حين يسبق الفقد اليقين
حدّقت بيسان في وجهه، وقد اجتاح قلبها ألمٌ لم تعرف له مثيلًا، فوضعت كفها فوق صدرها بخوف، وكأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانهيار، اقتربت منه بخطوات مرتجفة، ثم هوت على ركبتيها أمامه، وأخذت تبكي بعجز، بينما الكلمات تتكسر فوق شفتيها فقد علمت أنّ الأمر يخص شقيقتها:
- أ... أخبرني أن هذا... ليس صحيحًا... أرجوك، أخبرني ان ما وصلك لا علاقة له بنيسان!.
أشاح عامر بنظره عنها، وقد أثقل الأسف ملامحه، غير قادر على مواجهتها، انتقلت نظراتها المرتجفة نحو عمر، الذي كان يقف في مكانه مصدومًا، لا يستوعب ما يحدث.
نهضت متثاقلة، ثم أمسكت بيده، ورسمت على شفتيها ابتسامة باكية تخفي خلفها انهيارًا كاملًا، وهمست برجاء:
- عمر... إنهم يمزحون، أليس كذلك؟ أخبرني أن صوت إطلاق النار لم يكن قد أصاب نيسان... أليس كذلك؟
ظل عمر ينظر إليها بضياع، قبل أن يلتفت إلى عامر الذي كان يبكي بصمت، اندفع نحوه بعنف، وأمسكه من ياقة قميصه يهزه بقوة بعدما استوعب جزءًا من الحقيقة:
- ما الذي حدث؟ أين نيسان؟
استسلم عامر تمامًا، وانكسر صوته وهو يهمس:
- أقسم... أنني لا أعلم...
وقبل أن يتم حديثه، دوّى صوت إشعار جديد من هاتفه، أخرجه بسرعة، وما إن فتح الرسالة حتى شحب وجهه وسقط الهاتف من بين يديه، وكأن أصابعه فقدت القدرة على حمله.
تبادل النظرات بين عمر وبيسان، التي كانت تبكي بتيهٍ كامل، انحنى عمر ليلتقط الهاتف، وما إن وقعت عيناه على الصورة حتى اتسعتا بصدمةٍ أفقدته القدرة على التنفس.
ثم وصلت رسالة أخرى، فتحها بيدين مرتجفتين، بعدها أخذ يقرأ ما كُتب بصوتٍ مرتفع، بينما كانت الكلمات تمزق قلوب الجميع:
" هل رأيتها أيها الطبيب؟ هذا جزاء من يتحدانا، ما ذنب هذه الصغيرة التي ذهبت ضحية لأفعالك؟ نعم... أنت من قتلها.
آه... نسيت أن أخبرك، لقد كانت تبكي باستمرار، وعندما أخبرناها باسمك أصبحت تتحرك كالمجنونة، لم نفهم منها شيئًا، لكن يبدو أنها تحبك، لقد أحزنني حقًا أنها بكماء.
كان آخر ما أشارت به عندما سألتها: هل تحبين الطبيب عامر؟ فأومأت بالإيجاب.
آه... لقد نسيت مرة أخرى... أوصل سلامي إلى أختها الجميلة التي تبكي دمًا عليها، سأترك لك فرصة البحث عنها... إن استطعت أن تنقذها قبل فوات الأوان.
(S)"
لم يكد ينهي القراءة حتى دوّى صوت ارتطامٍ قوي بالأرض، التفت الجميع في اللحظة نفسها، كانت بيسان قد فقدت وعيها.
هرع عامر إليها بذعر، وحملها بين ذراعيه بسرعة، بينما ركض عمر نحوه وقلبه يكاد يتوقف، اقترب منها وهو يهتف بخوف:
- بيسان... بيسان... أجيبيني!
تحرك عامر بها مسرعًا نحو السيارات، وهو يجيب بصوت متوتر:
- لقد فقدت وعيها... لا تقلق.
---
في تلك اللحظة، كانت غزل تراقب ما يحدث من مرآة السيارة.
انعقد حاجباها بقلق وهي ترى عامر يحمل بيسان بين ذراعيه، بينما يركض عمر بجانبه في حالةٍ من الهلع فتحت باب السيارة بسرعة، وهبطت منها وهي تنظر خلفهما باضطراب:
- ما الذي حدث؟ وأين نيسان؟
مسح عمر دموعه سريعًا، ثم تمتم بصعوبة:
- لا وقت للحديث الآن.
