حين يعود الأمل من بين الركام
---
قبل ذلك الوقت، كان سامي قد استطاع تحديد موقع المنزل بدقة من خلال تتبع إشارة هاتف شادي، بعدما وصل هو وعامر وآدم إلى المكان قبل قليل.
هبط سامي من السيارة بخطوات حذرة، وعيناه تتفقدان المكان بترقب شديد، ليلتفت إلى عمر الذي ترجل من السيارة خلفه، مخاطبًا إياه بجدية:
- كن على حذر أستاذ عمر، لا بد أن كاميرات المراقبة تعمل بشكل جيد.
بعد لحظات، تقدم أحد أفراد الأمن منهم وهو يحمل لوحًا إلكترونيًا بين يديه، وانحنى قليلًا باحترام قبل أن يتحدث:
- احترامي سيدي، يمكننا الآن تعطيل كاميرات المراقبة بعد أن دخلت إلى النظام الخاص بها، ومن ثم إعادة تفعيلها مرة أخرى والتحكم بها من هنا.
أومأ سامي له بالموافقة، ثم تفقد سلاحه بحذر، بينما وضع الرجل اللوح الإلكتروني فوق مقدمة السيارة وبدأ بتنفيذ مهمته.
ظل سامي يراقب الشاشة أمامه بتركيز شديد، حتى ظهرت له صورة واضحة للمكان من الداخل والخارج، ليرتسم على وجهه شيء من الانتصار بعدما نجحت خطتهم الأولى.
نظر إلى عمر بابتسامة هادئة:
- لقد نجحنا في أول خطوة للوصول إلى الداخل.
اقترب عمر من الشاشة ينظر إليها بقلق، فرأى المنزل المحاط بعدد كبير من المسلحين المنتشرين في أماكن مختلفة، ليزداد توتره وهو يتخيل ما قد يحدث للذين بداخله.
أما سامي فظل يدرس المكان بعين خبيرة، يحاول إيجاد طريقة للدخول دون إثارة الانتباه أو إطلاق أي إنذار.
بعد لحظات، أشار إلى مجموعة من الرجال الواقفين بجانبه، فأعطاهم قائد المجموعة أمرًا بالتسلل من الخلف بهدوء وانتظار التعليمات.
ركز سامي نظره على الشاشات أمامه، ثم توقف فجأة عندما لمح ثلاثة أشخاص خلف المنزل.
رفع يده ليوقف المجموعة فورًا، التفت عمر نحوه بتركيز، ثم اقترب من الشاشة ليدقق النظر، هتف عمر بسعادة لم يستطع إخفاءها:
- إنه عامر وآدم... أما الثالث فلا يظهر جيدًا.
أومأ سامي برأسه، ثم أعطى أمره للمجموعة بالتقدم نحوهم بحذر حتى لا يفزعوهم، مع ضرورة طمأنتهم فور الوصول إليهم.
في تلك اللحظة، شعر عامر بوجود حركة غير طبيعية حوله، فرفع سلاحه بسرعة باتجاه القادمين، رفع قائد المجموعة يديه باستسلام وهو يتحدث بهدوء:
- لا تقلق، نحن أفراد الأمن الداخلي.
ثم مد يده إليه ليطمئنه:
- تفضل.
ظل عامر حذرًا للحظات، قبل أن يأخذ الجهاز اللاسلكي منه، وفجأة جاءه صوت عمر عبر الجهاز:
- عامر، لا تقلق، أنا عمر... والذين أمامك أفراد أمن.
تنفس عامر براحة بعدما سمع صوته، ثم نظر نحو شادي الذي بدا عليه الارتباك، وسأل بصوت منخفض:
- عمر، هل معك أحد من أفراد الشرطة؟
نظر عمر نحو سامي قبل أن يجيبه:
- أجل، إنه الضابط سامي من فريق المخابرات الدولية.
أشار عامر إلى آدم الذي كان يقف بجانبه مبتسمًا براحة، ثم طلب:
- هل بإمكانك أن تعطيه الجهاز اللاسلكي؟
أجابه عمر مؤكدًا:
- أجل، إنه معك، تفضل.
تحدث سامي بصوت عملي عبر الجهاز:
- أهلًا أستاذ عامر.
أخذ عامر نفسًا عميقًا قبل أن يجيبه:
- أهلًا بك، إنني أريد...
