عودةٌ من بين المقابر
__________**
وقف عامر يرمقها بقلقٍ بالغ، وقد انعقد قلبه خوفًا عليها. كانت ساكنةً تمامًا، مغمضة العينين، لا يصدر عنها أي حراك. شفتاها اكتستهما زرقةٌ بنفسجية، وتحت عينيها ارتسمت هالاتٌ زرقاء تُجسد ما عانته من إرهاقٍ وانهيار، أما أنفها فكان محمرًّا من فرط البكاء.
ابتلع غصته التي جففت حلقه، ثم انحنى إليها ببطء، واضعًا إصبعه أسفل أنفها يتحسس أنفاسها بحذرٍ شديد. بقي لثوانٍ معدودة يحبس أنفاسه، قبل أن يزفرها براحةٍ كبيرة عندما تأكد أنها تتنفس بانتظام.
أغمض عينيه للحظة شاكرًا الله، ثم خلع سترته سريعًا، وألقى بها فوقها برفق بعدما لاحظ أنها لا ترتدي سوى عباءةٍ سوداء لا تقيها برد الليل.
أدار بصره في أرجاء المقبرة باحثًا عن أي وسيلة تساعده، إلا أن المكان كان موحشًا وصامتًا، لا يرافقه سوى نسيم الليل البارد، ضم شفتيه مفكرًا، ثم اتخذ قراره.
تقدم نحوها، وانحنى بجوارها، فأدخل إحدى يديه أسفل ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، ثم رفعها بحذرٍ شديد، وكأنه يحمل قطعةً من البلور يخشى أن يصيبها أدنى خدش.
تحركت قليلًا بين ذراعيه...فتجمد مكانه فورًا، واتسعت عيناه بتوتر، خشية أن تستيقظ، فيحدث ما لا تُحمد عقباه، رفرفت أهدابها ببطء، ثم فتحت عينيها نصف فتحة، ونظرت إليه بنظراتٍ يغمرها النعاس.
ابتلع ريقه بصعوبة، أما هي...فاكتفت بابتسامةٍ باهتة، قبل أن تدفن رأسها في صدره، وتغلق عينيها من جديد، وكأنها استسلمت لإرهاقها بالكامل.
أما هو...فبقي واقفًا لدقائق، كتمثالٍ نُحت من الحجر، عاجزًا عن الحركة أو حتى التفكير، يحاول استيعاب ما حدث للتو.
هز رأسه بقوة، نافيًا سيل الأفكار التي اقتحمت عقله، واستغفر ربه في سره، ثم تابع سيره خارج المقبرة بخطواتٍ ثابتة، وصل إلى سيارته، وفتح الباب الخلفي بحذر، ثم أنزلها على المقعد برفقٍ بالغ، وعدّل سترته فوق جسدها حتى لا تشعر بالبرد.
أغلق الباب بهدوء، ثم اتجه إلى المقعد الأمامي، وجلس خلف المقود، وألقى عليها نظرةً أخيرة مطمئنة قبل أن يدير المحرك وينطلق.
---
بعد مرور بعض الوقت...
أوقف عامر سيارته أمام العمارة السكنية التي تقطن فيها بيسان، ترجل منها، واتجه نحو الباب الخلفي، ثم فتحه ببطء، أخذ نفسًا عميقًا...وانحنى يحملها بين ذراعيه مرةً أخرى.أغلق الباب بقدمه، ثم تطلع إليها.
كانت تغط في نومٍ عميق، وقد عاد شيءٌ من لون بشرتها الطبيعي، بعدما زال عنها ذلك الشحوب المخيف.
توجه نحو مدخل البناية، ثم صعد الدرج المؤدي إلى شقتها بخطواتٍ هادئة، حريصًا ألا يوقظها، وقف أمام الباب، وضغط على جرس المنزل، انتظر دقيقةً كاملة، حتى وصله صوت عمر من الداخل، يتساءل بحذر عن الطارق.
تنهد عامر، ثم أجابه بصوتٍ خافت:
- أنا... عامر.
اقترب عمر من الباب، ونظر عبر العين السحرية، فتفاجأ بشخصٍ يحمله عامر بين ذراعيه، انعقد حاجباه بدهشة، وسارع بفتح الباب، رفع بصره نحو عامر، ثم انتقل بنظراته إلى الفتاة التي يحملها.
وقبل أن يسأله، بادره عامر هامسًا:
- إنها بيسان... لقد وجدتها.
