دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 24 من 24
وضع القراءة:

حزنٌ دفين

مرّت سبع ساعاتٍ متواصلة، لم يعرف خلالها أحدٌ طعم الراحة أو معنى الاستسلام.
انتشر رجال الشرطة في كل مكان، يتنقلون بين الأشجار والحقول، ويفتشون كل زاويةٍ يمكن أن تخبئ أثرًا واحدًا يقودهم إليها. استعانوا بالكلاب البوليسية، ووسّعوا دائرة البحث حتى شملت محيط المزرعة بالكامل، بينما كان الوقت يمضي ببطءٍ قاتل، وكأنه يتلذذ بتعذيب قلوبهم.
وفي الوقت ذاته، حاول المختصون تتبع الرقم الذي أُرسلت منه الرسائل، إلا أن النتيجة كانت صادمة...فالرقم غير مسجلٍ بأي اسم، وكأنه وُجد فقط ليختفي بعد تنفيذ جريمته.
جلس عمر على الأرض منهارًا، وأسند ظهره إلى جذع إحدى الأشجار، بينما كانت دموعه تنهمر بصمت، اقترب منه عامر، ووضع يده على كتفه في محاولةٍ لمواساته، ثم أخرج هاتفه ليتفقده.
وجد عشرات الاتصالات الفائتة من غزل، حدّق في الشاشة للحظات، قبل أن يغلق الهاتف بالكامل، إذ لم يعد يملك الشجاعة للإجابة عن سؤالٍ واحد.
وفي تلك اللحظة، اقترب شادي منهم، وقد ارتسم الأسف على ملامحه، ثم تنهد بعجز:
- أعتذر يا عامر... لقد فعلنا كل ما بوسعنا كما ترى، هل أنت متأكد أنها كانت في هذا المكان؟
أومأ عامر برأسه مؤكدًا، دون أن ينطق بحرف، أطرق شادي رأسه بحزن، ثم أردف:
- إذًا... أين يمكن أن تكون؟ حتى الكلاب البوليسية لم تعثر على أي أثرٍ لرائحة دم أو وجود جثة.
أرجع عامر رأسه إلى الخلف بعصبية، ثم ضرب جذع الشجرة التي أمامه بقبضته حتى احمرّت يده ونزفت، وهو يصيح بحرقة:
- أين يمكن أن تكون؟! لماذا هي؟! لماذا هي تحديدًا؟! أنا السبب... ليتني لم أدخل هذه اللعبة معهم!
تأمله شادي باستغراب، ثم عقد حاجبيه متسائلًا:
- ماذا تقصد يا عامر؟
تنهد عامر بمرارة، ثم جلس بجوار عمر الذي كان يحدق في الفراغ بعينين خاليتين من الحياة، قبل أن يروي الحقيقة التي ظل يخفيها طويلًا:
- قبل أن أذهب لاكتشاف قضية العقار... كنت أعمل متخفيًا بينهم لأتعرف إلى مخططاتهم وأجمع الأدلة ضدهم، لكن هناك شخصًا يُدعى شريف اكتشف أمري، ومنذ ذلك اليوم وهم يحاولون التخلص مني أكثر من مرة، لأن بحوزتي أدلةً كافية لدفنهم خلف القضبان... لكنني لا أعلم لماذا أرادوا الانتقام من طفلةٍ بريئة، ما ذنبها هي؟
ساد الصمت... صمتٌ أثقل من الكلمات، نهض عمر من مكانه، واتجه نحو السيارة بخطواتٍ متثاقلة، وكأنه يحمل فوق كتفيه عمرًا كاملًا من الألم.
استوقفه آدم باستغراب:
- إلى أين يا عمر؟
لكن عمر لم يلتفت إليه، ولم يجب، واصل سيره بصمت، فقد كان يشعر أن الكلمات أصبحت عاجزة عن التعبير عما بداخله، ليلحقوا بهم.
في الجهة الأخرى، أمسك شادي جهاز الاتصال اللاسلكي، وطلب من جميع أفراد الطاقم التجمع استعدادًا للانطلاق والبحث في مناطق أخرى، ثم توجه إليهم قائلًا:
- سنوسّع دائرة البحث، فمن المحتمل أن تكون المافيا قد أخفت الجثة في مكانٍ آخر، لا تقلقوا... لن نتوقف حتى نعثر عليها.
اكتفى الثلاثة بالنظر إليه بصمت، رفع شادي يده محييًا إياهم، ثم غادر مع أفراد الطاقم.