تجمّع الجميع حولهم فور وصولهم، وقد ارتسم القلق والاستفهام على وجوههم، تقدمت مروة بخطوات سريعة، وقد سيطر عليها الخوف:
- ما بها؟ هل هي بخير؟
وضع عامر بيسان برفق داخل السيارة، ثم اندفع نحو المقعد الأمامي خلف المقود، والتفت إلى عمر مستعجلًا:
- هل ستأتي؟
أجابه عمر دون تردد، وهو يتجه نحو السيارة:
- بالتأكيد... أنا قادم معك.
استوقفه جمال وهو ينظر إلى الجميع باستغراب:
- ما الذي يحدث يا عامر؟
مسح عامر دموعه بكف مرتجفة، ثم أجابه بصوتٍ خافت:
- لاحقًا يا أبي...
ثم وجّه أنظاره نحو آدم، وأردف بسرعة:
- آدم، اتصل بالمستشفى، واطلب منهم تجهيز جناح خاص بكل المعدات اللازمة... ثم الحق بي فورًا.
ظل الجميع يتبادلون النظرات بحيرة، لا يفهمون شيئًا مما يجري، اندفعت غزل نحو آدم بعدما أنهى اتصاله، وتمسكت بذراعه وهي تبكي:
- خذني معك... أرجوك.
أومأ لها بموافقة، ثم أجابها بهدوء:
- حسنًا... تعالي.
أوقفتهم مروة، وما يزال القلق ينهش قلبها:
- فليخبرني أحدكم... ماذا يحدث؟
اقتربت منها نادية محاولةً تهدئتها، وربتت على كتفها برفق:
- اهدئي يا سيدة مروة... فنحن مثلك تمامًا، لا نعلم شيئًا.
نظر جمال إلى آدم وهو يستعد لركوب السيارة، ثم خاطبه بحزم:
- اذهبا أنتما، ونحن سنلحق بكم. لا بد أن عامر سيحتاج إليك.
ثم التفت إلى نادية ومروة وفداء، التي كانت تقف تراقب الجميع بعدم فهم، وأضاف:
- وأنتم... اصعدوا، لنذهب إليهم.
مرّت دقائق بدت للجميع وكأنها أعوام، حتى وصلوا إلى المستشفى.
ساد المكان توترٌ خانق، وكأن الجدران نفسها تشعر بما يعتصر قلوبهم، كانت غزل تحتضن والدتها وهي تبكي بصمت، بينما جلس الجميع في قاعة الانتظار يترقبون خروج عامر، وكل واحدٍ منهم يخشى أن يسمع ما لا يحتمل سماعه.
اقتربت نادية من غزل، وربتت على كتفها بحنانٍ أمومي، محاولةً أن تبث فيها شيئًا من الطمأنينة:
- اهدئي يا ابنتي... لا يوجد ما يستدعي كل هذا البكاء، بإذن الله ستكون بخير.
كان آدم يراقبها بصمت، يتمنى لو استطاع أن يخفف عنها شيئًا من هذا الألم، لكنه وقف عاجزًا، لا يجد كلماتٍ تواسيها.
أما فداء...فكانت تنظر إليهم بحيرة، لا تعلم أتحزن لما أصابهم، أم تغضب من نفسها؟ كانت تدرك أن الجميع يعيشون مأساة حقيقية، لكن صورة عامر وهو يحمل بيسان بين ذراعيه، بكل ذلك الخوف واللهفة، كانت تشعل الغيرة داخلها رغمًا عنها.
التفتت بعينيها نحو آدم، فوجدته ينظر إلى غزل بقلقٍ واضح، فعضّت على شفتيها بحسرة، وأشاحت بنظرها بعيدًا.
في تلك اللحظة...فُتح باب الغرفة خرج عامر أولًا، وخلفه عمر الذي أصرّ على الدخول معه طوال فترة علاج بيسان.
ما إن رأته مروة حتى نهضت مسرعة، ودموعها تسبق كلماتها، وأمسكت بذراعه برجاء:
- أرجوك... أخبرني ماذا حدث؟
تنهد عامر بتعبٍ شديد، بينما بدا ذهنه شاردًا وكأن روحه لم تعد معه، جلس بجوارها، ثم ألقى نظرةً سريعة نحو والده قبل أن يجيبها بصوتٍ مرهق:
- انخفض ضغطها بسبب الصدمة التي تعرضت لها... وهي الآن نائمة بفعل المحلول المعلّق بيدها... لا داعي للقلق.
أغمضت مروة عينيها براحةٍ مؤقتة، ثم سرعان ما انتفض قلبها وهي تتذكر:
- لكن... أين نيسان؟
تجمدت ملامح عامر، هربت عيناه منها، وكأن السؤال كان خنجرًا غرس في صدره، وقف بسرعة، متجنبًا النظر إليها، ثم التفت نحو آدم قائلاً بجدية:
- تعال معي.