اتسعت عينا عمر بعدم تصديق، واقترب منها بسرعة، ثم أبعد السترة قليلًا عن وجهها، وما إن تأكد أنها بالفعل بيسان، حتى ارتسمت على ملامحه سعادةٌ امتزجت بارتياحٍ كبير، تطلع إليه عامر، ثم أردف بهدوء:
- هل الطريق آمن بالداخل؟
أومأ عمر برأسه بسرعة، وقد غمرته الفرحة، ثم رفع صوته وهو يتجه إلى الداخل:
- غزل... لا تخرجي من غرفتك، عامر هنا.
دخل عامر إلى المنزل وهو يحمل بيسان بين ذراعيه، بينما فتح له عمر باب غرفتها، اقترب من السرير...ثم أنزلها فوقه برفقٍ شديد، وكأنه يخشى أن تنكسر بين يديه، مد يده نحو سترته ليستعيدها، لكنه تفاجأ بأنها كانت ممسكة بطرفها بقوة، حتى وهي غارقة في نومها.
توقف للحظة...ثم اعتدل في وقفته، وأطلق زفرةً طويلة، ارتسمت معها ابتسامةٌ دافئة لم يستطع إخفاءها، استدار بهدوء، وغادر الغرفة، بينما تبعه عمر، ثم أغلق الباب خلفهما برفق.
بعد أن غادرا الغرفة، اتجه عمر نحو الأريكة وجلس عليها بإرهاقٍ واضح، ثم أشار لعامر أن يجلس بجواره.
استجاب عامر لإشارته، وألقى بجسده المتعب على المقعد، بينما كانت ملامح الإرهاق ترتسم بوضوح فوق وجهه.
في تلك الأثناء، خرجت مروة على عجل، وقد كانت ترتدي ثياب الصلاة، ويبدو أنها كانت في خلوةٍ مع ربها قبل لحظات.
ما إن وقع بصرها على عامر، حتى اتسعت عيناها خوفًا، وسارعت إليه وهي تستفسر بقلقٍ بالغ:
- ما الأمر يا بني؟ هل بيسان بخير؟ هل وجدتموها أم ماذا؟
ارتسمت على شفتي عامر ابتسامة مطمئنة، وأومأ برأسه قائلًا:
- لا تقلقي يا خالتي... إنها بالداخل.
انعقد حاجباها باستغراب، ثم التفتت نحو عمر قبل أن تعود ببصرها إلى عامر، وسألته باستفهام:
- وأين وجدتها يا عامر؟ هل كان شادي هو من عثر عليها؟
حرك رأسه نافيًا، وأجابها بهدوء:
- لا... شادي لم يتواصل معي من الأساس، لقد وجدتها نائمةً في المقبرة... فوق قبر نيسان.
ما إن أنهى كلماته، حتى ضرب عمر جبهته بكف يده بقوة، وهو يلوم نفسه:
- يا لغبائي... كيف نسيت المقبرة!
جلست مروة قبالة عامر، وقد غلب الامتنان على ملامحها، ثم خاطبته بصوتٍ اختنق بعبرته:
- شكرًا لك يا بني... لقد أتعبناك معنا حقًا.
بادلها نظرة احترام، ثم أجابها بإخلاص:
- لا داعي للشكر يا خالتي... هذا واجبي، وكان من الطبيعي أن أبحث عنها.
تنحنح بخفة، ثم وضع يده خلف عنقه بتوترٍ واضح، كان يريد أن يخبرهم بما يجول في قلبه...أن يفتح لهم باب الحديث الذي ظل يؤجله طويلًا...رفع عينيه نحوهم، واعتدل في جلسته، إلا أن الكلمات بقيت حبيسة صدره.
أطلق زفرةً مثقلة بالحيرة، هل هذا هو الوقت المناسب يا عامر؟ أما ترى ما يمرون به من ألم؟ ابتلع ما أراد قوله، ثم نهض مستأذنًا، ورسم على شفتيه ابتسامةً باهتة نجح في إخفاء وجعه خلفها:
- حسنًا... أمسيتُم بخير، والحمد لله على سلامتها مرةً أخرى.
تابعته مروة بعينين يملؤهما الامتنان، بينما نهض عمر بدوره، واتجه معه نحو باب المنزل، وقف عامر خارج الشقة مودعًا إياه، ثم أردف بنبرة هادئة:
- اعتنوا بأنفسكم جيدًا... والحمد لله على سلامتها مرةً أخرى.