صعد عمر إلى السيارة، وأسند رأسه إلى نافذتها الزجاجية، بينما استمرت دموعه بالانحدار في صمتٍ موجع.
---
بعد مدةٍ قصيرة، وصلوا إلى المستشفى، كانت خطواتهم بطيئة، مترددة...كأن كل واحدٍ منهم يخشى مواجهة الحقيقة أكثر من خشيته سماعها، صعدوا الدرج بصمت، حتى لمحوا غزل تقف في الممر، تحمل بيديها زجاجات مياه.
ما إن وقع بصرها عليهم حتى أسرعت نحوهم، لكن خطواتها تباطأت عندما رأت آثار البكاء مرسومة على وجوههم، اقتربت من عمر، وحدقت فيه بقلقٍ بالغ:
- ماذا حدث يا عمر؟ وأين نيسان؟
ثم أخذت تبحث بعينيها بين الواقفين عن نيسان، انتقلت بنظرها إلى آدم، فوجدته مطأطئ الرأس.
ثم التفتت نحو عامر، فوجدته قد استدار موليًا إياها ظهره، وكأنه عاجز عن النظر في عينيها، تسارعت أنفاسها، وأمسكت بقميص عمر بكلتا يديها وهي تهزه بعنف:
- عمر... أقول لك أين نيسان؟ لماذا لم تحضروها معكم؟
أنزل عمر يديها برفق، ثم أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا أن يجمع شتات نفسه، قبل أن يسأل بصوتٍ متردد:
- هل... استعادت بيسان وعيها؟
أجابت غزل، وقد غلبها الحزن:
- نعم... منذ ساعة تقريبًا، لكنها لم تتوقف عن البكاء.
تبادل عمر النظرات مع عامر وآدم، أومآ له بصمت، ابتلع غصته، ثم اتجه نحو الغرفة، بينما تبعته غزل بخطواتٍ مرتجفة.
كان الصمت يسبق خطواته، وكأنه يخشى هو الآخر دخول تلك الغرفة، دفع عمر الباب ببطء، ثم ولج إلى الداخل، بينما تبعته غزل بخطواتٍ مترددة، وقلبها يرتجف من خوفٍ لم تستطع تفسيره.
كانت بيسان تجلس فوق السرير بشحوبٍ مرعب، ترتدي السواد، وكأنها أعلنت الحداد قبل أن تتأكد من الحقيقة.
وجهها أصفر ذابل، وعيناها غائرتان من كثرة البكاء، بينما كانت تحدق أمامها بلا هدف، تتحرك بجسدها إلى الأمام والخلف بحركةٍ رتيبة، وكأن عقلها توقف عند تلك اللحظة التي رأت فيها الصورة.
_____****
لقد مرّ أسبوعٌ كامل...
أسبوعٌ لم يحمل معه سوى الألم. منذ أن أخبرها عمر باختفاء نيسان، لم تتوقف عن البكاء، ولم تستطع تقبّل ما حدث.
ورغم أنهم لم يعثروا على شيءٍ طوال ذلك الأسبوع، فإن الصورة التي رأتها في هاتف عامر، بعد أن أصرّت على مشاهدتها، بقيت عالقةً في ذاكرتها، تنهش روحها كلما أغمضت عينيها.
اقتربت غزل منها وهي تحمل صينية الطعام، وجلست إلى جوارها برفق، ثم أمسكت يدها بحنان، وقد اختنق صوتها بالبكاء:
- بيسان... أرجوكِ تحدثي... قولي أي شيء... لا تبقي صامتة هكذا.
مررت أصابعها على وجنتها بحنان، ثم أشارت إلى الطعام الموضوع أمامها، وتابعت برجاء:
- على الأقل تناولي لقمةً واحدة... لم تأكلي شيئًا منذ أسبوعٍ كامل.
حركت بيسان عينيها ببطء نحو غزل، كانت نظرةً خاوية...بلا دموع...بلا حياة...ثم أعادت بصرها إلى الفراغ من جديد، وكأنها لم تسمع شيئًا.
اغرورقت عينا غزل بالدموع، فانحنت تقبّل رأسها بحنان، قبل أن تنهض متثاقلة، خرجت من الغرفة بعد أن تركت صينية الطعام كما هي، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
ما إن رأها عمر حتى نهض بسرعة، وسألها بلهفة:
- ماذا؟ هل تحدثت؟
انهارت غزل باكية، وجلست على المقعد وهي تمسح دموعها:
- لا... لم تنطق بكلمة واحدة... أخشى أن يصيبها مكروه يا عمر.