قاطعه سامي بهدوء:
- لا تقلق، سوف أجيبك عن كل الأسئلة التي تدور في رأسك.
توقف قليلًا قبل أن يكمل:
- أولًا، أنا مخلص لعملي وبلدي ولأبنائه الأبرياء، ثانيًا، كيف استطعت الوصول إلى هنا؟ الأمر بسيط، عن طريق تتبع إشارة هاتف شادي.
صمت قليلًا ثم تابع:
- نحن نقوم بوضع جهازين للتتبع، الأول نخبر به الشخص الملتحق لدينا، أما الثاني فيبقى مخفيًا ولا يعلم به أحد، خوفًا من قيام أحد الأفراد بالخيانة، لكن ما لا يعلمه شادي أنني كنت أشك به منذ البداية عندما قام بتعطيل الجهاز.
ثم أضاف بهدوء:
- أتمنى أن أكون قد أجبت عن أسئلتك.
شعر عامر براحة كبيرة بعد سماعه التوضيح، فأجاب:
- أجل، شكرًا لك.
نظر سامي إلى هاتفه، ثم سأل:
- أظن أن شادي بجانبك، أليس كذلك؟
أومأ عامر وهو ينظر إلى شادي:
- هذا صحيح، لكن أخبرني... هل لديك فكرة أو خطة للدخول إلى الداخل؟
ابتسم سامي بثقة:
- لقد وضعت خطة قبل أن أشاهد شادي بجانبكم، لكن الآن خطرت لي فكرة أخرى.
نظر إليه عامر باهتمام:
- أخبرني بها.
وجّه سامي حديثه إلى الضابط رامي الواقف أمام عامر:
- يمكنك يا رامي إخراج الحزام الناسف من خلف ظهرك، ووضعه حول شادي.
اتسعت عينا شادي بصدمة وهو يستمع إلى الحديث، فلم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذه المرحلة، كان يعلم أن مصيره قد يكون السجن المؤبد أو الإعدام بعد انكشاف خيانته، لكنه لم يتوقع أن يستخدموه بهذه الطريقة.
انتبه إلى نظرات سامي فأدرك خطورة الأمر، لكنه قبل أن يتحدث أسرع عامر ووضع سلاحه بجانب رأسه محذرًا:
- اصمت ولا تتحدث... دعه يكمل.
اقترب رامي منه وبدأ بتثبيت الحزام حول جسده بإحكام، بينما أكمل سامي حديثه:
- والآن يا رامي، قم بتشغيل الجهاز الخاص به، وأبقِه معك، ثم أخفِ الحزام جيدًا داخل ثيابه.
ثم وجه حديثه إلى شادي بعدما انتهى رامي:
- والآن شادي، سوف تذهب إلى الحراس وتخبرهم أن يأتوا معك إلى الداخل، وإذا حاولت المراوغة، سيضغط رامي على الجهاز الموجود بيده... ولن أخبرك ماذا سيحدث بعدها.
ساد الصمت للحظات قبل أن يرفع شادي نظره متحديًا:
- نعم، أعلم النهاية سامي... لكنني لن أفعل ما تأمرني به.
ابتسم سامي وكأنه توقع إجابته:
- ولماذا يا شادي؟
أجاب شادي بثقة زائفة:
- لأنك لا تملك أي دليل يدينني، وبذلك تكون قد ارتكبت جريمة ستعاقب عليها.
نظر سامي إليه بتفكير قبل أن يجيبه:
- هذا صحيح... ليس معي دليل يدينك، لكنني أعلم أنك تعمل لصالح شبكة تابعة للمافيا... أليس هذا كافيًا؟
هز شادي رأسه نافيًا:
- لا، ليس كافيًا دون وجود دليل.
في تلك اللحظة، أدرك عامر ما يريده سامي، فوجه حديثه إلى شادي:
- لكنك تقر بأنك تعمل معهم.
ابتسم شادي بغرور دون أن ينتبه إلى فخ كلماته:
- نعم، لا أنكر ذلك... بل إنني كنت أسهل لهم أغلب أعمالهم بسبب مكانتي، وأعلم أيضًا من هو الرئيس... رغم أنهم يظنون أنني لا أعرفه.
اتسعت عينا عامر بصدمة:
- حقًا؟ من هو؟ أخبرني.
ابتسم شادي بسخرية:
- هذا كثير عليكم.