ظل عمر ينظر إليه بصمت، وقد ارتسمت على ملامحه نظرةٌ غريبة أثارت في نفس عامر شيئًا من الريبة، وبعد لحظات، قطع ذلك الصمت متسائلًا:
- عامر... ماذا كنت تريد أن تخبرنا به في الداخل؟
ارتبك عامر للحظة، ثم ابتسم ابتسامةً متوترة وهو يجيبه:
- لا شيء يا عمر.
رفع عمر أحد حاجبيه بعدم اقتناع، ثم أغلق الباب خلفه، وتقدم خطوةً نحوه، قبل أن يخفض صوته هامسًا:
- بل هناك شيء... كنت على وشك الحديث، ثم تراجعت... وأظن أنني أعرفه.
انعقد حاجبا عامر بريبة، وسأله باستغراب:
- تعرف ماذا؟
أدخل عمر يديه في جيبي بنطاله، ثم أجابه بثقة:
- اهتمامك ببيسان.
في تلك اللحظة...جف ريق عامر تمامًا، وكأنه يسير في صحراء قاحلة لم تعرف الماء يومًا.
ابتلع بصعوبة، ثم أسرع إلى فك الزر الأول من قميصه، بينما أخذت عيناه تضطربان بصورةٍ واضحة، حاول أن يرسم ابتسامةً طبيعية...لكنه عجز....حاول أن يتكلم...
لكن الكلمات خانته، رفع يده يمسح قطرات العرق التي تجمعت فوق جبينه، بينما كان عمر يراقبه باستغراب، ثم وضع يده على كتفه متسائلًا بقلق:
- عامر... ما بك؟ هل أنت بخير؟
التفت إليه عامر بسرعة، وأومأ برأسه عدة مرات محاولًا التماسك:
- أجل... أجل، أنا بخير.
أعاد عمر يده إلى جيبه، ثم أكمل حديثه بهدوء:
- أعلم أنك تعيش صراعًا مع تأنيب الضمير، فمن جهة ترى أنك تسببت في وفاة طفلةٍ لا ذنب لها، ومن جهةٍ أخرى أوصلت فتاةً في عمر الزهور إلى هذه الحالة... لكنني أخبرتك من قبل، وهذا كله قدر الله.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ يغلبها الأسف:
- وبالمناسبة... أعتذر لك عما بدر مني اليوم، لم أكن في وعيي.
في تلك اللحظة، تنفس عامر الصعداء، وكأن الحياة عادت إلى صدره من جديد، لقد ظن أن عمر اكتشف حقيقة حبه لبيسان..ابتسم أخيرًا، ثم أجابه بإخلاص:
- لا عليك يا عمر... لو كنت مكانك لفعلت أكثر من ذلك، بل وربما ما هو أسوأ... صدقني، لا أعلم أين أخفي وجهي منكم، فأنا السبب في كل ما حل بعائلتكم.
ربت عمر على كتفه بابتسامةٍ هادئة، ثم أردف:
- لا تحمل نفسك أكثر مما تحتمل يا عامر... وأسأل الله أن تتعافى بيسان، وتخرج من العالم الذي سجنت نفسها فيه.
تنهد عامر بحزنٍ عميق، ثم همس بألم:
- أتمنى ذلك... وأسأل الله أن يرزقكم الصبر على فقدان نيسان... أما أنا، فلن أسامح نفسي حتى أصل إلى القاتل الحقيقي.
هز عمر رأسه بإيمانٍ وثبات، ثم أجابه:
- بإذن الله سنجده... وعندها أقسم أنني لن أرحمه أبدًا.
مد عامر يده إليه، فصافحه عمر بحرارة وبعد أن همَّ بالمغادرة، التفت إليه مجددًا، وقال باهتمامٍ صادق:
- حسنًا... يجب أن أذهب الآن، لكن أخبرني فورًا إن حدث أي شيء للآنسة بيسان... ولا تنسَ إعطاءها دواءها.
أومأ عمر مطمئنًا:
- لا تقلق يا عامر... سأتواصل معك بإذن الله.
ابتسم له ابتسامةً خفيفة، ثم استدار متجهًا نحو سيارته.
أما عمر...فبقي واقفًا عند الباب، يراقبه حتى تأكد من صعوده إلى السيارة وانطلاقه، قبل أن يغلق الباب، ويتوجه بخطواتٍ هادئة نحو غرفة بيسان.
