دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 57 من 61
وضع القراءة:

نهاية الخداع

في الجهة الأخرى، كانت بيسان تجلس بجانب والدتها، تتبادلان الحديث بهدوء، بينما جلست غزل بجانبها وهي تبتسم لأحلام.
كانت أجواء المنزل تحمل مزيجًا غريبًا من الفرح والحزن؛ فرحة اقتراب موعد الزفاف، وحزن الفراق الذي بدأ يقترب مع رحيل بيسان عن منزلها، تحدثت غزل بابتسامة صادقة:
- سوف نشتاق لكِ حقًا يا خالتي.
بادلتها أحلام الابتسامة بحنان:
- وأنا أيضًا سأشتاق لنكاتك الظريفة.
فتحت غزل عينيها بصدمة مصطنعة:
- فقط لنكاتي؟ ألن تشتاقي لصاحبة النكات؟ سحبت كلامي.
ضحكت بيسان وهي تضربها بخفة:
- من سيشتاق لكِ يا رأس الفزّاعة؟
نظرت إليها غزل بصدمة:
- هل تتحدثين بجدية يا بيسان؟
انفجرت مروة بالضحك، ثم أكملت ممازحة إياها:
- سوف أرتاح منكِ ومن إزعاجك الدائم.
وقفت غزل فجأة، ووضعت يدها على صدرها بتأثر مصطنع:
- هل كنت ثقيلة عليكم إلى هذا الحد؟
أسرعت بيسان خلفها قبل أن تغادر، وأمسكت بيدها وهي تضحك:
- أيتها الغبية، هل صدقتِ حقًا أننا نمزح؟
نظرت إليها غزل بضيق:
- هل هذا تسمونه مزاحًا؟
احتضنتها بيسان بحب:
- سوف أشتاق لكِ حقًا.
حاولت غزل إخفاء تأثرها، فأبعدتها عنها وهي تدعي الغضب:
- ابتعدي عني، لا أريد الحديث معك.
ضحكت بيسان وجلست بجانب أحلام:
- كما تشائين، ها قد ابتعدت عنك.
ردت غزل بسرعة:
- بهذه السرعة؟ تمسكي بموقفك قليلًا يا فتاة.
انفجر الجميع ضاحكين، لتقترب غزل منهم وتجلس بجانب مروة، ثم تعانقها والدموع تلمع في عينيها:
- سوف أشتاق لكِ حقًا يا أمي.
غلبت مروة دموعها وهي تربت على شعرها:
- وأنا سأشتاق إليكِ يا حبيبتي.
مسحت بيسان دمعتها قبل أن تسقط، ثم ابتسمت محاولة تغيير الجو:
- لا نريد أن نقلب آخر أيامها بكاءً، أليس هذا كلامك يا غزل؟
مسحت غزل دموعها بسرعة وهي تضحك:
- أجل... انظرن، أنا لا أبكي.
ابتسمت أحلام وهي تنظر إليهن بحنان:
- هل انتهيتم من كل شيء تحتاجونه؟
أجابت بيسان براحة:
- أجل، أحضرنا كل شيء يلزمنا.
ثم نظرت إلى والدتها باستنكار لطيف:
- أمي، ألم تحضريهم أنتِ وخالتي معًا؟
ابتسمت أحلام وأجابتها:
- أجل، لكن قد نكون نسينا شيئًا دون أن ننتبه له، رغم أن السيدة نادية لم تترك شيئًا إلا وأحضرته.
ابتسمت بيسان مطمئنة:
- لا تقلقي يا أمي، نحن جاهزتان.
القسم الثالث: اعترافات ما بعد الحقيقة
بقيت غزل صامتة للحظات، وقد شردت عيناها بعيدًا عن الجميع. لم يكن شرودها بلا سبب، فقد عاد اسم نيسان إلى ذهنها مجددًا، وتذكرت ذلك الألم الذي ظهر في عيني بيسان بالأمس عندما رأت صورتها وانفجرت بالبكاء.
كانت تعرف أن رحيل نيسان ترك فراغًا كبيرًا بينهم جميعًا، فراغًا لم يكن من السهل تجاوزه، لكن أكثر ما لفت انتباهها الآن هو تغير بيسان. فبعد الحزن والانهيار، عادت الابتسامة إلى وجهها من جديد، وكأن شيئًا ما أعاد إليها الأمل.
تنهدت غزل بحزن، وقبل أن تستسلم لأفكارها، قاطعها دخول عمر إلى المكان، وعلى وجهه ابتسامة واضحة.