ضغط سامي زر التسجيل في الجهاز، ثم ابتسم بهدوء:
- نعم، هذا كثير جدًا... لكن الآن أصبح معنا دليل مسجل يدينك.
فتح شادي عينيه بصدمة بعدما أدرك خطأه، وأدرك متأخرًا أنه وقع في الفخ الذي نصبه بنفسه.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
وقف شادي للحظات وهو يحاول استيعاب ما حدث، فقد أدرك أن الكلمات التي نطق بها بثقة كانت كافية لتصبح دليلًا ضده.
تقدم عامر منه وأمسك بذراعه يدفعه نحو الحراس، بينما سار شادي أمامه بخطوات مترددة، يخفي خلف هدوئه توترًا كبيرًا.
وصلوا إلى مكان الحراس، وما إن رأوه حتى رفعوا أسلحتهم باتجاهه بحذر، لكن قائدهم أسرع بإشارة منه يأمرهم بخفضها، ثم تحدث باحترام:
- مرحبًا بك سيد شادي.
أخذ شادي نفسًا عميقًا، محاولًا التماسك، ثم سأل:
- هل شريف بالداخل؟
أجابه قائد الحرس باحترام:
- أجل سيدي.
تقدم شادي نحو الداخل، لكنه توقف للحظة بعدما تردد في تنفيذ أوامر سامي، فصوت الخوف على والدته كان أقوى من كل شيء، في تلك اللحظة جاءه صوت سامي عبر جهاز التواصل الصغير:
- ارجع إليهم شادي، وأمرهم بالدخول معك... ولا تعصِ الأوامر مرة أخرى.
توقف شادي مكانه، ثم استدار نحو الحراس محاولًا اتخاذ قراره، قبل أن يخرج صوته متوترًا:
- أيها الحراس... إن رجال الشرطة قد أحاطوا بالمكان.
نظر الحراس إلى بعضهم بقلق، ليقرر شادي إظهار الحزام الذي يخفيه حول جسده، كان يعلم أنه يخاطر بحياته، لكنه كان يخشى على والدته أكثر من خوفه على نفسه، وصل صوت سامي غاضبًا عبر الجهاز:
- ماذا فعلت أيها الأحمق؟
ابتعد الحراس بسرعة بعدما شاهدوا الضوء الأحمر يضيء على الجهاز، معلنًا بدء العد التنازلي، تأهب الجميع، بينما بدأت مجموعات الشرطة بالتقدم نحو المكان، واندلع الاشتباك بعد أن أُطلقت الرصاصات في جميع الاتجاهات.
في الخارج، أمسك آدم بذراع عامر محاولًا منعه من التقدم:
- ماذا تفعل عامر؟ لا تتهور... دعهم يقومون بعملهم.
لكن عامر لم يستطع التفكير إلا ببيسان، فكل ثانية تمر كانت تزيد خوفه عليها.
- لا أستطيع الانتظار أكثر من هذا آدم... إن بيسان بالداخل.
ترك يد آدم وتحرك بسرعة نحو المنزل، فلحق به الآخر وهو يراقب المكان بحذر خوفًا من ظهور أحد أفراد العصابة.
تمكن عامر من إطلاق النار على حارسين ظهرا أمامه، ثم دلف إلى المنزل بخطوات حذرة، يبحث بعينيه في كل زاوية عن بيسان.
لم يجدها في الطابق الأول، فصعد إلى الطابق الثاني وهو يزداد قلقًا، توقف فجأة عندما وصل إليه صوت صراخ آدم، تلاه صوت إطلاق نار.
عاد عامر نحوه بسرعة، ليجده واقفًا وهو يتفقد نفسه بعدما أطلق النار على أحد الحراس.
اقترب منه بقلق:
- هل أنت بخير؟ هل أصبت؟
أجابه عامر بصوت ضعيف وهو يحاول متابعة بحثه:
- آدم... أرجوك اذهب وابحث عنها في الطابق الثالث.
نظر إليه آدم بقلق:
- أجبني أولًا، هل أنت مصاب؟
لكن عامر ابتعد عنه وهو يكمل طريقه:
- أرجوك آدم... اذهب وابحث عنها.