فتح الباب برفق...ليجد مروة وغزل تجلسان إلى جوارها، بينما كانت ما تزال غارقةً في نومها، تمامًا كما تركها عامر.
اقترب منهما بخفة، وخفض صوته حتى لا يوقظها:
- ما الأمر؟
همست غزل بدورها:
- لا شيء... كنا فقط نطمئن عليها.
حول عمر بصره نحو ثياب بيسان، ثم عقد حاجبيه متسائلًا:
- لماذا لم تبدلا لها ملابسها؟
تنهدت مروة بقلب الأم الذي يعرف طباع ابنته أكثر من الجميع، ثم أجابته بحنان:
- أنت تعلم أنها لا تحب أن يعبث أحد بثيابها وهي نائمة... لقد فككنا حجابها بحذرٍ شديد، ثم إنني أخشى أن تستيقظ، دعها تنعم ببعض الراحة.
اقترب عمر منها، وانحنى يقبل مقدمة رأسها بحنانٍ بالغ، ثم اعتدل واقفًا، وأشار إلى مروة وغزل بالخروج معه، تاركًا بيسان تستسلم لراحةٍ طال انتظارها.
ركن عامر سيارته في المكان المخصص لها، ثم ترجل منها ببطء، ورفع بصره نحو شرفة المنزل، لتستقر عيناه على والدته التي كانت تنتظره بقلقٍ واضح.
ما إن لمحته، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة ارتياحٍ امتزجت بلهفة أمٍّ أرهقها الانتظار.
بادلها ابتسامةً خافتة، ثم اتجه نحو الباب الخارجي، وأغلقه خلفه، قبل أن يلج إلى الداخل.
وما إن فتح الباب، حتى وجد والدته تهبط الدرج على عجل، لتقف أمامه وتضمه إلى صدرها بقوة.
انعقد حاجباه باستغراب، ثم أحاطها بذراعيه، يبادلها عناقها بمحبة.
ابتعدت عنه قليلًا، ومسحت دموعها سريعًا، ليزداد قلقه، وسارع يستفسر:
- ما الأمر يا أمي؟ هل أنتِ بخير؟
جلست على الأريكة وهي تومئ برأسها مطمئنة، ثم أردفت بصوتٍ امتزج فيه العتاب بالخوف:
- أنا بخير يا بني، لكنني قلقت عليك منذ الأمس، وخاصةً بعد حديثك معي عبر الهاتف. حاولت الاتصال بك اليوم مرارًا، لكنك لم تجب، فاضطررت إلى مهاتفة آدم، فأخبرني أنكم خرجتم للبحث عن بيسان... أين ذهبت بعد ذلك؟ لقد أخبرني أنك تركته منذ وقتٍ طويل.
جلس عامر إلى جوارها، ثم ألقى برأسه فوق قدميها بقلة حيلة، وكأنه عاد طفلًا يبحث عن حضن والدته.
أخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعره بحنانٍ أمومي، بينما أجابها بصوتٍ خافت:
- لا تقلقي يا أمي... أنا بخير، عدت لأبحث عنها مرةً أخرى.
واصلت تمسيد شعره، وقد شعرت أن هناك شيئًا أكبر من مجرد التعب ينهش قلبه، فسألته برفق:
- أخبرني يا بني... ما الذي يؤلمك؟
تنهد طويلًا، ثم ثبت نظره في نقطةٍ بعيدة أمامه، قبل أن يجيب بصوتٍ مثقل:
- لقد تعبت يا أمي... كلما ظننت أن الأمور بدأت تستقيم، ازدادت سوءًا.
قاطعته بلهفة، وقد عاد القلق يسيطر عليها:
- هل وجدتم بيسان؟ أم أنها ما زالت مفقودة؟
أومأ برأسه، لكن صوته خرج متحشرجًا وهو يجيب:
- نعم... وجدتها يا أمي.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم تابع بصوتٍ مكسور:
- لكنني لا أظن أنها ستكون من نصيبي يومًا... لقد ارتكبت ذنبًا لا يُغتفر.
رفع رأسه قليلًا، ونظر إلى والدته بعينين غمرتهما الدموع:
- إنها أختها يا أمي... هل تعلمين ماذا كانت نيسان تعني لها؟ وهل تعلمين ما الذي اقترفته؟ لقد تسببت في وفاة طفلةٍ بريئة، كان كل حلمها أن تستعيد سمعها، وأن تعيش كأي طفلةٍ طبيعية.
