسة بفضولها:
- كنت أريد أن أعلم ما الشيء الذي يريد عامر إخبارك به.
ابتسم عامر لها بحزن وهو يحاول إنهاء الأمر:
- لا شيء مهم يا أمي، كنت فقط أخبره أنني سأذهب غدًا إلى مزرعة الخيول أنا وبعض الأصدقاء.
رفعت نادية رأسها نحوه مبتسمة:
- جيد بني، فمنذ فترة طويلة لم تذهب إلى أي مكان... هل ستذهب مع آدم؟
أومأ عامر برأسه:
- نعم، وهناك بعض الأشخاص أيضًا... هل تتذكرين الذين أتوا لزيارتكم في المشفى؟
تذكرتهم نادية لتبتسم بمكر:
- أجل، أجل تذكرتهم... هل سيأتون حقًا؟
تنهد عامر وهو يجيبها:
- أجل أمي، لكنك ستأتين معنا، ولن أقبل أي اعتراض.
ربتت على كتفه بحنان:
- لن أعترض بني، فأنت تعلم أنني أحب المزرعة والخيول.
ثم التفتت نحو جمال مبتسمة:
- سوف تأتي أليس كذلك يا جمال؟
أجابها على مضض:
- أجل، وفداء قادمة أيضًا.
أطلق عامر زفيرًا خافتًا وهو يستغفر ربه، ثم نظر إلى والديه:
- هل تريدان شيئًا؟ أريد أن أخلد للنوم.
ربتت نادية على كتفه بحنان:
- لا شيء بني، أحلامًا سعيدة.
بعد أن دخل غرفته، أغلق الباب خلفه بإحكام، ثم أمسك هاتفه ليجد عدة مكالمات فائتة لم يجب عليها.
توقف قليلًا وهو ينظر إلى الأرقام غير المسجلة، ليعقد حاجبيه متذكرًا الرقم الأول؛ فقد كان يجلس مع والده عندما اتصل به، فوضع الهاتف على الوضع الصامت، ثم جاءت بعدها رسالة من عمر يخبره فيها أنهم قادمون، ولهذا تحدث مع والده بشأن المزرعة.
أرسل له رسالة يخبره فيها أنه ينتظرهم، وأنه سيرسل إليهم سائقًا ليقلهم إلى المزرعة.
انتقل نظره إلى الرقم الآخر، فوجده غريبًا بعض الشيء، وكانت هناك رسالة صوتية منه.
فتحها ليستمع إلى صوت غليظ ومشوش:
- مرحبًا دكتور عامر، لا تقلق... نحن نعلم بكل تحركاته، كن حذرًا غدًا، فهناك مفاجآت بانتظارك.
اشتعل الغضب داخل عامر، وضغط على الهاتف بقوة حتى كاد أن يحطم شاشته.
جلس على سريره وأرجع جسده للخلف، ثم وضع يده على عينيه بإرهاق.
ما الذي سيحدث أكثر مما حدث في مكتب والده قبل قليل؟
هل يريدون حياته؟ فليفعلوا... لم تعد الحياة تعني له الكثير.
مسح دمعة خانته وسقطت من عينيه، ثم اعتدل في جلسته وهو يفكر بمحتوى الرسالة التي أقلقته حقًا.
ماذا يعني: "كن حذرًا"؟
هل يعلمون تحركاته فعلًا؟
لكن إن كانوا يعلمون، فعليه أن يكون أكثر حذرًا... ليس من أجله فقط، بل من أجل عائلة نيسان.
أمسك هاتفه محاولًا معرفة صاحب الرقم، لكنه فشل.
تنهد بحزن، ثم توجه نحو المرحاض ليتوضأ، وبعد دقائق خرج ليؤدي صلاته، لعلها تمنحه بعض الطمأنينة والراحة.
بعد أن أنهى صلاته، عاد إلى سريره محاولًا الحصول على بعض الراحة.