نظر آدم إليه بحيرة، لكنه صعد نحو الطابق الثالث يبحث عن بيسان، بينما تابع عامر تفتيش الغرف الموجودة بالطابق الثاني.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في الوقت الحالي، كان عمر قد دلف إلى الغرفة بعد أن وصل إلى مكان عامر، لكنه توقف مصدومًا عندما رأى المشهد أمامه.
كانت بيسان تضع رأسها على صدر عامر، بينما كان جسده ساكنًا كأنه فقد كل طاقته، اقترب منها عمر بخوف، ووضع يده على كتفها محاولًا الاطمئنان عليها.
رفعت بيسان وجهها إليه، وكانت الدموع تغرق ملامحها، لتتحدث بصوت ضعيف يكاد يختفي:
- عمر...أنقذ عامر أرجوك...
ثم استسلمت للظلام الذي كان يحيط بها، وفقدت وعيها، أسرع عمر بسحب غطاء السرير ولفه حولها، ثم حملها بين ذراعيه وهو ينادي آدم بصوت مرتفع:
- آدم! تعال إلى هنا بسرعة، لا تقف كأنك حجر!
اقترب آدم مسرعًا، وما إن رأى عامر غارقًا في دمائه حتى انحنى بجانبه يتفقد نبضه، ثم بدأ بمحاولة إسعافه.
أما عمر فأخرج هاتفه واتصل بالإسعاف، وأرسل لهم الموقع، ثم أمسك بيد بيسان التي كانت بين ذراعيه وهو يسأل آدم بقلق:
- ما به آدم؟ هل هو بخير؟
رفع آدم عينيه الممتلئتين بالخوف:
- لا أعلم... لا أعلم، أرجوك أحضر الإسعاف.
أجابه عمر محاولًا تهدئته:
- لقد اتصلت بهم آدم، إنهم في الطريق.
بعد فترة قصيرة، وصل سامي برفقة رجال الإسعاف، الذين أسرعوا بوضع عامر على النقالة بحذر شديد.
صعد آدم معه إلى سيارة الإسعاف، بينما حمل عمر بيسان ووضعها في السيارة الأخرى، وانطلقوا جميعًا نحو المشفى.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد وقت طويل بسبب بُعد المنزل عن مركز المدينة، وصلت سيارات الإسعاف إلى المشفى، أسرعت الممرضات بأخذ بيسان من بين يدي عمر، وظل يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف باب الغرفة، أرسل رسالة إلى غزل يخبرها بما حدث ويطلب منها الحضور.
بعد عدة ساعات، خرج آدم من غرفة العمليات وملامح الانهيار واضحة عليه.
اقترب منه عمر بقلق:
- ما الأمر آدم؟
نظر إليه آدم بعينين ممتلئتين بالدموع:
- لا أستطيع إنقاذه... لا أستطيع الإمساك بالأداة جيدًا... لقد أُصيب بجانب قلبه، بالإضافة إلى أنه فقد كمية كبيرة من الدماء.
وضع عمر يده على كتفه محاولًا دعمه:
- لا تقلق آدم... هذا بسبب التوتر والخوف. اذهب وبدل ثيابك، وسوف يكون بخير بإذن الله... عامر كالجبل.
في تلك اللحظة وصلت غزل وهي تلتقط أنفاسها، وملامح القلق تملأ وجهها:
- أخبرني عمر... ماذا حدث؟
نظر عمر إلى والدته وأحلام، لكن غزل أسرعت بالسؤال:
- لا تنظروا إليّ، أخبرني ماذا حدث... هل بيسان بخير؟
أومأ عمر برأسه، وفي تلك اللحظة خرجت الممرضة من غرفة بيسان، توجه إليها عمر بسرعة:
- أخبريني، كيف حالها الآن؟
أجابته الممرضة بهدوء:
- لا تقلق، لقد انخفض ضغطها مما أدى إلى إغمائها، لكنها بخير... دقائق وستستيقظ.
أسرعت غزل بالدخول إليها، لتجد بيسان ممددة على السرير وآثار البكاء واضحة على وجهها..
بعد لحظات دلفت أحلام وهي تحاول كتم دموعها، فتقدمت منها غزل وأشارت لها بالاقتراب، تقدمت أحلام ببطء، تنظر إلى بيسان بشوق وألم، ثم أخذت نفسًا عميقًا وانحنت تقبل جبينها بحنان أم حرمت من طفلها.
ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها، وجلست بجانبها بصمت وحزن، بعدها اقترب عمر وجلس على الكرسي، ثم تحدث بتنهيدة:
- لا تقلقوا، إنها بخير... سوف أذهب وأنتظر أمام غرفة عامر. لقد أُصيب وهو يحاول إنقاذ بيسان... ادعوا له.
---
بعد عدة دقائق، بدأت بيسان تستعيد وعيها ببطء، فرفرفت عيناها وهي تنظر أمامها بتشوش، قبل أن تتذكر ما حدث.
اعتدلت بسرعة وهي تبحث بعينيها في المكان، وكأن أول شيء خطر في ذهنها هو عامر.
اقتربت منها أحلام بقلق عندما لاحظت اضطرابها:
- هل أنتِ بخير ابنتي؟
نظرت إليها بيسان وعيناها تمتلئان بالدموع، ثم خرج صوتها مرتجفًا:
- عامر... أين هو؟ هل حصل له شيء؟
اقتربت غزل منها واحتضنتها بحنان محاولة تهدئتها:
- إنه في غرفة العمليات منذ عدة ساعات، لا تقلقي بيسان... سيكون بخير.
وضعت بيسان قدميها على الأرض محاولة الوقوف، لكن التعب كاد أن يسقطها، فأسرعت غزل بالإمساك بها وهي تعاتبها:
- اجلسي بيسان، إنك ما زلتِ متعبة.
نظرت إليها بيسان برجاء ودموعها تنهمر:
- أريد الذهاب إليه أرجوكِ غزل.
هزت غزل رأسها بحزن:
- لا يا بيسان، أنتِ متعبة... عندما تتحسنين ستذهبين إليه.
التفتت بيسان نحو مروة، وكأنها تبحث عن مساعدة منها:
- خالتي أرجوكِ...
نظرت إليها مروة بحزن وهي ترى ألمها:
- لا تقلقي، سيكون بخير... الأطباء يقومون بعملهم.
في تلك اللحظة فتح عمر الباب، وما إن رأته بيسان حتى أسرعت نحوه رغم ضعفها.
اقتربت منه بلهفة:
- عمر... عمر، كيف عامر؟ هل هو بخير؟
نظر إليها عمر بحزن، ثم أجابها بصوت هادئ:
- وضعه صعب للغاية... وحتى آدم، الطبيب، خرج لأنه لم يستطع الاستمرار وهو يراه بهذا الحال.
ازدادت دموع بيسان وهي تتمسك بأملها:
- أريد أن أذهب وأراه.
حاول عمر منعها:
- لا، ما زلتِ متعبة... تعالي معي.
لكنها أفلتت يدها منه بإصرار:
- سأذهب ولن يمنعني أحد.
تدخلت أحلام وهي ترى إصرارها:
- خذها يا عمر، أنتم تتعبونها أكثر هكذا.
نظرت بيسان إليها بابتسامة امتنان، بينما تنهد عمر باستسلام، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه بعدما وضعت غزل الحجاب على رأسها.
تقدم بها نحو غرفة العمليات، حيث كان آدم يستند برأسه إلى الحائط من شدة التعب والقلق، أجلسها عمر على الكرسي، ثم اقترب من آدم مخاطبًا إياه:
- ما بك آدم؟ كن على يقين أنه سيعود إليك سالمًا بإذن الله.
لكن آدم لم يستطع الرد، فقد كان ينظر عبر الزجاج إلى الداخل، حيث يحاول الأطباء إنقاذ عامر، اقترب أكثر من النافذة، بينما وقفت بيسان بسرعة رغم الدوار الذي اجتاحها، تنظر إلى عامر الموصول بالأجهزة الطبية.
كان جسده ساكنًا، وأحد الأطباء يحمل جهاز الصدمات محاولًا إنعاشه، وضعت بيسان يدها على فمها تكتم شهقتها، وانهمرت دموعها وهي تدعو الله أن ينجوه.
في الداخل، تحدث أحد الأطباء بتوتر:
- لقد توقف قلبه... إننا نفقده.
أجابه الطبيب الآخر وهو يحاول السيطرة على الوضع:
- لقد أخرجنا الرصاصة، لكنه فقد كمية كبيرة من الدماء... علينا أن نسيطر على الوضع.
أما بيسان فكانت تهمس بدعاء مرتجف:
- يا الله... أرجعه سالمًا بقدرتك، يا من تملك كل شيء.