ارتجف صوته، ثم وضع يده فوق قلبه، وكأنه يحاول تهدئة الألم الذي يعتصره:
- آه يا أمي... لو رأيتِها وهي نائمة تحتضن قبر أختها... لانكسر قلبك حزنًا عليها.
انحدرت دموعه بصمت، ثم أكمل بصوتٍ مخنوق:
- قلبي يعيش بين نارين... إنه يحترق.
مسح دموعه بكفه، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة، لا تشبه سوى أصحاب القلوب المنهكة:
- أرجوكِ... ساعديني. إنها لن تنظر إليّ يومًا، ولن تقبل بي أبدًا.
توقف قليلًا، ثم استطرد بصوتٍ خفيض:
- هل تعلمين؟ قبل أسبوعين أخبرت أبي أنني أرغب بالزواج منها، وقد وافق... لكنه وضع شرطًا، ومع ذلك قبلت به دون تردد... لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
أطرق برأسه، ثم همس بألم:
- أشعر بالطمأنينة كلما تذكرتها... أما الآن، فلا أعلم ما الذي ينتظرني.
رفع بصره إليها من جديد، وقد أثقلته الخيبة:
- يا أمي... لقد تعبت حقًا.
كانت نادية تستمع إليه وقلبها يتمزق على حاله، مسحت دموعها بصمت، ثم ابتسمت ابتسامةً يملؤها اليقين، وأردفت بحنان:
- لا تقلق يا بني... سيجعلها الله من نصيبك إن كان فيها خيرٌ لك. ثق بالله، فهو نعم المولى ونعم النصير.
رفعت يدها إلى وجهه، ومسحت دموعه برفق، ثم تابعت:
- كفكف دموعك... نعم، أنت رجل، لكن الرجال أيضًا يتألمون. ومع ذلك، كن قويًا... من أجلك، ومن أجلها.
وضعت أناملها أسفل ذقنه، وأجبرته أن ينظر إليها، ثم ابتسمت بثقةٍ صادقة:
- انظر إليّ... سوف يجعلها الله من نصيبك، فقط أحسن الظن بربك.
تنهد بحزن، ثم تمتم بإيمان:
- ونِعم بالله... أهذا رأيك يا أمي؟
قطبت جبينها قليلًا، ثم أجابته بابتسامة:
- ليس رأيي يا بني... هذا حسن الظن بالله. هيا، اذهب الآن واسترح قليلًا.
نهض عامر، وانحنى يقبل رأسها بمحبة، بينما ربتت على يده بحنانٍ يواسي ما أثقله من وجع، استنشق كميةً كبيرة من الهواء، ثم أخرجها ببطء، قبل أن يصعد الدرج متجهًا إلى غرفته.
ما إن دخلها، حتى اتجه مباشرةً نحو الحمام، خلع ثيابه العلوية، ثم وقف أمام المرآة، يتأمل انعكاس صورته بصمت، أسند يديه إلى حافة المغسلة.
فجأة....
تراءت له صورة بيسان، وكأنها تقف أمامه، تنظر إليه بعتابٍ يفتت القلب.
انتفض، وفتح صنبور الماء بسرعة، ثم انحنى واضعًا رأسه أسفل المياه الباردة، علها تطفئ شيئًا من النار المشتعلة داخله، رفع رأسه مجددًا، ونظر إلى المرآة، ثم أطرق رأسه مستغفرًا ربه.
بعدها شرع في الوضوء، وحين انتهى، خرج من الحمام، وأمسك بسجادة الصلاة، وبسطها على الأرض.
وقف بين يدي الله...يؤدي الصلوات التي فاتته، بقلبٍ امتلأ ندمًا، وروحٍ أنهكها الألم، ولما فرغ منها، وقف مرةً أخرى، وصلى ركعتين، أطال فيهما السجود، وأفرغ بين يدي خالقه كل ما عجز عن البوح به للبشر.
طال سجوده...
حتى ابتلت سجادة صلاته بدموعه، وأصبح صوته يختنق مع كل دعاءٍ يخرج من أعماق قلبه.
رفع كفيه إلى السماء، وأغمض عينيه بخشوعٍ كامل، ثم ناجى ربه بقلبٍ امتلأ رجاءً وانكسارًا:
"اللهم أنت الحليم فلا تعجل، وأنت الجواد فلا تبخل، وأنت العزيز فلا تُذل، وأنت المنيع فلا تُرام، وأنت المجير فلا تُضام، وأنت على كل شيءٍ قدير...