__________**
كانت جالسة تراقب الجميع وهم يتحركون هنا وهناك، وضعت يدها أسفل ذقنها وهي تطلق تنهيدة طويلة، لتلتفت إليها مروة بعقد حاجبيها باستغراب:
- بيسان، لماذا تجلسين هكذا؟
التفتت إليها بيسان وهي تتنهد، ثم أرجعت رأسها للخلف:
- ماذا تريدين مني أن أفعل؟ هل تعلمين شيئًا يا خالتي؟ أنا نادمة على موافقتي بالذهاب... كيف لنا أن نذهب مع أشخاص لا نعرفهم؟
جلست مروة بجانبها، كانت تعلم أن الأمر ليس سهلًا عليها، لكنها كانت ترى فرحة نيسان التي تستحق المحاولة:
- بيسان، الطبيب أراد فقط أن يُدخل بعض البهجة إلى قلب نيسان... ثم من قال لكِ إنني كنت موافقة على الأمر؟ لولا سعادتها وحماسها لما وافقت.
صمتت قليلًا ثم تابعت بحنان:
- لكنني رأيت حماسها، ورأيت السعادة في عينيها... لم أرها سعيدة بهذا الشكل منذ قدومكم إلى هنا.
وضعت يدها على يد بيسان:
- كما أنك سمعتِ الطبيب، يجب ألا تحزن نيسان، فالحزن يؤثر عليها قبل العملية.
أطلقت بيسان تنهيدة عميقة، وكأنها تحمل ثقلًا كبيرًا في قلبها، لتربت مروة على قدمها بحنان:
- بيسان، من أجل أختك تحملي قليلًا... أعلم أن الأمر صعب عليكِ، خصوصًا أنك كنتِ معجبة به ولا تريدين أن يعود قلبك للتعلق به.
نظرت إليها بيسان بصمت، لتكمل مروة:
- فقط تجنبيه ولا تنظري إليه كثيرًا... لكنني لا أريد أن أعلق قلبك بأوهام، رغم ذلك أخبرتني نيسان أنه سألها عن طبيعة علاقتك بعمر.
عقدت بيسان حاجبيها باستفهام:
- ماذا تقصدين خالتي؟
حركت مروة كتفيها بعدم فهم:
- لا أعلم، لكنها أخبرتني أنه أخرج عمر من الغرفة وسألها إن كنتِ متزوجة منه أو مخطوبة له.
نظرت بيسان إليها بتمعن:
- هل تمزحين؟ وما معنى هذا؟
ابتسمت مروة وهي تنهض من مكانها:
- معناه أن تذهبي وتتجهزي.
ظلت بيسان تفكر بما أخبرتها به خالتها، حتى أفاقت على يد نيسان التي وضعتها على خدها.
ابتسمت لها وقبلت جبينها بحنان:
- ماذا تريدين يا حلوتي؟
نظرت إليها نيسان بحزن خفيف:
- لماذا لم تجهزي نفسك؟ ألا تريدين الذهاب؟
أمسكت بيسان وجهها بين كفيها وقبلت جبينها:
- من أخبرك بذلك؟ بالطبع أريد الذهاب لرؤية المهر الصغير.
صفقت نيسان بسعادة ثم قبلتها:
- هيّا اذهبي بسرعة، لقد جهزت نفسي... انظري إلى الملابس التي أحضرتها لي.
نظرت بيسان إليها بسعادة؛ فقد أطلقت نيسان العنان لشعرها وزينته بقبعة تحميها من الشمس، وكانت ترتدي قميصًا أبيض وشورتًا من خامة الجينز وحذاءً رياضيًا أبيض.
ابتسمت بيسان لها:
- سوف أذهب لأتجهز، لن أتأخر.
أمسكت نيسان بطرف فستانها المنزلي:
- ارتدي مثلي.
اتسعت عينا بيسان بصدمة، فسارعت نيسان بتوضيح قصدها:
- أقصد نفس الألوان فقط.
أطلقت بيسان زفيرًا مرتاحًا وأومأت لها بالموافقة.
بعد فترة، كان السائق قد أوصلهم إلى المزرعة، لينزل منها باحترام ويفتح لهم الأبواب.
ترجلوا من السيارة وهم ينظرون بإعجاب إلى المكان، فقد بدت المزرعة فخمة وواسعة، تحيط بها الطبيعة من كل جانب.
اقترب آدم منهم مرحبًا بابتسامة:
- أهلًا وسهلًا بكم، سعدت بقدومكم.
مد عمر يده إليه ليبادله السلام:
- أهلًا بك دكتور آدم.
ابتسم آدم قليلًا ثم هز رأسه باعتراض لطيف:
- لو سمحت، بدون ألقاب... آدم فقط.