استوقفه عمر وهو يتقدم نحوه بخطواتٍ ثابتة:
- انتظر... سأرافقكما، فهذا الأمر يخصنا جميعًا.
في تلك اللحظة، تقدمت غزل بخطواتٍ مرتجفة، ومسحت دموعها التي لم تتوقف منذ ساعات، ثم نظرت إلى عمر بخوفٍ يكاد يخنقها:
- أي أمرٍ يا عمر؟ ولماذا نيسان ليست معكم؟ وما ذلك الصوت... صوت إطلاق النار الذي سمعناه؟
ثم انفجر صوتها بالصراخ وهي تهتف:
- أجيبوني!
أمسك عمر كتفيها برفق، يحاول تهدئتها، بينما كان يغلي من الداخل أكثر منها:
- اهدئي يا غزل... سنذهب للبحث عن نيسان.
أطلقت ضحكةً قصيرة ممزوجة بالصدمة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
- البحث عن نيسان؟! أليست في المزرعة؟ ألم تجدوها عندما ذهبتم؟
أخفض عمر رأسه، ثم حرّكه بالنفي، وقبل أن ينطق بكلمة، استعجله عامر بصوتٍ متوتر:
- ليس لدينا وقت يا عمر... هيا.
ثم التفت إلى والده، وأضاف بحزم:
- لا داعي لبقائكم هنا يا أبي... عودوا جميعًا إلى المنزل.
تقدمت فداء نحوه، وقد تملكها القلق مما تسمعه:
- إلى أين ستذهب يا عامر؟ ولماذا؟
حاول أن يسيطر على أعصابه، لكنه كان على وشك الانهيار، ضغط على قبضتيه بقوة، ثم أجابها بصوتٍ متعب:
- فداء... اذهبي مع والديّ، وابقَي معهما، سيكون هناك حرس أمام المنزل، وإذا حدث أي شيء فاتصلي بي فورًا.
ازدادت ملامحها خوفًا، وحدقت فيه باستغراب:
- لماذا كل هذا يا عامر؟ وإلى أين ستذهب؟
في تلك اللحظة...انفجرت أعصابه، صرخ بها، بعدما وصل إلى آخر حدود احتماله:
- فداء... أرجوكِ اصمتي! لم أعد أتحمل أكثر مما أنا فيه... افعلي فقط ما طلبته منكِ!
ساد الصمت. لم يضف حرفًا آخر، ثم ستدار بسرعة، وغادر المكان، بينما تبعه آدم وعمر على الفور.
---
ركب الثلاثة السيارة، ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطعه آدم وهو ينظر إليهما باستغراب:
- والآن... أخبراني ماذا يحدث؟
تنهد عامر بعمق، وأدار المقود متجهًا نحو المزرعة، بينما خرج صوته متحشرجًا من شدة الاختناق:
- أظن... أنها المافيا.
ساد الصمت داخل السيارة، أكمل بصعوبة، بعدما كاد يبكي:
- أعتقد أن صوت إطلاق النار كان أثناء اختطاف نيسان... وبعدها أرسلوا لي صورةً لها... تبدو فيها جثةً هامدة.
توقفت الكلمات في حلقه، ثم أردف بصوتٍ متهدج:
- لكن... أرجو من الله أن نجدها قبل فوات الأوان.
نظر آدم إلى عمر عبر المرآة الأمامية، كان الأخير يجلس شاردًا، بعينين فارغتين، وكأنه لم يعد يشعر بما يدور حوله.
أعاد آدم بصره إلى الطريق، وأخذ يدعو الله بصمت أن تكون الصغيرة ما تزال على قيد الحياة، لم تستغرق الرحلة إلى المزرعة وقتًا طويلًا، لكنها بدت لهم وكأنها دهرٌ كامل.
ما إن توقفت السيارة حتى اندفع عامر خارجها، وركض نحو البوابة الحديدية، فتحها بسرعة، ثم أشعل جميع الأضواء الخارجية، لتغرق المزرعة بأكملها في نورٍ باهتٍ زاد المكان رهبةً ووحشة.
أخرج هاتفه محاولًا الاتصال بالرقم الذي كان يتواصل معه، إلا أن الهاتف كان مغلقًا، قبض على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، ثم اندفع يركض في أرجاء المكان.
بدأ الثلاثة يبحثون بجنون...بين الأشجار...وخلف الإسطبل...وفي الحقول...وحول الأسوار...كان كل واحدٍ منهم يتمسك بأملٍ صغير، لعلهم يعثرون عليها قبل أن يتحول ذلك الأمل إلى حقيقةٍ موجعة.