جلس بجانب بيسان وهو يخرج تنهيدة راحة، ثم نظر إليها بسعادة:
- أأخبركِ بشيء سار؟
رفعت بيسان نظرها إليه باهتمام:
- أجل، قل ما لديك.
ابتسم عمر وهو يشعر بالراحة بعد انتهاء الأمر:
- لقد تم القبض على العصابة قبل قليل.
شهقت بيسان بسعادة، وكأن خبرًا طال انتظاره وصل أخيرًا:
- حقًا يا عمر؟ هل تقول الصدق؟
أومأ عمر مؤكدًا:
- أجل، أقول الصدق. لقد كنا هناك قبل قليل.
نظرت غزل إليه باستفسار:
- ماذا تقصد بقولك كنا؟
أجابها عمر وهو يمد قدميه على الأريكة براحة:
- أنا وسامي وعامر وآدم.
تنفست مروة بحمد:
- الحمد لله أنه تم الإمساك بهم.
سألت غزل بقلق:
- الجميع بخير، أليس كذلك؟
أومأ عمر برأسه مطمئنًا:
- أجل، الجميع بخير، سوى بعض الإصابات البسيطة لأفراد الشرطة.
ارتاحت غزل قليلًا:
- هذا جيد... هل كان الأمر طويلًا للقبض عليهم؟
ابتسم عمر وهو يتذكر تفاصيل المطاردة:
- أجل، لم تشاهدوا الطلقات المتطايرة من هنا وهناك. تم الإمساك بأصحاب السيارة الأولى بسهولة كبيرة، لكن عندما وصلنا إلى سيارة سعيد لم نجد أي شخص، رغم أننا شاهدناهم ينطلقون بها.
نظرت إليه بيسان بتركيز:
- كيف حدث هذا؟
تنهد عمر وهو يستعيد اللحظة:
- لا تقلقي، لكن احزري أين كانوا؟
سألته أحلام باستغراب:
- هل كانت السيارة سوداء وضخمة؟
نظر إليها عمر بدهشة:
- أجل، إنها هي.
ابتسمت أحلام وكأنها تذكرت شيئًا قديمًا:
- لقد وجدتموهم داخل الكرسي.
اتسعت عينا عمر بصدمة:
- هذا صحيح... لكن كيف علمتِ بهذا؟
أجابته أحلام بهدوء:
- لقد كنت مع شريف ذات مرة في إحدى ليالي الشتاء، وشعرت بالبرد قليلًا، لذلك أوقف السيارة وقلب الكرسي الخلفي وأحضر بعض الأغطية، اندهشت حينها، لكنه أخبرني أن جميع السيارات التي يعملون بها هكذا.
أكملت بغصة تتذكر حماقتها:
-سألته إن كان من الممكن وضع أشياء أخرى بداخلها، فأخبرني بكل بساطة أنه يتم أحيانًا تخبئة شخص داخلها، وأن أكثر السيارات التي تستوعب اختباء الأشخاص هي السيارات السوداء الكبيرة.
هز عمر رأسه بتفهم، ثم انتبه إلى سؤال بيسان:
- هل سيتم القبض على فداء أيضًا؟
أجاب عمر مؤكدًا:
- لقد تم القبض عليها أساسًا، لكن إن...
توقفت كلماته فجأة، فتعلقت عينا بيسان به بفضول:
- لكن ماذا؟
تذكر عمر حديث عامر معه، وطلبه منه ألا يخبر بيسان بأي شيء قبل أن يخبرها هو بنفسه، لذلك ابتلع باقي كلماته، واختار الصمت حتى يأتي الوقت المناسب، اعتدل واقفًا وهو يغير الموضوع:
- إنني ذاهب للداخل، سأصلي العشاء ثم سأهاتف هبة قبل أن أنام.
نظرت إليه مروة بتحذير:
- لا تتمادَ في حديثك معها يا عمر، ليس بينكما شيء رسمي.
تنهد عمر بضيق:
- لكن أمي، إنها خطيبتي، لقد قرأنا الفاتحة.
أومأت مروة برأسها بتفهم:
- أعلم ذلك، لكن يمكنك الحديث معها براحة أكبر بعد عقد قرانك عليها.
تنهد عمر باستسلام:
- حسنًا يا أمي... وأنتم لا تتحدثوا معهم لحين موعد الزفاف. تصبحون على خير.