ابتسم عمر وهو يحمل نيسان على كتفه:
- كما تشاء يا آدم.
انتقل نظر آدم إلى غزل التي كانت ترتدي فستانًا باللون الأزرق الفاتح وحجابًا زهريًا، فسرعان ما أبعد عينيه عنها ونظر إلى مروة بابتسامة عريضة:
- أهلًا بكِ خالتي.
نظرت إليه مروة بتقييم من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، مما جعل القلق يتسلل إلى آدم، فتقدمت بيسان قليلًا وهمست لها:
- خالتي، ما بكِ؟ الطبيب يرحب بكِ.
أومأت مروة له بابتسامة:
- أهلًا بك بني.
وضع آدم يده خلف رأسه بحماس:
- أهلًا بكِ، أعدكم أن يكون اليوم رائعًا.
ابتسمت مروة وهي تنظر إلى غزل التي بدا عليها الخجل:
- نعم، سيكون رائعًا جدًا... لا سيما أنك موجود بصحبتهم.
ابتسم آدم بسعادة، وقبل أن يجيبها ارتفع رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة ليجد عامر، فأشار إليهم بالجلوس على المقاعد القريبة ثم ابتعد قليلًا وأجاب:
- مرحبًا عامر.
جاءه صوت عامر وهو يضع الإبريق على النار:
- هل وصلوا؟
ابتعد آدم عنهم ونظر نحو نافذة المنزل الموجود في المزرعة:
- انظر من النافذة وستعرف إن كانوا وصلوا أم لا.
عقد عامر حاجبيه باستغراب، ثم توجه بنظره نحو النافذة القريبة منه، ليرى الجميع جالسين.
خرجت منه تنهيدة مليئة بالراحة عندما وقعت عيناه على بيسان وهي تشرب الماء.
انتبه إلى صوت آدم على الطرف الآخر:
- إلى أين ذهبت يا رجل؟ أنا أحدثك منذ فترة.
ابتعد عامر عن النافذة وأغلق النار:
- أنا قادم يا آدم، سأخبر والديّ بذلك... حسنًا.
أجابه آدم وهو ينظر إلى غزل التي كانت تضحك مع عمر:
- حسنًا عامر، خذ راحتك.
بعد دقائق، خرج عامر وهو يسند والدته على يده.
اقترب منهم، لكنه توقف للحظة عندما رأى بيسان واقفة تحاول ربط شعر نيسان التي كانت تجلس على كتفي عمر.
تأملها بصمت، ثم خرجت منه تنهيدة هادئة عندما لاحظ أنها ترتدي ملابس مشابهة لأختها؛ تنورة من خامة الجينز مع حذاء رياضي أبيض وقميص أبيض تعلوه سترة من نفس الخامة، وحجاب أبيض يزيدها هدوءًا.
انتبه إلى والدته وهي تضغط على يده، فعاد إلى سيره بعد أن منحها ابتسامة مطمئنة.
وصل إليهم، فنهض عمر بعد أن أنزل نيسان ليبادله التحية.
وبعد أن أجلس والدته، نظر إليهم عامر بسعادة وانحنى ليحمل نيسان:
- أهلًا بكم هنا، لقد سعدت حقًا بمجيئكم.
ثم التفت إليها وقبل خدها بحنان:
- وأهلًا بكِ يا حلوتي.
عانقته نيسان وقبلت خده الآخر:
- أهلًا بك.
نظرت غزل إلى عامر ثم اقتربت من بيسان وهمست لها:
- بيسان، انظري إلى عامر... إنه يرتدي مثل ملابسك يا فتاة.
نظرت بيسان إليه، فوجدته يرتدي بنطالًا من الجينز وقميصًا أبيض وحذاءً رياضيًا أبيض، ثم أعادت نظرها سريعًا إلى غزل بخجل بعدما رأته ينظر إليها:
- ماذا بها؟
غمزت لها غزل وهي تبتسم:
- أعلم أنكِ لن تعترفي، لكن القلوب تشعر بمن تحب.
نظرت إليها بيسان من طرف عينها وحركت رأسها يمينًا ويسارًا بقلة حيلة.
كانت نادية تتحدث مع مروة بابتسامة:
- لقد تشرفت بمعرفتكِ سيدة مروة، وأرجو أن يكون اليوم جميلًا.