جلس إلى جوارها، وأسند رأسه إلى الجدار بتعبٍ بالغ، ثم زفر بحرقة:
- وأنا أيضًا... لا أعلم ماذا أفعل معها.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يلتفت إليها متسائلًا:
- هل أمي نائمة؟
أومأت غزل برأسها، ثم أجابت بصوتٍ منخفض:
- نعم... ما زالت نائمة... وحتى الآن لم نخبر خالتي بما حدث.
ترددت قليلًا، ثم أردفت بقلق:
- عمر... هل نخبرها بالحقيقة أم لا؟
ما إن سمع كلماتها حتى اعتدل في جلسته بعصبية، ثم نظر إليها بحدة، وقد أثقل التعب أعصابه:
- ماذا تقولين يا غزل؟ وهل تسمينها أمًّا بعد كل ما حدث؟ أرجوكِ... ليس لديّ استعداد للدخول في أي نقاش الآن.
وقبل أن تضيف شيئًا...رنّ هاتفه، أخرج الهاتف بسرعة، ليجد اسم عامر يضيء الشاشة.
أجاب على الفور، وقد عاد الأمل يتسلل إلى قلبه رغم خوفه:
- أخبرني يا عامر... هل وجدتم لها أثرًا؟
جاءه صوت عامر مضطربًا، بينما كان يقود سيارته بسرعة:
- أرجو ذلك... تعال إلى المزرعة فورًا... شادي ينتظرنا هناك.
قفز عمر من مكانه، وأغلق الهاتف بسرعة، ثم أخذ يرتدي قميصه على عجل:
- حسنًا... أنا قادم.
اقتربت غزل منه بقلقٍ شديد، وقد ارتسم الرجاء في عينيها:
- ماذا هناك يا عمر؟ هل وجدوها؟
أجابها وهو ينتعل حذاءه بسرعة:
- نرجو ذلك... الجميع ينتظروننا هناك.
تقدمت نحوه بخطوة، وتمسكت بذراعه برجاء:
- أريد أن آتي معك.
تنهد بضيق، ثم نظر نحو غرفة بيسان المغلقة، وقال بهدوء:
- ومن سيبقى معها؟
خفضت رأسها بحزن، ثم همست:
- معك حق...
رفعت عينيها إليه مجددًا، وقد امتلأتا بالدموع:
- لكن أرجوك... لا تتأخر... طمئنّي فور أن تعرفوا أي شيء.
اكتفى بإيماءةٍ خفيفة، ثم غادر المكان مسرعًا، بينما بقيت هي تحدق في الباب المغلق، تدعو الله أن يحمل لهم الخبر الذي انتظروه طوال أسبوع.
وصل عمر إلى المزرعة بأقصى سرعة، وما إن ترجل من السيارة حتى لمح عامر يقف عند البوابة، لم يحتج إلى الاقتراب كثيرًا حتى أدرك من ملامحه أن شيئًا جللًا قد وقع، كانت عيناه محمرتين، وآثار الدموع لا تزال واضحة على وجهه، بينما وقف ساكنًا كمن فقد القدرة على الحركة.
اقترب عمر بخطواتٍ متثاقلة، وقد أخذ قلبه يخفق بعنف، ثم سأله بصوتٍ مرتجف امتزج بالخوف والترقب:
- ماذا حدث؟... هل وجدتموها؟
رفع عامر بصره إليه، ولم يستطع أن يخفي تلك الدمعة التي انزلقت على وجنته، ثم أجابه بصوتٍ مبحوح:
- نعم... لقد وجدوها.
اتسعت عينا عمر، وتسربت إلى قلبه بارقة أملٍ كادت تعيد إليه الحياة، فابتسم ابتسامةً مرتجفة وهو يسأله بسرعة:
- حقًا؟! أين هي؟
لم يجبه عامر، اكتفى بالنظر إليه بأسى، ثم استدار ببطء، وأشار إليه أن يتبعه، تحرك عمر خلفه، بينما أخذ الخوف يتسلل إلى قلبه مع كل خطوة يخطوها، سارا حتى وصلا إلى الجهة الخلفية من المزرعة، خارج حدود السور.
تقدم عمر ببطء، ليجد المكان يعج برجال الشرطة، وسيارة إسعاف متوقفة بالقرب منهم، وحفرةً مفتوحة في الأرض، انعقد حاجباه باستغراب، ثم شق طريقه بين الواقفين، حتى وصل إلى مقدمة الحفرة.
