حينما تنكشف الأقنعة
في إحدى الغرف المظلمة داخل المستودع، كان رئيس المافيا يجلس بهدوءٍ خلف مجموعة من شاشات المراقبة، يتابع كل زاوية في المكان بعينين لا تفوتهما أدق التفاصيل.
كان يعلم مسبقًا بوصول عامر، بعدما تلقى رسالة من شادي نقلها إليه شريف، لذلك لم يكن في حالة ترقب، بل في حالة انتظارٍ هادئ لرؤية ما سيحدث.
ثبت نظره على الشاشة التي يظهر فيها عامر وهو يتنقل بحذر داخل المستودع، لكن انتباهه انجذب فجأة إلى الفتاة التي دخلت بعده، عقد حاجبيه باستغراب وهو يحدق بها مليًا، ثم قرّب الصورة أكثر، محاولًا التأكد من ملامحها.
من تكون؟ وماذا تفعل هنا؟ وكيف تمكنت من الوصول إلى هذا المكان؟ وهل جاءت برفقة عامر؟
ظل يتأمل تفاصيل وجهها بدقة، وكأنه يحاول استخراج إجابة من ملامحها، لكن تركيزه انقطع عندما انفتح باب الغرفة، ودلف شريف وعلى وجهه ابتسامة واسعة تكاد تفضح فرحته، وقف باحترام أمامه، ثم انحنى قليلًا مرددًا:
- احترامي، سيدي.
أومأ له رئيس المافيا برأسه بهدوء، ثم أشار إلى المقعد المقابل له، قبل أن يخاطبه بنبرة ثابتة:
- تفضل يا شريف... ما الذي يسعدك إلى هذا الحد؟
جلس شريف وهو يعجز عن إخفاء ابتسامته المنتصرة، ثم أجاب بحماس:
- سوف نتخلص من عامر، سيدي... لقد قدم نفسه قربانًا لأعماله.
ارتسمت على شفتي الآخر ابتسامة ساخرة، ثم أطلق ضحكة خافتة وهو يجيبه:
- حقًا؟ هل هذا ما تظنه؟ الأمر ليس بهذه السهولة.
بدأت ابتسامة شريف تتلاشى شيئًا فشيئًا، وهو يحدق برئيسه بعدم فهم، ثم سأله باستغراب:
- ماذا تقصد بحديثك هذا، سيدي؟
دون أن يجيبه مباشرة، أدار شاشة الحاسوب نحوه، نظر شريف إلى الشاشة، فرأى عامر يتحرك بحذر وهو يتحدث مع شخصٍ ما.
انتقلت عيناه إلى الفتاة الواقفة بجواره، فعقد حاجبيه باستغراب، ثم تساءل:
- من هذه؟
رفع رئيس المافيا كتفيه علامة على جهله، ثم أعاد الشاشة أمامه وهو يتابع المشهد باهتمام بالغ.
وقف شريف فجأة وقد تسلل القلق إلى قلبه، ثم تمتم باضطراب:
- لا يُعقل... هل اكتشف الفخ الذي نصبناه له؟
ابتسم الآخر بثقة، ثم استنشق الهواء بعمق قبل أن يزفره بهدوء، وأجاب:
- أجل... لقد علم بالفخ، لكن انظر هنا.
عاد شريف ببصره إلى الشاشة مرة أخرى، وما إن رأى أحد الرجال يوجه سلاحه نحو عامر حتى اتسعت ابتسامته من جديد، في تلك اللحظة، دوّى صراخ بيسان داخل أرجاء المستودع، إلا أنها لم تظهر بعد على الشاشة.
تابع المشهد باستمتاع، لكن ابتسامته اختفت في لحظة، عندما استدار عامر بسرعة البرق، وصوّب سلاحه نحو الرجل، مطلقًا رصاصته أولًا، ليسقط الآخر قتيلًا قبل أن يتمكن حتى من الضغط على الزناد.
هوى شريف بكفه على سطح المكتب بعنف، وقد اشتعل الغضب في عينيه، ثم صاح وهو يلتفت إلى رئيسه:
- أرسل المزيد من الرجال ليتخلصوا منهم... أنت تعلم جيدًا أن عامر ليس رجلًا سهلًا.
أشار رئيس المافيا إلى الشاشة بثقة، ثم ضغط زرًا صغيرًا بجوار يده، وخلال ثوانٍ معدودة، بدأ عدد من الرجال المسلحين ينتشرون حول عامر وبيسان من مختلف الجهات.
ابتسم بهدوء وهو يرد:
- لا داعي لأن تتحدث يا شريف... أنا أعلم جيدًا ما الذي أفعله.
مال شريف بجسده إلى الأمام، وقد عاد الاستمتاع يرتسم على ملامحه وهو يشاهد المشهد، ثم تمتم بإعجاب:
- أحسنت، سيدي.
