بين البراءة والتهمة
كان عامر يجلس بهدوءٍ ظاهري، واضعًا إحدى ساقيه فوق الأخرى، بينما استقرت نظراته على المكتب المقابل له داخل غرفة التحقيق. ورغم الثبات الذي كان يحاول إظهاره، إلا أن عقله كان يعصف بعشرات الأسئلة التي لم يجد لها إجابة.
أما آدم، فكان يجلس إلى جواره شارد الذهن، يستعيد في مخيلته ما حدث منذ خروجهم من المشفى، حين فوجئا بعشرات الصحفيين وعدسات الكاميرات تنتظرهم أمام المدخل، قبل أن تحيط بهم الشرطة وسط سيلٍ من الأسئلة التي لم يمهلهما أحد للإجابة عنها.
قطع الضابط ذلك الصمت وهو يوجه حديثه لعامر بنبرةٍ رسمية:
- أستاذ عامر، أنت تعلم سبب إحضارك إلى هنا، أليس كذلك؟
اعتدل عامر في جلسته قليلًا، ثم شبك أصابعه أمامه وأجابه بهدوءٍ ثابت:
- وأنا لن أنطق بحرفٍ واحد حتى يصل محاميّ.
أومأ الضابط باحترام، ثم أردف محاولًا استدراجه للكلام:
- هذا حقك بالتأكيد، لكن على الأقل حاول أن تبرر موقفك، فالأدلة الموجودة ضدكما ليست بسيطة.
حول عامر نظره نحو آدم، ثم سأله بهدوء:
- هل استعجلته بالحضور؟
هز آدم رأسه مؤكدًا، ثم أجابه:
- نعم، لكنه أخبرني أن الطريق مزدحم، وسيصل في أقرب وقت.
وقبل أن يتابع أحدهم الحديث، رن هاتف الضابط، فأجاب سريعًا، ثم أغلقه بعد لحظات.
رفع بصره نحو عامر وهو يقول:
- أستاذ عامر، المحقق المسؤول عن القضية في طريقه إلينا، كما أن محاميك وصل بالفعل.
اكتفى عامر بإيماءةٍ هادئة، ثم عقب:
- حسنًا... سننتظر.
ساد الصمت داخل الغرفة لدقائق، قبل أن يُسمع طرقٌ خفيف على الباب، وقف الضابط بسرعة، ثم أدى التحية العسكرية باحترام:
- احترامي سيدي.
دخل المحقق بخطواتٍ ثابتة، وخلفه المحامي، ثم اكتفى بإيماءةٍ بسيطة.
- شكرًا... يمكنك الانصراف.
غادر الضابط الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء، رفع عامر رأسه نحو القادم، وما إن وقعت عيناه عليه حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خفيفة.
- كيف حالك؟
توقف شادي في مكانه للحظات، واتسعت عيناه بعدم تصديق وهو يحدق في عامر:
- عامر!... هل أنت المتهم في هذه القضية؟
ابتسم آدم ابتسامةً باهتة، ثم تدخل قائلًا:
- وأنا أيضًا معه يا شادي.
صرف شادي نظره نحو الضابط الذي كان لا يزال يقف عند الباب:
- يمكنك الانصراف الآن.
أدى الضابط التحية مرةً أخرى، ثم خرج بصمت.
اقترب شادي من المكتب، وجلس خلفه، وأشار للمحامي أن يجلس هو الآخر، ثم أعاد نظره إلى عامر متسائلًا:
- منذ متى وأنت هنا؟
لوّح عامر بيده بلا مبالاة، ثم ابتسم ابتسامةً خافتة.
- لا يهم كم مضى من الوقت... أخبرني أولًا، ما تفاصيل القضية؟ وبماذا نتهم تحديدًا؟
أطلق شادي زفرةً طويلة، ثم فتح الملف الموضوع أمامه، وأخذ يقلب صفحاته ببطء، بدت ملامحه جادة بصورةٍ لم يعتدها عامر، قبل أن يرفع رأسه ويتحدث:
- بصراحة... وضعكما ليس سهلًا أبدًا.
تبادل عامر وآدم نظرةً سريعة، قبل أن يستفسر آدم بقلق:
- وما الذي يجعل وضعنا بهذا السوء؟
أغلق شادي الملف قليلًا، ثم أجابه بهدوء:
- أنتما متهمان بتعطيل محركات السفينة التي كنتما على متنها، والتي تعرضت للغرق قبل أيام.
