دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 38 من 41
وضع القراءة:

بين القيود وصرخة القلب

مع بزوغ الصباح، بدأ عامر يستعيد وعيه ببطء، تحركت جفونه بثقل، ورمش عدة مرات حتى بدأت الرؤية تتضح أمامه تدريجيًا، ظل للحظات يحاول فهم المكان من حوله، قبل أن تقع عيناه على آدم الجالس بالقرب منه.
كان وجه آدم يحمل علامات القلق والارتياح في آنٍ واحد، وما إن رأى عامر يفتح عينيه حتى اقترب منه.
لكن قبل أن يسأله أي شيء، عادت الأحداث تقتحم ذاكرته دفعة واحدة.
المستودع...شادي...بيسان...
انتفض عامر قليلًا، واتسعت عيناه بخوف، ثم سأل بلهفة:
- أين بيسان؟
أطلق آدم زفرة طويلة تحمل ارتياحًا لاستيقاظه، ثم أجابه:
- الحمد لله أنك بخير... لا أعلم يا عامر، عندما استيقظت وجدت نفسي بجانبك، وكنا مقيدي اليدين معًا.
بدأ عامر يتفقد المكان بعينيه، يحاول استيعاب ما يحدث، ثم عقد حاجبيه بقلق شديد:
- نحن لسنا في المستودع... أليس كذلك يا آدم؟
رفع آدم نظره نحو الغرفة التي يوجدان بها، ثم أومأ برأسه مؤكدًا:
- أجل... هذا ما يبدو.
ابتلع عامر ريقه بصعوبة، وبدأ القلق يسيطر عليه أكثر:
- لكن أين نحن؟ هل قاموا بنقلنا؟... وبيسان، ماذا فعلوا بها؟
تنهد آدم بقلة حيلة، ثم صمت للحظات وكأنه متردد في إخباره بما يعرفه، قبل أن يهمس:
- لا أعلم يا عامر...
ثم توقف قليلًا، وأردف بتردد:
- لكنني سمعتهم يتحدثون.
تعلقت عينا عامر به فورًا، وقد ظهر الرجاء في صوته:
- أرجوك يا آدم... أخبرني ماذا سمعت.
أخذ آدم نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد لإلقاء خبرٍ ثقيل، ثم نظر إليه بجدية:
- قبل ذلك... أريد أن أخبرك بشيء آخر، هل أنت مستعد؟
ازداد توتر عامر، وضاقت عيناه بضيق:
- لا تلعب بأعصابي يا آدم... أنا مقيد اليدين هنا، تحدث بسرعة.
نظر آدم إليه للحظات، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
- شادي يعمل لصالحهم... وهو من فعل هذا بنا.
لم تظهر الصدمة على وجه عامر، بل بدا وكأنه كان يتوقع ذلك، فأجابه بهدوء مشوب بالألم:
- أعلم... لقد واجهته، لكن بعد ذلك لا أعلم ماذا حدث.
ثم رفع عينيه إليه بإلحاح:
- والآن أخبرني... ماذا سمعت؟
ابتلع آدم ريقه بتوتر، ثم حذره:
- لا تنفعل، حسنًا؟
زفر عامر بغضب، وقد بدأ صبره ينفد:
- آدم... تحدث بسرعة.
أسرع آدم بالكلام وكأنه يريد إنهاء الأمر:
- سمعت شادي يتحدث... إنهم يريدون أخذ بيسان إلى الزعيم، لأنه أعجب بها بعدما علم بحبك لها... وما فهمته أنه يريد أن يقتلك ببطء بها، أظنك فهمت ما معنى حديثه؟!
تغيرت ملامح عامر في لحظة، تحولت عيناه إلى غضبٍ مشتعل، وبرزت عروق يديه وهو يحاول بعنف تحرير نفسه من القيود.
ثم صرخ بصوت هز أرجاء الغرفة:
- شادي... أيها الخائن! إن كنت رجلًا تعال إلى هنا!
نظر إليه آدم بخوف حقيقي، فمنذ زمن طويل لم يرَ عامر بهذه الحالة من الغضب، فقد كان هدوؤه دائمًا أقوى أسلحته، أما الآن فقد بدا وكأن الخوف على بيسان مزق كل قدرة لديه على السيطرة.