....
في الطابق السفلي...
كان عامر يعيش صراعًا داخليًا عنيفًا، الخوف على بيسان كان ينهش قلبه، بينما كانت حواسه كلها في حالة استنفار، مترقبًا أي غدر قد يأتيه من أي اتجاه.
لقد اصرت بعنادٍ ان تلج معه للداخل رغم انه اقفل عليها باب السيارة إلا أنها وبطريقةٍ ما هبطت ولحقت به، وهذا ما جعله يرفع صوته عليها خوفًا وقلقًا، وقد اكتشف جانبًا آخر منها لك يكن يعلم به ألا وهو عنادها.
كان يعلم ان الامر لن يمر مرور الكرام، ولن يستطيع التركيز والتحرك وهو معها لأن جميع حواسه ستكون مركزة لحمايتها، لكن السيف قد سبق العزل.
نظر أمامه ليجد خمسة رجال قد أحاطوا بهما، مشكلين دائرة محكمة لا تترك أي منفذ للهروب.
ثبت نظره على الرجل الذي أمره بإنزال سلاحه، ثم جذب بيسان خلف ظهره بحركة سريعة، واقفًا أمامها كدرعٍ يحميها، قبل أن يخاطبه بهدوء حذر:
- حسنًا... كما تريد، لكن لا يقترب أحد منها... هل هذا واضح؟
أشار الرجل إليه مرة أخرى طالبًا منه إنزال سلاحه، أخذ عامر نفسًا عميقًا، ثم بدأ يخفض سلاحه ببطء شديد، بينما كانت عيناه تراقبان المكان من طرف خفي.
لمح الجثة التي أسقطها قبل قليل، ولم تكن تبعد عنه سوى خطوات معدودة، وما إن لامس سلاحه الأرض، حتى دس يده خلف ظهره ببطء، وأخرج قنبلة صغيرة كان يخفيها.
وضعها أمامه بهدوء...فتراجع الرجال عدة خطوات بصورة غريزية، في تلك اللحظة، أمسك بيد بيسان بقوة، بعدما قرأ الرعب الواضح في عينيها، ثم رفع صوته محذرًا:
- الجميع يُنزل سلاحه... بسرعة، وإلا فجرتها.
تبادل الرجال النظرات فيما بينهم، ثم نظروا إلى قائدهم الذي أومأ لهم بالموافقة، امتثل الجميع للأمر، وأنزلوا أسلحتهم على مضض.
في الخلف، كانت بيسان تتشبث بقميص عامر بكل قوتها، بينما كانت أناملها ترتجف من شدة الخوف وهي تلعن تهورها وعنادها الذين قاداها الى هنا.
شعر عامر بارتجافها، فقبض على يدها بقوة أكبر، وكأنه يحاول أن يبعث إليها شيئًا من الطمأنينة.
ثم تقدم بخطوات محسوبة نحو سلاحه الملقى على الأرض..لكن عينيه التقطتا حركة خفية...كان قائد المجموعة يحاول رفع سلاحه ببطء.
وفي أقل من ثانية...انحنى عامر، والتقط سلاحه بسرعة مذهلة، وأطلق رصاصته في اللحظة نفسها التي ضغط فيها الرجل على الزناد، خفض جسده فورًا، حاجبًا بيسان خلفه، بينما أصابت رصاصة الرجل أحد رجاله الواقفين في الخلف.
اعتدل عامر سريعًا، وأطلق عدة طلقات متتالية نحوهم، ثم نزع مسمار الأمان من القنبلة، وقذفها باتجاههم دون تردد، قبض على يد بيسان بقوة، وانطلق بها راكضًا نحو الطابق العلوي بأقصى سرعة.
كل ذلك حدث خلال ثوانٍ معدودة...ثوانٍ كانت كفيلة بتحويل المكان إلى ساحة حرب.
دوّى الانفجار في أرجاء المستودع بعنف، واهتزت الجدران المتهالكة تحت وطأة قوته، بينما تصاعدت سحابة كثيفة من الدخان والغبار، واختلطت بأصوات الصراخ والارتطامات.
كان عامر يركض ممسكًا بيد بيسان بكل ما أوتي من قوة، غير آبه بما يحدث خلفه، فلم يكن يشغل باله في تلك اللحظة سوى إخراجها من ذلك المكان سالمين.
وخلال صعودهما السلالم، دوّى صوت الانفجار مرة أخرى بصورة أوضح، فارتجف جسد بيسان بعنف، واندفعت دون وعي لتلتصق بعامر، وقد غلبها الخوف من شدة الصوت.