نظر الجميع إليه باستغراب، خاصة غزل التي بقيت تحدق به بعد أن دخل غرفته وأغلق الباب، التفتت إلى والدتها بتذمر:
- أمي، انظري إليه، كيف يتحدث؟ هل يجوز هذا؟
ابتسمت مروة مؤيدة:
- كلامه صحيح يا غزل.
ضحكت بيسان وهي تتذكر حديثها مع عامر:
- أنا أخبرت عامر صباحًا بهذا الأمر، ولقد تذمر كثيرًا، لكن هذا أفضل كما أخبرتني أمي.
لوت غزل شفتيها بعدم رضا:
- هذا ظلم... ليس إلى هذا الحد، أريد فقط أن أطمئن عليه.
ابتسمت بيسان وهي تربت على كتفها بعد أن نهضت:
- وأنا كذلك، لكن هذا أفضل. أغلقي هاتفك ثم هيا للنوم.
أغلقت غزل هاتفها بضيق وهي تتبعها:
- حسنًا حسنًا... تصبحون على خير.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد أن أوصل سامي عمر إلى منزله، عاد إلى مركز الشرطة برفقة عامر وآدم، ترجل سامي من السيارة ونظر إلى عامر باستفسار:
- هل أنت متأكد من حضورك؟
تقدم عامر منه بثبات:
- أجل، أنا متأكد.
رفع سامي كتفيه ثم أنزلهما باستسلام:
- كما تشاء.
بعد فترة، كان سامي يقف خلف شريف داخل غرفة التحقيق، كان الصمت يسيطر على المكان، وشريف يجلس بهدوء غريب وكأنه لا يشعر بضغط الموقف، اقترب سامي منه محاولًا كسر ذلك الجمود:
- ألن تتحدث يا شريف؟ لا يوجد أمامك أي خيار.
رفع شريف نظره إليه بهدوء:
- قل: لن أتحدث حتى يحضر المحامي الخاص بي.
عدل سامي وقفته، ثم أومأ بتفهم:
- حسنًا كما تشاء، هذا حقك. سيحضر محاميك، لكن اعذرني... ليس الآن.
عقد شريف أصابعه معًا باستغراب:
- لمَ ليس الآن؟
تحرك سامي نحو الباب وهو يجيبه:
- لأننا سنستضيفك اليوم معنا.
أوقفه شريف بسؤاله:
- هل استجوبت سعيد وفداء؟
نظر إليه سامي للحظات قبل أن يفتح الباب:
- هذا ليس من شأنك يا شريف.
خرج من الغرفة ليجد عامر ينتظره، فسأله فورًا:
- ماذا؟ هل أخبرك بشيء؟
تنهد سامي بضيق كبير:
- لا، إنه يطالب بالتحدث بحضور محاميه.
ضرب عامر الحائط خلفه بغضب:
- إنني أعلم أنه يخفي شيئًا ما، هدوؤه يقلقني.
جلس آدم بجانب عامر ونظر إليه:
- متى ستغير أوراقها يا عامر؟ أي ستثبت أنها فدوى وليست فداء.
تنهد عامر وهو يفكر:
- لقد انتهيت من هذا الأمر يا آدم، وسوف أقدم الأوراق عند محاكمتها، وهذا سيسهل عليّ بعدما طلقتها.
حاول سامي التأكد للمرة الأخيرة:
- هل أنت متأكد يا عامر أن هذا آخر شيء تطلبه منك؟
بقي عامر صامتًا قليلًا قبل أن يجيب:
- لا أعلم... سأفكر بالأمر، لكن كيف اعترف سعيد بهذه السهولة؟ لم أتوقع ذلك.
أرجع سامي نفسه إلى الخلف وهو يجيب:
- لم يكن أمامه طريق آخر، كل الطرق كانت مغلقة أمامه. لكنني استغربت عندما أخبرني أن الرئيس سابقًا كان والد فدوى، وأنه هو من تخلص من عائلة عمك بتخطيط منه بسبب عداوة بينهم، وأن سعيد أكمل الطريق من بعده.
بقي عامر يفكر للحظات، ثم قال:
- وأنا استغربت من حديثه أيضًا... أي أن كل ذلك كان تخطيطًا منذ البداية.
أومأ سامي مؤكدًا:
- أجل، يبدو ذلك.
وقف عامر ونظر إلى آدم:
- هيا بنا، وشكرًا لك يا سامي، لأنني لم أعد أفهم شيئًا... ثم إنني لم أصلِّ صلاة العشاء.
ابتسم سامي بصدق:
- لا شكر على واجب يا عامر.