تجمد في مكانه...شحب وجهه...واتسعت عيناه بصدمةٍ لم يعرف لها مثيلًا....كان في قاع الحفرة...هيكلٌ عظميٌ صغير.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم التفت إلى عامر، وقد خرج صوته بالكاد:
- ما... ما هذا؟
أطرق عامر رأسه بألم، ثم نظر إلى المسعفين وهم يخرجون الهيكل العظمي بكل عناية، قبل أن يهمس بصوتٍ اختنق بالبكاء:
- لقد... وجدوها قبل ربع ساعة تقريبًا.
في تلك اللحظة، تقدم شادي نحوهما، وقد ارتسم الحزن على وجهه، ثم تحدث بصوتٍ هادئ:
- البقاء لله أولًا... وأعتذر لكم عما حدث.
تنهد بأسف، ثم تابع:
- عثرت الكلاب البوليسية عليها عندما التقطت رائحةً غريبة، فبدأنا بالحفر، حتى عثرنا على هذا الهيكل. في البداية لم نكن نعلم أنه يعود إلى نيسان، لكننا وجدنا هذه القبعة بجواره.
مد يده بالقبعة الصغيرة التي كانت نيسان ترتديها يوم اختطافها، ما إن وقعت عينا عمر عليها حتى ارتجفت يداه، تناولها ببطء، ثم ضمها إلى صدره بقوة، وكأنها آخر ما تبقى منها.
وانهار باكيًا...بكاءً مزق سكون المكان.
اقترب شادي منه، ووضع يده على كتفه مواسيًا:
- تمالك نفسك يا أستاذ عمر... والبقاء لله مرةً أخرى، لا تقلق، سنضاعف جهودنا حتى نعثر على القاتل الحقيقي.
رفع عمر رأسه بصعوبة، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم سأل بصوتٍ متحشرج:
- لكن... كيف حدث هذا؟ وكيف تحللت الجثة بهذه السرعة؟ ولماذا لم تعثر عليها الكلاب قبل أسبوع؟
حول شادي بصره نحو سيارة الإسعاف التي أُغلق بابها للتو، ثم عاد ينظر إليه وأجاب بهدوء:
- أصيبت بطلقةٍ نارية استقرت في الجهة اليسرى من القلب، وقد عثرنا على الرصاصة داخل قفصها الصدري.
توقف لحظة، ثم أكمل:
- أما سبب عدم عثور الكلاب عليها في الأيام الماضية، فلأن الجناة نثروا كمياتٍ كبيرة من الفلفل الأسود حول مكان دفنها، لمنع الكلاب من التقاط الرائحة، وبحسب التقدير الأولي للأطباء الشرعيين، فقد استُخدمت مادةٌ ساعدت على تسريع تحلل الجثة بصورةٍ كبيرة.
ترنح عمر من هول ما سمع، وشعر أن الأرض تميد تحت قدميه.ط، أغلق عينيه للحظات، ثم استدار بصعوبة، واستعد للمغادرة.
لكن صوت عامر أوقفه:
- عمر...
توقف دون أن يلتفت، اقترب منه عامر، ثم سأله بصوتٍ يملؤه الأسى:
- كيف حال من في المنزل؟
تنهد عمر بحرقة، ثم أجابه ودموعه تنساب بصمت:
- وكيف تتوقع أن يكون حالهم؟... سيزداد الأمر سوءًا عندما يتيقنون من الحقيقة.
أطرق عامر رأسه بندمٍ شديد، ثم همس بصوتٍ مكسور:
- أعتذر منك كثيرًا يا عمر... لولا أنني تعرفت إليكم، لما حدث كل هذا.
استدار عمر نحوه، ورغم الألم الذي كان ينهش قلبه، حاول أن يتمالك نفسه، ثم أجابه بعقلانية امتزجت بالحزن:
- لا تُحمّل نفسك ما لا طاقة لك به يا عامر، صحيح... لو لم نتعرف إليك، لما وقع ما حدث، لكن هذا لا يغير شيئًا من الحقيقة.
رفع بصره إلى السماء، ثم أردف بصوتٍ خافت:
- لقد كان هذا قدرها... ومشيئة الله فوق كل شيء.
أغمض عامر عينيه، وشعر أن الكلمات تخنقه، ثم قال بندمٍ عميق:
- والله... لم أتمنَّ يومًا أن يحدث هذا، لكن إن احتجتني في أي وقت... فأنا معك، ولن أتخلى عنكم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.