بادلتها مروة الابتسامة:
- الشرف لي يا سيدة نادية، سعدت بمعرفتكِ.
ثم التفتت نادية نحو الفتاتين:
- أهلًا بكما يا فتيات.
أجابتاها باحترام:
- أهلًا بكِ يا خالة.
التفت عامر نحو نيسان مبتسمًا:
- هل تريدين ركوب الخيل؟
أومأت نيسان بسعادة.
ابتسمت نادية لها بحنان:
- هل تحبين ركوب الخيل يا ابنتي؟
لم تسمعها نيسان، فنزلها عامر من على كتفه وأجلسها بجانبه، ثم التفت إلى بيسان:
- بيسان عزيزتي، هذه الخالة هي والدتي.
وجهت بيسان أنظارها نحو نادية، التي كان الحنان واضحًا في ملامحها.
ابتسمت نيسان لها، ثم مدت يدها لتقبلها.
وضعت نادية يدها على شعرها وانحنت لتقبل رأسها:
- كيف حالكِ يا نيسان؟ أليس اسمكِ نيسان أيضًا؟
أومأت لها بابتسامة.
ابتسم عامر ثم عاد ليسألها:
- أخبريني، هل تحبين ركوب الخيل؟
نظرت إليه نيسان، وقد ظهر الحزن على ملامحها:
- أحب ركوب الخيل، لكنني لم أشاهد خيلًا من قبل حتى أمتطيه.
نظر عامر إلى الجميع محاولًا فهم سبب تغير ملامحها، فتحدثت بيسان لأنها كانت تجلس مقابلها:
- إنها تخبركم أنها تحب ركوب الخيل، لكنها لم تمتطِ خيلًا من قبل.
نظرت نادية إلى نيسان ثم همست لعامر:
- بني، هل هي بكماء؟
شعر عامر بالإحراج لأن الجميع ربما سمعها، فأجابها بنفس الهمس:
- أمي... فيما بعد.
ثم أعاد نظره إلى نيسان مبتسمًا بطريقة مرحة:
- هل تعلمين سرًا؟ عندما كنت صغيرًا في عمرك، لم أمتطِ الخيل لأنني كنت أخاف منه، لكن عندما كبرت قليلًا أحببته كثيرًا... وحتى الآن هو صديقي.
نظرت إليه نيسان باستغراب:
- كيف يكون صديقك؟
وقف عامر وأمسك بيدها:
- هل تريدين رؤيته؟
أومأت بسعادة.
نظر إلى الجميع:
- خذوا راحتكم، وإن أردتم مشاهدة المزرعة فتفضلوا.
نهض آدم خلفه ونظر إلى عمر:
- تعال معنا حتى يأخذوا راحتهم.
بعد أن ذهب الرجال، نظرت نادية إلى بيسان الجالسة بخجل، وابتسمت في داخلها.
حقًا... إنها فتاة جميلة ومهذبة، تدخل القلب بسرعة.
ثم التفتت إلى مروة:
- هل الجميلتان ابنتاكِ؟
ابتسمت مروة وهي تشير إلى غزل:
- هذه غزل ابنتي، وهذه بيسان ابنة أختي وابنتي بالرضاعة.
ابتسمت نادية لهما ثم سألت بيسان:
- في أي مرحلة تدرسين؟
أجابتها بيسان بابتسامة:
- لقد انقطعت عن الدراسة بعد انتهائي من سنتي الثانية.
ظهر الحزن والتعجب في ملامح نادية:
- كيف هذا ابنتي؟ ألم تكملي تعليمكِ؟
تدخلت مروة لتخفف عنها:
- مرت بظروف صعبة، لم يبقَ لها سوى سنتين جامعيتين، لكنها ستكمل إن شاء الله.
ابتسمت نادية بإحراج:
- ظننت أنكِ لم تدخلي الجامعة.
بادلتها بيسان الابتسامة:
- لا عليكِ يا خالة.
نظرت نادية إلى ملامحها متأملة:
- لكن لا يبدو عليكِ أنكِ في عمر العشرين.
ضحك الجميع، فنظرت إليهم نادية باستغراب، لتجيبها بيسان بعد أن هدأوا:
- عمري اثنتان وعشرون سنة يا خالة.
ضحكت نادية وهي تلتفت نحو جمال الذي كان يرتكز على فداء:
- لقد أتى أبا عامر وابنة أخيه فداء.