ومع مرور الساعات...
بدأ الليل ينسحب ببطء، لتعلن خيوط الفجر الأولى عن يومٍ جديد، لكنه لم يحمل لهم سوى المزيد من الخوف، جلس عمر منهكًا على صخرةٍ في إحدى الزوايا، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم أخفى وجهه بين كفيه، بينما أخذت دموعه تنساب بصمت.
انتبه إليه عامر، فتقدم نحوه بخطواتٍ بطيئة، وجلس إلى جواره وهو ينظر إليه بحزنٍ بالغ:
- ما بك؟ لماذا توقفت عن البحث؟
رفع عمر رأسه بصعوبة، وكانت عيناه محمرتين من كثرة البكاء، ثم تمتم بصوتٍ مكسور:
- لم أستطع حمايتها... لقد كانت أمانةً في عنقي... ماذا سأخبر أختها؟ كيف سأخبرها أن نيسان أصيبت برصاصة، ثم اختفت أمام أعيننا؟ لقد فقدت الأمل في العثور عليها... ولا أعلم إن كانت ما تزال على قيد الحياة أم لا.
أطرق عامر رأسه، ثم جلس بجواره يحدق في الأفق البعيد، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال، وبعد لحظاتٍ طويلة من الصمت، خرج صوته متهدجًا:
- أتعلم شيئًا يا عمر... لقد أحببتها من كل قلبي.
ارتجف صوته، ثم ابتسم ابتسامةً حزينة سرعان ما اختفت:
- كانت طفلةً مرحة... تنشر الحياة أينما ذهبت... لا أعلم كيف عرفوا بها، ولا كيف استطاعوا الوصول إليها...
أطلق ضحكةً باهتة امتزجت بالبكاء، ثم أردف:
- هل تعلم أنها أطلقت اسم "بيسان" على المهرة الصغيرة؟ كانت تنظر إليّ بطريقةٍ لا أستطيع وصفها... وكأنها كانت تثق بي أكثر مما أثق أنا بنفسي.
أغمض عينيه بقوة، وانهمرت دمعةٌ حارقة على وجنته.
- أنا السبب فيما أصابها... لو لم أدخل هذه الحرب معهم... لما حدث لها شيء... أنا أعتذر بشدة.
تنهد عمر بحرقة، ثم التفت إليه قائلًا:
- وما ذنبك أنت؟ إنها مشيئة الله... وهذا قدرها.
وقبل أن يرد عامر...وصل آدم إليهما بعد أن أنهى تفقد الجهة الأخرى من المزرعة، كانت ملامحه وحدها كافية للإجابة.
خفض رأسه بأسف، دون أن ينطق بحرف، ابتسم عمر ابتسامةً باهتة يملؤها الانكسار، ثم نهض من مكانه ببطء.
وفجأة توقف، وكأن فكرةً خطرت في ذهنه، التفت إليهما بسرعة، وقال بنبرةٍ استعادت شيئًا من الأمل:
- لماذا لا نذهب إلى مركز الشرطة؟
انتفض عامر واقفًا، وضرب كفه بجبهته بندم:
- كيف غاب ذلك عن بالي؟ هيا... لنذهب بسرعة.
---
وصلوا إلى مركز الشرطة في وقتٍ قياسي، بمجرد دخولهم، طلب عامر مقابلة شادي لأمرٍ عاجل.
ولم تمضِ سوى دقائق حتى استقبلهم شادي باستغراب، بعد أن لاحظ حالة الإرهاق والانهيار التي بدت عليهم، بادره عامر على الفور، وقد تشبث بآخر خيطٍ من الأمل:
- شادي... نريد فريق بحث كاملًا... حالًا.
انعقد حاجبا شادي باستغراب، ثم سأله بهدوء:
- لماذا؟ ماذا حدث؟
تدخل عمر هذه المرة، بينما خرج صوته مثقلًا بالألم:
- هناك طفلةٌ مفقودة... ونريد البحث عن جثتها.
اتسعت عينا شادي بصدمة، نظر إليهما بعدم استيعاب، قبل أن يعيد بصره إلى عامر.
تنهد عامر بعجز، ثم همس:
- أرجوك يا شادي... سنخبرك بكل شيء في الطريق... لكن أسرع.
نظر اليه شادي ببعض متنهدًا قبل ان يجيبه:
- رغم انه لا يجوز الابلاغ ألا بعد أربع وعشرون ساعة، لكن سأساعدكم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!