إلهي... ارحم ضعف قلبي، وقلة حيلتي."
تنفس بعمق، ثم تابع دعاءه، وقد ارتجفت شفتاه من شدة البكاء:
"اللهم إليك مددت يدي، وفيما عندك عظمت رغبتي، فتقبّل دعائي، وارحم ضعف قوتي، واغفر خطيئتي، واقبل معذرتي، واجعل لي من كل خيرٍ نصيبًا، وإلى كل خيرٍ سبيلًا، برحمتك يا أرحم الراحمين."
ازدادت دموعه انهمارًا، بينما تابع يناجي خالقه:
"ربِّ إني أسألك أن تريح قلبي وفكري، وأن تصرف عني شتات العقل والتفكير...ربِّ إن في قلبي أمنياتٍ لا يعلمها سواك، فحققها لي يا رحيم...ربِّ كن معي في أصعب الظروف، وأرني عجائب قدرتك في أشد الأيام."
تنهد بحرقة، ثم همس بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"إلهي... لا أطلب منك الكثير...اجعل بيسان من نصيبي...وخَفِّف من كرهها لي...وأزل ما في قلبها من ألمٍ تجاهي."
سالت دمعةٌ ساخنة على وجنته، فسارع يمسحها، ثم واصل دعاءه بإيمانٍ لا يتزعزع:
"رباه...ضاقت بي السبل، وأنت وحدك القادر على تفريجها، أسألك باسمك الأعظم، الذي إذا دُعيت به أجبت، وإذا سُئلت به أعطيت...أن ترشدني إلى الطريق الصحيح."
أطرق رأسه، وقد ازداد بكاؤه، ثم أردف بصوتٍ متقطع:
"ربِّ...عبدك قد ضاقت به الأسباب، وأُغلقت دونه الأبواب، وبَعُد عن جادة الصواب، وزاد به الهم والغم، وأنت المرجوُّ سبحانك لكشف هذا المصاب."
شهق شهقةً مكتومة، ثم تابع:
"يا من إذا دُعي أجاب...يا سريع الحساب...يا رب الأرباب...يا عظيم الجناب...يا كريم...يا وهّاب...ربِّ لا تحجب دعوتي، ولا ترد مسألتي، ولا تدعني بحسرتي، ولا تكلني إلى حولي وقوتي، وارحم عجزي...فقد ضاق صدري، وتاه فكري، وتحيرت في أمري...وأنت العالم بسري وجهري، المالك لنفعي وضري، والقادر على تفريج كربي، وتيسير عسري."
ثم ازدادت نبرته خضوعًا، وهو يردد:
"اللهم أحيني في الدنيا مؤمنًا طائعًا، وتوفني مسلمًا تائبًا."
وما إن نطق بها، حتى غلبه بكاؤه، انحنى أكثر في سجوده، وارتفعت شهقاته رغم محاولاته كتمانها، ثم أكمل بقلبٍ موقنٍ برحمة الله:
"اللهم ارحم تضرعي بين يديك، وقوِّمني إذا اعوججت، واهدني إذا استقمت، وكن لي، ولا تكن عليّ.
اللهم إني أسألك، يا غفور، يا رحمن، يا رحيم، أن تفتح لأدعيتي أبواب الإجابة.
يا من إذا سأله المضطر أجاب، ويا من يقول للشيء كن فيكون...اللهم لا تردني خائبًا، وآتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، اللهم لا تصرفني عن بحر جودك خاسرًا، ولا ضالًا ولا مضلًا، واغفر لي إلى يوم الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين."
سكن صوته قليلًا...ثم ختم دعاءه بخشوعٍ عظيم:
"اللهم آمين...اللهم آمين...وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد."
أنهى صلاته، ثم سلّم عن يمينه ويساره، ظل جالسًا في مكانه لدقائق طويلة، يحدق في الفراغ بعينين غمرتهما الحمرة من شدة البكاء.
رفع يده، ومسح دموعه ببطء، ثم تنفس براحةٍ شعر معها أن شيئًا من الثقل الذي كان يجثم فوق صدره قد انزاح.
نهض بهدوء، وطوى سجادة صلاته بعناية، ثم وضعها في مكانها، اتجه بعدها نحو سريره، واستلقى على جانبه الأيمن، مطبقًا عينيه بقلبٍ سلّم أمره كله لله، مؤمنًا بأن من بيده تدبير السماوات والأرض، لن يخذله مهما اشتدت عليه الأيام.
__________**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!