استدارت بيسان إلى الخلف، لتقع عيناها على تلك الفتاة التي التقتها سابقًا في المشفى، لم تُبدِ أي ردّة فعل، بل أعادت بصرها إلى الأمام سريعًا، محاولةً تجاهل الأمر، قبل أن ترسم ابتسامة خافتة لغزل، التي شدّت برفق على يدها في محاولةٍ لطمأنتها.
جلس جمال في مكانه، غير أنّ نظراته بقيت معلّقة على بيسان، يتأملها بصمتٍ طويلٍ أربكها كثيرًا، راحت تبحث بعينيها عن أي شيءٍ تهرب إليه، تتلفت في جميع الاتجاهات لتتجنب تلك النظرات الثاقبة التي جعلت قلبها يخفق بتوتر.
نهضت على عجل، محاولةً إنهاء ذلك الموقف الخانق:
- سوف أذهب إلى نيسان... تعالي معي يا غزل.
أطاعتها غزل فورًا، وما إن همّتا بالمغادرة حتى بادرت فداء بلطف:
- دعوني أرافقكما، سأساعدكما في الوصول إليهم والبحث عنهم.
ابتسمت لها بيسان امتنانًا، بينما أطبقت غزل شفتيها بعدم رضا، لكنها آثرت الصمت.
سارت فداء بجانبهما، ثم التفتت إليهما بفضول:
- هل أنتما صديقتا عامر؟
شدّت غزل على شفتيها بعصبيةٍ حاولت إخفاءها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة وهي تجيب:
- إنه صديق أخي، وقد عرض علينا المجيء إلى هنا.
تأملتهما فداء بنظرةٍ حملت شيئًا من المكر، ثم عرّفت بنفسها بثقة:
- دعاني أعرفكما بنفسي، أنا فداء، ابنة عم عامر وخطيبته، وسنقيم حفل الخطوبة قريبًا، وأنتما؟
اتسعت عينا بيسان وغزل بصدمةٍ واضحة، حتى شعرت بيسان وكأن شيئًا انغرس في قلبها دفعةً واحدة، احتاجت إلى لحظاتٍ حتى استعادت رباطة جأشها، ثم أجابت بابتسامةٍ شاحبة أخفت خلفها الكثير:
- أنا بيسان، وهذه غزل ابنة خالتي... ومباركٌ لكما.
تابعت فداء سيرها وهي تشير إلى الجهة اليمنى وكأنها لم تحطم قلبًا خلفها:
- هنا مكان الخيول... وفي هذا المكان تتدرب.
لم تكن بيسان تسمع شيئًا مما يقال، كان عقلها مشوشًا بالكامل، حتى رفعت رأسها فرأت عامر يمتطي الحصان، بينما تجلس نيسان أمامه تضحك بسعادة.
أسرعت فداء بخطواتها حتى وقفت خلف السياج، ولوّحت بيدها:
- مرحبًا يا عامر.
استدار عامر نحو الصوت، فأبطأ سرعة الحصان حتى توقف، ثم هبط إلى الأرض بخفة، وما إن وقع بصره على بيسان حتى تجمّد مكانه لثوانٍ.
كانت تقف بصمتٍ غريب، وملامحها باهتة على غير عادتها، انعقد حاجباه بقلق، هل حدث لها شيء؟ هل ضايقها والده أثناء الحديث؟
كان غارقًا في أفكاره، حتى أعاده صوت فداء إلى الواقع وهي تتذمر:
- ألا تسمعني يا عامر؟
رمش عدة مرات، ثم التفت إليها معتذرًا:
- عذرًا... ماذا كنتِ تقولين؟
زفرت بضيق وهي تعقد ذراعيها:
- كنت أخبرك أن تُخرج لي "لوز"، لقد اشتقت إليه كثيرًا.
أومأ لها بشرود، لكنه لم يستطع صرف نظره عن بيسان، قفز فوق السياج واتجه إليها مباشرة، تعمد إصدار صوتٍ خفيف حتى تنتبه لوجوده، وقد كان رفعت رأسها إليه للحظة، ثم عادت تخفض عينيها سريعًا.
وقف أمامها وقد امتلأت ملامحه بالقلق:
- آنسة بيسان... هل هناك مشكلة؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!