توقف لحظة، ثم أكمل:
- والأخطر من ذلك... أن كاميرات المراقبة أظهرت أن آخر شخصين دخلا إلى مقصورة المحركات قبل الحادث مباشرة... هما أنت يا عامر، وآدم.
ساد الصمت داخل الغرفة لثوانٍ، بينما انعقد حاجبا عامر وهو يحاول استيعاب ما سمعه للتو. لم يكن يتوقع أن يتحول وجوده داخل تلك المقصورة إلى دليلٍ يدينه بهذه الصورة.
رفع رأسه ببطء، ثم تساءل باستغرابٍ واضح:
- وكيف عُثر على تسجيلات كاميرات المراقبة أصلًا، مع أن السفينة غرقت بالكامل؟
نظر شادي إلى المحامي، ثم أعاد بصره إلى عامر وأوضح بهدوء:
- لقد شرحت للمحامي جميع تفاصيل القضية، وهو على اطلاعٍ كامل بما نملكه من أدلة. وآمل أن يجد مخرجًا قانونيًا ينقذكما من هذه الورطة.
ظل عامر يحدق في الملف أمام شادي، ثم أردف بنبرةٍ يغلب عليها الاستفهام:
- أهذا هو الدليل الوحيد؟... هل بُني الاتهام كله على تسجيلٍ واحد فقط؟
أومأ شادي برأسه مؤكدًا، ثم أجابه:
- نعم، حتى هذه اللحظة لم نعثر على أي دليلٍ آخر. كل ما نملكه هو تسجيل يُظهر دخولكما إلى مقصورة المحركات، ولم تُسجل الكاميرات دخول أي شخصٍ غيركما قبل وقوع الحادث.
اشتدت ملامح عامر، وشعر بأن أعصابه بدأت تفلت من بين يديه، فاعتدل في جلسته وهو يقول بانفعالٍ حاول كتمه:
- لكن الجميع أعلن أن الحادث كان نتيجة الأحوال الجوية والتيارات البحرية! كيف تحولت القضية فجأة إلى عملٍ متعمد؟
تدخل المحامي بهدوء، محاولًا تهدئة الأجواء قبل أن تتفاقم:
- اهدأ يا أستاذ عامر، لقد اطلعت على ملف القضية بالكامل. إذا استطعنا إثبات أنكما لم تعبثا بالمحركات، فسيكون ذلك نقطة التحول في القضية. لكنني بحاجة إلى تعاونكما الكامل حتى أتمكن من الدفاع عنكما.
أخذ شادي قلمه بين أصابعه، ثم نظر مباشرةً إلى عامر وسأله بتركيز:
- أخبرني... ماذا كنتما تفعلان داخل تلك المقصورة؟
أطرق عامر برأسه قليلًا، وأغمض عينيه للحظات وهو يستعيد تفاصيل ذلك اليوم، ثم أجاب بهدوء:
- وصلني اتصال من رقمٍ دولي، وظننت أنه من الجامعة الأمريكية، لكن الضجيج على سطح السفينة كان شديدًا، فلم أكن أسمع شيئًا. عندها أرشدني أحد البحارة إلى مقصورة المحركات، وأخبرني أنها أكثر هدوءًا، فذهبت إليها، ولحق بي آدم. وبعد أن انتهيت من المكالمة خرجنا مباشرة.
عقد المحامي حاجبيه وهو يفكر، ثم استفسر باهتمام:
- هل تستطيع التعرف على ذلك البحار لو رأيته مرةً أخرى؟
ظل عامر صامتًا للحظات، ثم هز رأسه بأسف:
- لا أعلم... لم أركز في ملامحه وقتها، كنت منشغلًا بالمكالمة أكثر من أي شيء آخر.
بينما كان الثلاثة يتناقشون، كان آدم ينقل بصره بينهم بشرود، وكأن شيئًا ما يحاول الخروج من ذاكرته، وفجأة، اتسعت عيناه، واعتدل في جلسته بسرعة، ثم التفت إلى عامر قائلًا:
- عامر... أتتذكر عندما خرجنا من المقصورة؟ لقد عدت إليها مرةً أخرى.
