دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 55 من 61
وضع القراءة:

صدمة قوية لم توقعها أحد

ابتعدت عن الطاولة واتجهت إلى مكان أكثر هدوءًا، ثم أجابت خالها بصوت منخفض:
- ماذا هناك يا خالي؟
تحدث سعيد بانفعال:
- كيف تخرجين معه؟ واليوم هو موعد التسليم.
نظرت فداء حولها باستغراب:
- وما دخلي بذلك يا خالي؟
ساد الصمت للحظات قبل أن يجيبها سعيد بضيق:
- الرسالة التي تركتها لكِ صباحًا.
تغيرت ملامحها فورًا:
- لا... لم أقرأ أي رسالة، أين وضعتها؟
ضغط سعيد على وجهه بغضب، محاولًا السيطرة على أعصابه:
- هل سأل عني عامر؟
أجابته فداء بتأكيد:
- أجل، وأخبرته أنك مع صديق لك تقوم بإجراء بعض الفحوصات.
تنفس سعيد براحة نوعًا ما:
- أحسنتِ يا فدوى... إنك تستغلين ذكاءك جيدًا.
تغيرت ملامح فداء عند سماع الاسم، فهي تكره أن يعيدها إلى تلك الهوية التي حاولت نسيانها:
- ما الذي كنت تتوقعه؟ أن أخبره أنك تستطيع السير؟ أم أخبره أنك الرئيس؟
ساد الصمت للحظة، ثم جاء صوت سعيد بحدة:
- هل تتحدثين أمامه أيتها الغبية؟
أغمضت فداء عينيها بضيق:
- اطمئن... لقد ابتعدت عنه.
هدأ سعيد قليلًا، ثم عاد للحديث عن الأمر الأساسي:
- حسنًا، نعود لموضوعنا... أنتِ من ستقوم بالاستلام هذه المرة.
تغيرت ملامح فداء فورًا:
- لا، لن أفعل لقد أخبرتك سابقًا بذلك، يكفي أنك ورطتني معك في هذه الأعمال.
ارتفع صوت سعيد بغضب:
- لا تجعليني أجن يا فداء! لقد اتفقنا على هذا، ولا نقاش في الموضوع.
شعرت بغصة في حلقها، فهي لم تعد تريد أن تكون جزءًا من هذا العالم:
- لا أريد... لماذا لا تفهم ذلك؟ اجعل شريف يقوم بالأمر مثل كل مرة.
أخذ سعيد نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة غضبه:
- كما تشائين يا فدوى... سوف نقوم بتأجيلها بعد شهرين من الآن مع آخر تسليم لدينا، وهكذا تكون أكبر طلبية تصل إلينا.
مسحت فداء دمعة نزلت رغمًا عنها:
- كما تريد يا خالي، لكن لا تنادني بفدوى، حسنًا؟ إنني فداء... ألم تمسح اسمي من جميع الإثباتات وسجلتني بفداء؟
تضايق سعيد من حديثها وقد شعر بالغضب من تغيرها:
- لقد تماديتِ في حديثك معي.
رسمت فداء ابتسامة حزينة رغم ألمها:
- أعتذر منك أيها الرئيس... سوف أغلق الآن، فقد جعلت عامر ينتظر كثيرًا.
أغلقت الهاتف، ثم بقيت للحظات تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة، غسلت وجهها بالماء محاولة إخفاء آثار الدموع، ثم عادت إلى عامر، عندما وصلت إليه، نظرت إليه باعتذار:
- أعتذر منك يا عامر، لكن خالي يريدني الآن... لقد وصل إلى البيت.
نظر إليها عامر بصمت للحظات، محاولًا قراءة ملامحها، لكنه لم يجد سوى الحزن الذي تحاول إخفاءه، ثم وضع الحساب على الطاولة ونهض:
- كما تشائين فداء... هيا بنا.
بعد مدة، أوصلها عامر أمام المنزل، وقبل أن تنزل، نظر إليها بغموض وقال:
- أوصلي سلامي لخالك... كنت أود رؤيته، لكن لدي موعد الآن.
تنهدت فداء، ثم فتحت الباب:
- لا تقلق، سوف أقوم بإبلاغه سلامك... اعتنِ بنفسك جيدًا.
راقبها عامر حتى دخلت المنزل، ثم بقي للحظات يفكر في كل ما سمعه، كان يشعر أن الطريق أصبح أقرب إلى الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر خطورة.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في ذلك الوقت كانت بيسان تجلس برفقة والدتها، وقد بدا الهدوء على المكان رغم التوتر الذي يحيط بهما، كان هذا اليوم مختلفًا بالنسبة لأحلام، فهو اليوم الذي ستبدأ فيه أول خطوة حقيقية للخروج من علاقة أثقلت قلبها طويلًا، كانت بيسان تمسك بيد والدتها بحنان، تراقب ملامحها التي تحاول إخفاء الكثير خلف ابتسامتها الهادئة.