وقبل أن يخرج عامر، تذكر سامي شيئًا فأوقفه:
- عامر، انتظر.
التفت إليه عامر باستفسار:
- ماذا هناك؟
أخرج سامي هاتفه وأخبره:
- لقد أرسل لي المهندس رسالة قبل عدة أيام، يخبرني أن الرقم نفسه عاود الاتصال، وعندما تتبعنا إشارة الهاتف اختفت عند أحد البيوت المنعزلة. تفقدناه، لكن لم نجد أثرًا لأي شيء.
زفر عامر بضيق:
- لم نرتح بعد إذن... بقي لدينا موضوع الرقم هذا. والأخرى لم تخبرني بذلك، لقد وعدتني ألا تخفي عني شيئًا.
نظر إليه سامي بتفهم:
- لا بد أنها لا تريد ذلك خوفًا عليك، أو لأنها ما زالت تتمسك بأمل أن والدها على قيد الحياة.
تنهد عامر وهو لا يعرف ماذا يفكر:
- لا أعلم حقًا ما الذي تفكر به.
ابتسم سامي له:
- اذهب وأرح تفكيرك قليلًا.
ابتسم عامر بسخرية خفيفة:
- أحاول... هذا ما يلزمني، لأنني قضيت الأمس مع فداء بسبب إصرارها على ذلك، وتحدثت عن أشياء كثيرة أوجعت رأسي... هيا، هون الله عليك.
أومأ سامي برأسه:
- في أمان الله.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
أثناء الطريق، نظر آدم إلى عامر متسائلًا:
- متى ستخبر بيسان بأمر زواجك من فداء؟ لم يبقَ سوى يومين.
تنهد عامر وهو ينظر أمامه:
- أساسًا كان العقد باطلًا، بما أنها فدوى وليست فداء... لقد اقتربت مني أمس كثيرًا.
ربت آدم على كتفه:
- فكر بالأمر، وسيكون الله معك.
قال عامر بتردد:
- أرجو ذلك يا آدم، لأنني وبصراحة متردد من إخبارها.
نظر إليه آدم بهدوء:
- القرار يرجع إليك، افعل ما تجده مناسبًا.
توقفت السيارة أمام منزل آدم، فترجل منها وهو يقول:
- اعتنِ بنفسك يا عامر.
ابتسم له عامر:
- وأنت كذلك... تصبح على خير.
القسم الرابع: الحقيقة التي أخفاها الزمن
كان الليل قد تجاوز منتصفه حين وصلت سيارة عامر إلى المنزل. كان الهدوء يحيط بالمكان، وكل شيء بدا ساكنًا، إلا أن داخله كان يعج بالكثير من الأفكار المتشابكة.
ترجل من السيارة بخطوات متعبة، فقد حمل هذا اليوم الكثير من الأحداث التي استنزفت طاقته؛ بداية من لحظة القبض على سعيد، مرورًا بمواجهة فداء، وانتهاءً بالحقائق التي بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى.
دخل المنزل بهدوء، ثم صعد الدرج متجهًا نحو غرفته. كان يظن أن الجميع نائمون، لكنه تفاجأ عندما فتح باب غرفة والده ورأى جمال مستيقظًا، توقف للحظة عند الباب، ثم تحدث بصوت منخفض حتى لا يوقظ أحدًا:
- هل أنت مستيقظ حتى الآن يا أبي؟
رفع جمال نظره إليه، وكانت ملامح القلق واضحة على وجهه، فقد كان ينتظر عودة ابنه ليطمئن عليه.
- أجل... أخبرني، لماذا تأخرت حتى الآن؟ هل تم الإمساك بهم؟
اقترب عامر من والده وأغلق الباب خلفه، ثم أجابه مطمئنًا:
- أجل، لا تقلق يا أبي... لقد تم القبض عليهم.
تنفس جمال براحة، لكن ملامح عامر الجادة جعلته يشعر بأن هناك أمرًا آخر يريد الحديث عنه.
- أريد أن أخبرك بشيء.
اعتدل جمال في جلسته ونظر إليه باهتمام:
- ما الأمر؟
أخذ عامر نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع شجاعته قبل أن يخرج الكلمات التي ظل يحتفظ بها داخله.
- لكن لا تنفعل، حسنًا؟
زاد ذلك من قلق جمال، فعقد حاجبيه باستغراب:
- ما الأمر يا عامر؟
نظر عامر إلى الأرض للحظات، ثم رفع عينيه إلى والده وقال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقل الحقيقة:
- إن فداء ليست ابنة عمي.