التفت إليه عامر باستغراب، ثم أجابه بعد أن استرجع الموقف:
- صحيح... عدت بعد خطوات. لكن ما علاقة ذلك بالأمر؟
نظر المحامي إلى آدم باهتمام، ثم سأله:
- ولماذا عدت؟
تنهد آدم وهو يحاول ترتيب أفكاره، ثم أوضح:
- نسيت نظارتي الشمسية هناك، فعُدت لأبحث عنها. وعندما فتحت باب المقصورة اصطدمت بشخصٍ كان يخرج منها مسرعًا، رفع رأسه ونظر إلي للحظة، ثم أكمل طريقه دون أن ينطق بكلمة.
ساد الصمت لثوانٍ داخل الغرفة، تبادل شادي والمحامي النظرات، قبل أن يسأله شادي بسرعة:
- وهل التقطته كاميرات المراقبة؟
هز آدم رأسه نافيًا، بينما أجابه شادي بأسف:
- للأسف لا... آخر ما ظهر في التسجيل هو وجودكما داخل المقصورة فقط، وبعد ذلك انقطع كل شيء.
أطلق عامر زفرةً طويلة، وأراح ظهره على المقعد، بينما شعر أن خيوط القضية تزداد تعقيدًا مع كل دقيقة تمر، وقبل أن يتمكن أحد من مواصلة الحديث، ارتفعت أصواتٌ في الخارج، تبعها ضجيجٌ واضح عند باب المكتب، رفع شادي رأسه باستغراب، ونهض ليرى ما يحدث خارج الغرفة...
وقبل أن يصل شادي إلى الباب، انفتح فجأة، لتندفع إلى الداخل سيدة في منتصف الأربعينيات، وخلفها رجل وقور وفتاة شابة.
رفع عامر رأسه نحو الباب، وما إن وقعت عيناه عليهم حتى اتسعتا قليلًا، بينما أسرعت والدته نحوه دون أن تعبأ بأحد.
ألقت بنفسها بين ذراعيه، وأحاطته بقوة، وكأنها تريد أن تتأكد بنفسها أنه بخير، ثم انفجرت بالبكاء، شدد عامر عناقه لها، وربت على ظهرها بحنان، محاولًا تهدئتها:
- ما كل هذا البكاء يا أمي؟ أنا بخير كما ترين.
ابتعدت نادية عنه قليلًا، وأخذت تتفقد وجهه بعينين مرتجفتين، ثم مررت كفيها على وجنتيه، وكأنها تبحث عن أي أثرٍ لأذى قد أصابه:
- لم يؤذوك، أليس كذلك يا بني؟
ابتسم عامر ابتسامةً مطمئنة، ثم مسح دموعها بإبهامه:
- أرجوكِ يا أمي... توقفي عن البكاء، فأنا بخير، ولم يمسسني أحد بسوء.
حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها لم تستطع إخفاء ارتجاف صوتها وهي تسأله:
- إذًا... لماذا اعتقلوك؟ ماذا فعلت يا عامر؟
ضحك عامر بخفة، محاولًا كسر ذلك الجو المشحون، ثم مازحها قائلًا:
- ومن قال إنهم اعتقلوني؟ يبدو أنهم اشتاقوا إليّ، فأرسلوا في طلبي فقط.
رفعت نادية يدها وضربته ضربةً خفيفة على كتفه، رغم دموعها التي لم تتوقف:
- حتى في مثل هذا الموقف لا تترك المزاح! لقد رأيناك على شاشة التلفاز وأنت تسير بينهم.
تقدم جمال بخطوات هادئة، ورغم محافظته على رباطة جأشه، إلا أن القلق كان واضحًا في عينيه:
وقف أمام ابنه، ثم سأله بصوتٍ منخفض:
- أخبرني يا بني... ماذا حدث؟
تنهد عامر ببطء، ثم أجابه بصراحة:
- نحن متهمان بحادثة السفينة.
ساد الصمت للحظات، بينما ارتسمت الصدمة على وجوه الجميع، حول جمال نظره إلى المحامي كامل، وقال بجدية:
- ما آخر المستجدات يا أستاذ كامل؟
تنهد كامل، ثم أغلق الملف الذي بين يديه وأجاب بثقة ممزوجة بالأمل:
- بإذن الله يوجد مخرج، لكن من الأفضل أن يبقيا هنا اليوم. سأبذل كل ما أستطيع لإثبات براءتهما، وأحتاج بعض الوقت لجمع الأدلة.
شهقت نادية، وعادت الدموع تملأ عينيها من جديد:
- وهل سيبقى محجوزًا هنا الليلة؟ ألا توجد أي طريقةٍ أخرى؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!