لم تكن تريد أن تراها ضعيفة، لكنها كانت تعلم جيدًا كم تحملت أحلام، وكم حاولت الصمود رغم كل ما مرت به، ضغطت بيسان على يدها بلطف، ثم سألتها باهتمام:
- أمي... هل أنتِ بخير؟
ابتسمت أحلام بهدوء، وكأنها تطمئن ابنتها قبل أن تطمئن نفسها:
- أجل، إنني بأفضل حال، والحمد لله.
اقتربت مروة منها وربتت على كتفها بحنان، محاولة منحها بعض القوة:
- لا تقلقي، سوف يوافق على ذلك.
كان الجميع يحاول طمأنتها، لكن عمر كان ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى، كان يفكر بالعواقب، فالأمر ليس مجرد جلسة انفصال، بل هناك أسرار كثيرة قد تجعل الأمور أكثر تعقيدًا، تحدث وهو يفكر:
- لقد استعجلتِ خالتي بالموعد... ألم يكن الأفضل أن تؤخريه حتى يتم اكتشاف أمره ويصدر الحكم عليه؟ سيكون هذا أسهل بالنسبة لكِ، ويكون لديكِ سبب واضح.
أومأت غزل مؤيدة كلامه:
- هذا صحيح، سيكون أفضل لكِ، لأنكِ الآن لا تعلمين هل سيماطل أم لا.
نظرت أحلام حولها بحيرة، فقد كانت بالفعل لا تعرف ما هو القرار الصحيح:
- حقًا... لا أعلم ما علي فعله.
نظرت إليها بيسان بهدوء، فهي لم تكن تريد أن تعود والدتها إلى دائرة الانتظار من جديد:
- أجل، إن غبتِ عن الجلسة فسوف يتم تأجيلها تلقائيًا... ثم ما أدراكِ أنه سيحضر اليوم؟ قومي أنتِ بسبقه، ولا تحضريها.
فكرت أحلام قليلًا، ثم تنفست براحة وكأنها وجدت حلًا مؤقتًا:
- حسنًا... لن أذهب اليوم.
ساد الهدوء للحظات، قبل أن يقطعه رنين هاتف عمر، نظر إلى الشاشة، وما إن رأى اسم المتصل حتى ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه:
- كيف حالك يا عامر؟
جاء صوت عامر سريعًا، وكأنه يريد إنهاء أمر مهم:
- عمر، أريد أن أحدد موعد الزفاف بعد شهرين ويوم من الآن.
عقد عمر حاجبيه باستغراب، فقد لم يتوقع أن يتغير الموعد بهذه السرعة:
- ما الذي تقصده يا عامر؟ ألم نتفق قبل ذلك؟
نظر عامر إلى آدم الذي كان بجانبه، ثم أجاب بثقة:
- أجل، لقد اتفقنا، لكن لا تقلق... سوف أنهي أموري خلال شهرين.
كان يعلم أن الوقت ليس في صالحه، وأن عليه إنهاء كل شيء قبل أن تتعقد الأمور أكثر، أخذ عمر نفسًا قصيرًا، ثم نظر إلى الفتيات قبل أن يجيب:
- حسنًا، كما تريد... سوف أسألهن أولًا إن كان يناسبهن أم لا.
ظهر صوت عامر يحمل بعض التمني:
- أتمنى أن يكون يومًا مناسبًا، اعتنِ بنفسك.
أغلق عمر الهاتف، ثم نظر إلى الجميع، كان يحمل سؤالًا بسيطًا لكنه سيغير الكثير من ترتيباتهم:
- هل يناسبكم أن يكون موعد زفافكم بعد شهرين ويوم؟
جاءت الإجابات في اللحظة نفسها:
- نعم/ لا.
ضحك عمر بسبب اختلاف الإجابات، ونظر إليهن باستغراب:
- لم أفهم... ما هي إجابتكم؟
نظرت بيسان إلى غزل، ثم تحدثت بتردد:
- لا... كيف سنجهز أمورنا وثيابنا ومتعلقاتنا؟ نحتاج إلى وقت كبير.
ابتسمت غزل بثقة، فهي كانت متحمسة للفكرة منذ البداية:
- إنه مناسب يا بيسان، نستطيع إنهاء جميع أمورنا خلال شهر واحد، أليس كذلك يا أمي؟
أومأت مروة بتأكيد:
- أجل، هذا صحيح.
ثم نظرت إلى أحلام:
- إنه مناسب بعد شهرين من الآن.
ابتسمت أحلام بهدوء:
- أجل، إنه مناسب.
عاد عمر بنظره إلى بيسان، وكأنه ينتظر استسلامها:
- ها... ماذا قلتِ؟
تنهدت بيسان بقلة حيلة، فهي تعرف أنها لن تستطيع إقناع غزل بعكس ذلك:
- كما تشاؤون... بعد شهرين بعد شهرين.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
مرت الشهور التالية بسرعة لم يشعر بها أحد، كان الشهران يحملان الكثير من اللحظات الجميلة التي حاول الجميع التمسك بها وسط كل ما يحيط بهم من مخاطر.