تجمد جمال في مكانه، وكأنه لم يفهم ما سمعه.
- تمزح؟
هز عامر رأسه نافيًا، وعلامات الأسف واضحة على وجهه:
- مع الأسف لا... تدعى فدوى، وهي ابنة خالة فداء رحمها الله.
بقي جمال ينظر إليه بعدم استيعاب، وكأن الكلمات تحتاج إلى وقت حتى تصل إلى عقله.
- ما الذي تقوله يا عامر؟
اقترب عامر منه وأمسك بيده، محاولًا تهدئته، ثم بدأ يشرح له الحقيقة التي اكتشفها:
- لقد توفي عمي وابنته في ذلك اليوم، وكان ذلك بسبب والدة فدوى، بعدها وضع سعيد فدوى مكان فداء بسبب التشابه الكبير بينهما، لقد تحريت عن الأمر، واستطعت أن أثبت الحقيقة عن طريق تحليل الـDNA بينك وبينها... إنها لا تنتسب إلينا يا أبي.
ساد الصمت للحظات، وكان جمال يحاول استيعاب كل كلمة يسمعها، تابع عامر حديثه:
- بحثت في السجلات المدنية عنها، ولم أجد أي معلومة تخصها إلا ما يتعلق بطفولتها، حيث كان مكتوبًا أنها توفيت بسبب حمى لم يستطيعوا السيطرة عليها.
فتح جمال عينيه بذهول، وكأن سنوات طويلة من الذكريات بدأت تنهار أمامه.
- هل قرابتها منا أيضًا كانت كذبًا؟ يا إلهي... أنا لا أصدق، حقًا إنها ممثلة بارعة.
خفض عامر نظره بحزن، فقد كان الأمر مؤلمًا حتى بالنسبة له:
- أجل... كل ذلك كان كذبًا بكذب، لقد رميت يمين الطلاق عليها اليوم، وانتهيت من كل شيء.
وقف جمال ببطء، وما زالت الصدمة تسيطر على ملامحه:
- فعلت حسنًا يا بني... لكنني مستغرب منها. أنا الذي كنت أريد أن أزوجها لك... يا لي من أعمى.
اقترب عامر منه وقبل رأسه بحنان:
- لا تقل ذلك يا أبي. لقد انتهيت منها، وارتَحنا من هذا الأمر. زواجي بعد يومين، ولا أريد أن أتذكرها بعد الآن.
بقي جمال ينظر إلى ابنه للحظات، ثم ظهرت ابتسامة هادئة على وجهه، وكأنه يحاول طمأنته، تحرك نحو الباب قبل أن يغادر، ثم التفت إليه:
- حسنًا يا بني، نم وارتح الآن... تصبح على خير.
ابتسم عامر بإرهاق وهو يتجه نحو المرحاض:
- تصبح على خير يا أبي.
أغلق جمال الباب خلفه بهدوء، بينما بقي عامر للحظات وحيدًا مع أفكاره، رغم أنه أعلن انتهاء الأمر، ورغم أن الحقيقة ظهرت أخيرًا، إلا أن داخله كان يعلم أن هناك مواجهة أخرى تنتظره... مواجهة أصعب من كل ما سبق، مواجهة الحقيقة مع بيسان.
فبعد يومين فقط سيكون زفافه، وعليه أن يقرر متى وكيف يخبرها بكل ما حدث، لكن تلك الليلة، اختار أن يترك كل شيء جانبًا، وأن يمنح نفسه لحظات قليلة من الراحة بعد رحلة طويلة من الخداع والألم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف 44 حين تتشابك الأقدار وتُختبر القلوب 45 اعترافات خلف الأبواب 46 بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار 47 الوعد الذي سبق العاصفة 48 بداية العهد وأسرار تُكتشف 49 رسـالـة مـن الـمـاضـي 50 تردد وخوف 51 رسالة تُربك القلوب 52 بين الحقيقة والوهم 53 حين تتشابك الخيوط 54 بداية الحقيقة 55 صدمة قوية لم توقعها أحد 56 حين تنكشف الأقنعة 57 نهاية الخداع 58 دوامة الشك وعودة الروح 59 دوامة الشك وعودة الروح 60 حين عاد الغائب... ورحل الحبيب 61 حين يصبح الصمت وجعًا 62 رسـائـل مـحـب 63 حين يعود القلب إلى موطنه، الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.