شعر عامر بارتجافها، فتوقف عن الركض للحظات، واستدار إليها، ثم ثبت يديه على كتفيها محاولًا بث الطمأنينة في قلبها، وهمس بصوت هادئ رغم توتره:
- لا تخافي... سوف نخرج من هنا. ا
رفعت إليه عينيها الممتلئتين بالدموع، بينما كانت أنفاسها تتلاحق من شدة الرعب، ثم همست بصوت مرتجف:
- إنني خائفة يا عامر... أريد أن أغادر هذا المكان... أريد العودة إلى البيت، ليتني لم أعاندك.
انعقد قلبه وهو يرى ذلك الخوف الصادق في عينيها، فابتسم لها ابتسامة دافئة، وحاول أن يبدو أكثر ثباتًا مما يشعر به، ثم أردف بحنان:
- لا تقلقي... أعدك أن أخرجك من هنا سالمة.
وبينما كان يتفقدها سريعًا، وقع بصره على آثار الدماء المنتشرة على جانب وجهها، فتجمدت ملامحه، واتسعت عيناه بقلق بالغ، ثم سألها بسرعة:
- هناك دماء... وهذه الجروح... كيف حدث ذلك؟ أجيبيني.
رفعت بيسان يدها تتحسس الخدوش المنتشرة على وجهها، وما إن لامستها حتى أغمضت عينيها بألم خافت، لكنها سرعان ما ابتسمت محاولة طمأنته، ثم أجابت:
- لا تقلق يا عامر... إنها مجرد خدوش بسيطة... لكن الأهم الآن، كيف سنخرج من هنا؟
رفع عامر رأسه يتفحص السلالم والممرات بحذر، ثم بدأ يصعد بخطوات هادئة، وهو يراقب المكان من حوله في كل لحظة، قبل أن يجيبها:
- اتبعيني... نستطيع الخروج من هذا الطابق، لكن علينا أن نبحث عن آدم أولًا.
توقفت بيسان للحظة وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا، ثم أسرعت تخبره:
- عامر... لقد اتصلت بعمر، وأرسلت إليه الموقع، وقال إنه سيأتي بعد أن يذهب إلى مركز الشرطة.
التفت إليها عامر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة امتزج فيها الحب والامتنان والفخر، ثم أجابها وهو يواصل صعود الدرج:
- أحسنتِ صنعًا.
بادلتْه ابتسامة خفيفة، ثم تبعته بحذر، بينما كانت خطواتها تزداد بطئًا كلما ازداد صمت المكان من حولهما.
وبعد دقائق، وصلا إلى باب كبير بدا وكأنه يقود إلى جزء آخر من المستودع، توقف عامر أمامه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أمسك بالمقبض وفتحه بحذر شديد، وما إن انفتح الباب حتى شق صراخ بيسان المكتوم سكون المكان.
استدار عامر بسرعة مذهولة، وقد اجتاحه الذعر، ليجد أحد الرجال يقف خلفها، ممسكًا بها بقوة، بينما يوجه فوهة سلاحه نحو رأسها، استل عامر سلاحه في لمح البصر، وصوبه مباشرة نحو الرجل، ثم صاح بغضب مكتوم:
- اتركها حالًا!
لكن بيسان، التي كانت تحاول جاهدة تخليص نفسها من قبضته، اتسعت عيناها فجأة وهي تنظر إلى ما خلف عامر، ثم صاحت بخوف شديد:
- عامر... انتبه خلفك!
تجمد عامر في مكانه للحظة، وصل إلى سمعه صوت رجل يأمره ببرود:
- ارفع يديك.
أغمض عينيه لثانية، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم رفع يديه ببطء علامة استسلام، قبل أن يستدير نحو مصدر الصوت.
وما إن وقعت عيناه على الرجل حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة مكسورة، امتزجت بالخذلان وعدم التصديق، ثم تمتم بصوت خافت:
- لم أتوقع منك هذا يا شادي.
ابتسم شادي ابتسامة امتلأت بالكراهية، ثم أجابه ببرود:
- حقًا يا عامر؟ وماذا كنت تتوقع؟ أن أستقبلك بالأحضان وأبتسم في وجهك وأنا أكرهك إلى هذا الحد؟ أما زلت لا تعلم ماذا فعلت؟ لقد دمرت حياة أختي.
انعقد حاجبا عامر باستنكار شديد، ثم سأله بعدم فهم:
- أنا؟ أختك؟ ماذا فعلت لها؟
تنهد شادي، وبدت على وجهه ملامح ألم قديم، ثم أجاب بصوت اختلط فيه الحزن بالغضب:
- لقد أحبتك من أعماق قلبها يا عامر... حتى إنها تحدّت عاداتنا وتقاليدنا عندما اعترفت بحبها لك أمام والدي وجدي.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يرفع صوته بغضب وهو يكمل:
- لماذا أوهمتها بحبك؟ لماذا علقتها بك ثم خدعتها؟ أجبني... لماذا فعلت ذلك؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!