لم يخلُ يوم من مفاجأة جميلة أو هدية صغيرة من عامر وآدم إلى بيسان وغزل، حاولا أن يجعلا هذه الفترة مختلفة، فترة تحمل الذكريات السعيدة بدلًا من الخوف والقلق، نسي الجميع العالم من حولهم للحظات، واستمتعوا بكل يوم وكأنه فرصة جديدة للحياة.
أما عامر، فكان لا يزال يتعامل مع فداء بحذر ولطف، محاولًا ألا يجعلها تشعر بشيء حتى يصل إلى الحقيقة التي يبحث عنها.
وفي المقابل، اختفى شريف وسعيد تمامًا، ولم يظهر لهما أي أثر.
أما عمر، فقد ذهب قبل أسبوع لطلب هبة، ابنة أخت سامي، وتم الأمر على أن تتم خطبتهما بعد مرور شهر من زفاف عامر وآدم.
كانت الأيام تمضي، لكن خلف هذا الهدوء كان هناك شيء يقترب، شيء سيعيد فتح كل الملفات المغلقة.
-««::::::::::::::-:::::::::::::»»-
في المساء، وقبل الزفاف بيومين، كان عامر يقف مع سامي وآدم وعمر في مكان مظلم لا يكاد يُرى فيه شيء.
كان المكان هادئًا بشكل مخيف، يحتاج الشخص فيه إلى تركيز كبير حتى يميز ما حوله، همس سامي وهو يراقب الطريق:
- انظروا... ها قد وصل الطرفان.
ثبت الجميع أنظارهم نحو المكان، ظهرت سيارتان كبيرتان سوداوستا اللون تقتربان ببطء، وكأنها تحمل معها سرًا جديدًا، توقفت السيارات، وبدأ الأشخاص بالنزول.
من السيارة الأولى نزلت فداء برفقة سعيد خالها وشريف، بينما انتشر الحراس حولهم بسرعة، أما السيارة الأخرى، فنزل منها شخصان يرافقهما عدد من الحراس.
راقب عامر المشهد بتركيز، ثم سأل سامي بصوت منخفض:
- ألا تقبض عليهم الآن؟
هز سامي رأسه نافيًا:
- لا... ليس الآن. انتظر، لم يأتِ الرأس الكبير بعد.
نظر إليه عامر باستفهام:
- ماذا تقصد؟
أشار سامي إلى سيارة شحن كبيرة تقترب من المكان:
- عن هذه أتحدث.
ثم رفع الجهاز الذي بيده، وأرسل الإشارة إلى رجاله المختبئين:
- استعدوا يا رجال... عند سماع الإشارة.
في الجهة الأخرى، كانت فداء تتحدث مع الرجل المسؤول عن الطلبية، محاولة إنهاء الأمر كما طُلب منها.
لكن قبل أن تكتمل الكلمات...دوّى صوت إطلاق النار في المكان....تغير كل شيء خلال لحظات، تحول الهدوء إلى فوضى، وبدأ الجميع بالتحرك بسرعة نحو سياراتهم، بينما تبادل الحراس إطلاق النار في كل اتجاه.
اختبأ الجميع خلف ما استطاعوا، وأصبحت الأصوات المتداخلة تجعل معرفة ما يحدث أمرًا صعبًا.
وبعد مدة من الاشتباك، تحرك سامي وخلفه عامر وآدم باتجاه سيارة سعيد....كانوا يعلمون أن اللحظة الحاسمة قد اقتربت.
وصل عامر إلى السيارة، ومد يده نحو الباب، ثم فتحه ببطء...لكن ما رآه في الداخل جعله يتجمد في مكانه، اتسعت عيناه بصدمة، وكأن الحقيقة التي ظهرت أمامه كانت أكثر مما يستطيع تحمله.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف 44 حين تتشابك الأقدار وتُختبر القلوب 45 اعترافات خلف الأبواب 46 بين عقدٍ يُخفي الحقيقة، ووعدٍ يقترب من الانكسار 47 الوعد الذي سبق العاصفة 48 بداية العهد وأسرار تُكتشف 49 رسـالـة مـن الـمـاضـي 50 تردد وخوف 51 رسالة تُربك القلوب 52 بين الحقيقة والوهم 53 حين تتشابك الخيوط 54 بداية الحقيقة 55 صدمة قوية لم توقعها أحد 56 حين تنكشف الأقنعة 57 نهاية الخداع 58 دوامة الشك وعودة الروح 59 دوامة الشك وعودة الروح 60 حين عاد الغائب... ورحل الحبيب 61 حين يصبح الصمت وجعًا 62 رسـائـل مـحـب 63 حين يعود القلب إلى موطنه، الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.