بعد عدة محاولات، أخذ آدم نفسًا عميقًا عندما رأى نبضات القلب تعود من جديد، احتضن عمر بسعادة كبيرة، بينما تنفست بيسان براحة وهي تغمض عينيها شاكرة لله.
خرج الطبيب وهو يبعد الكمامة عن وجهه، وملامح الارتياح واضحة عليه:
- إنه بخير الآن، اطمئن آدم... وسيستيقظ غدًا بإذن الله.
ابتسم آدم بسعادة:
- شكرًا لك حقًا.
وضع الطبيب يده على كتفه:
- نحن نقوم بعملنا يا آدم... ولا تنسَ أن لعامر فضلًا كبيرًا علينا.
ابتسم آدم بامتنان:
- شكرًا لك مرة أخرى.
اقتربت غزل من بيسان التي كانت تراقب من بعيد، واحتضنتها بسعادة:
- لقد أصبح بخير بيسان... ابتسمي.
مسحت بيسان دموعها وهي تبتسم للمرة الأولى:
- نعم... لقد أصبح بخير. لم أكن سأسامح نفسي لو أصابه مكروه بسببي.
اقترب عمر منهم:
- هيا بيسان، لقد اطمأننتِ عليه... تعالي لترتاحي.
أومأت له بطاعة:
- حسنًا.
---
في صباح اليوم التالي، كانت بيسان تقف أمام غرفة عامر بعد أن أدت فرضها، تنظر إليه من خلال الزجاج بحب وقلق.
كانت كلمات الأمس تعود إلى ذهنها...هل سمع اعترافها؟ هل وصل إليه صوتها؟ قطع أفكارها تحرك أصابع عامر، فاتسعت عيناها بسعادة، أسرعت تبحث عن الطبيب القريب منها:
- أرجوك، إن الطبيب عامر... أظنه قد استيقظ، تعال وانظر إليه.
دخل الطبيب إلى الغرفة أمام عينيها، ليجد عامر قد فتح عينيه وينظر حوله بتعب، ثم ابتسم له:
- كيف حالك أيها الطبيب عامر؟
أجابه عامر بصوت ضعيف:
- أنا بخير... أين آدم؟
أجابه الطبيب:
- لقد ذهب إلى مكتبك، يريد إحضار أحد الملفات القديمة.
في تلك اللحظة انتبه عامر إلى بيسان خلف الزجاج، فتغيرت ملامحه، ثم أشار للطبيب:
- هل يمكنك أن تحضر الآنسة الموجودة بالخارج؟
أجابه الطبيب:
- أجل، أستطيع.
خرج الطبيب ونظر إلى بيسان:
- تعالي، لقد طلب الطبيب أن تدخلي إليه.
نظرت إليه بتوتر، ثم قامت بتعقيم نفسها قبل أن تدخل الغرفة، تقدمت بخطوات بطيئة وخجولة، بينما كان عامر ينظر إليها بابتسامة مليئة بالحب.
ابتسم لها عندما توقفت في مكانها:
- تقدمي بيسان.
اقتربت منه قليلًا، ثم قالت بصوت هادئ:
- الحمد لله على سلامتك عامر.
تنهد براحة وكأنه يستعيد حياته بوجودها:
- شكرًا لكِ... كنت أريد أن أسألكِ شيئًا.
نظرت إليه بتوتر:
- تفضل، اسأل.
تردد للحظات، وكأنه يخشى أن يكون قد تخيل الأمر:
- بالأمس... سمعتك تتحدثين معي بعد أن دخلت الغرفة ورأيتكِ، هل حدث هذا حقًا؟
احمرت وجنتاها خجلًا، وأبعدت عينيها عنه، ليبتسم عامر براحة.
لقد كان الأمر حقيقيًا...لقد اعترفت له بحبها، عاد يسألها ليتأكد:
- أخبريني بيسان... هل أخبرتِني بشيء بالأمس؟
خرج صوتها خافتًا يكاد لا يسمع:
- أجل.
أغمض عامر عينيه للحظة وكأنه يشكر الله على أجمل خبر:
- شكرًا يا الله... شكرًا.
فتح عينيه نحوها، وفي اللحظة التي دخل فيها عمر وآدم إلى الغرفة، نظر إليها بحب وسألها:
- بيسان... هل تتزوجيني؟
---
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!