اقترب آدم منه محاولًا تهدئته:
- عامر، اهدأ... لن يفيدك صراخك بشيء.
أخذ عامر نفسًا عميقًا محاولًا استعادة هدوئه، لكنه ظل غارقًا في الخوف، ثم نظر إلى آدم بضياع:
- ماذا أفعل يا آدم؟ أخبرني.
نظر آدم إلى يديه المقيدتين، ثم قال بهدوء:
- فك وثاقك يا عامر... لطالما استطعت حل مثل هذه الأمور.
وكأنه نسي ذلك حقًا، استجمع عامر قوته، وبدأ يحاول تحرير يديه، حتى سمعا صوت خطوات تقترب من الخارج.
ساد الصمت للحظة، ثم انفتح الباب، دخل شادي وعلى وجهه ابتسامة مليئة بالشماتة، وهو يقول:
- أخبروني أن هناك شخصًا يريدني.
رفع عامر عينيه إليه، وكانت نبرته تحمل غضبًا حاول جاهدًا إخفاءه:
- أين بيسان؟
أغلق شادي الباب خلفه بالمفتاح، ثم وضع يديه تحت ذقنه متظاهرًا بالتفكير، وكأنه يستمتع بتعذيب أعصابه:
- لقد تذكرت... أين حبيبة قلبك.
اقترب أكثر، ثم ابتسم بسخرية:
- لا تقلق... إنها تعيش بسعادة الآن مع الزعيم.
قبض عامر على يديه بقوة محاولًا التحكم بغضبه، ثم تحدث من بين أسنانه:
- شادي... لا تتلاعب بأعصابي، أخبرني الحقيقة... أين بيسان؟
انفجر شادي ضاحكًا، ثم اقترب منه وهمس بالقرب من أذنه:
- لا تقلق... ستكون بين يديه بخير.
في تلك اللحظة، تمكن عامر أخيرًا من تحرير يديه، وبحركة سريعة لم يتوقعها شادي، أمسكه من ياقة قميصه، ثم دفعه نحوه بقوة.
تجمد شادي للحظة من المفاجأة، قبل أن يشعر بيد عامر تحيط بعنقه وتضغط عليه، اقترب الآخر منه، وصوته يحمل تهديدًا حقيقيًا:
- أعد ما قلته... إن كنت تريد لقاء خالقك.
حاول شادي إبعاد يده عنه، لكن قبضة عامر ازدادت قوة، حاول الصراخ، إلا أن عامر وضع سلاح الاخر على رأسه، ثم تحدث من بين أسنانه:
- إن تفوهت بحرف واحد... قل لنفسك يا رحمن يا رحيم.
نظر شادي إلى سلاحه الذي أصبح مثبتًا فوق رأسه، ثم هز رأسه باستسلام، أجلسه عامر على الكرسي، وأمسك الحبل، ثم قيد يديه بإحكام، بعدها توجه نحو آدم، وفك وثاقه، بينما بدأ آدم يفك قيود قدميه وهو يفركهما بألم.
عاد عامر بنظره إلى شادي، وارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار:
- والآن يا شادي... أخبرني بكل شيء.
نظر شادي إلى عامر بعينين ممتلئتين بالكراهية، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة وهو يجيبه:
- ماذا تريد أن تعرف يا عامر؟ هل تريد أن أخبرك إن كانت بيسان حاملًا أم لا؟
اشتعل الغضب داخل عامر في لحظة...انقبضت يده بقوة، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يوجه لكمة قوية إلى وجه شادي، جعلته يميل برأسه إلى الجانب، بينما سال الدم من أنفه.
رفع شادي عينيه إليه ببطء، وعلى الرغم من الألم، إلا أن ابتسامته القهرية لم تختفِ، بل ازدادت استفزازًا:
- اضرب أكثر يا عامر... فهذه الحقيقة، مع الأسف، لا يمكن تغييرها.
كاد عامر أن يندفع نحوه مرة أخرى، لولا أن أمسك به آدم بسرعة، محاولًا منعه من فقدان السيطرة، تحدث آدم بعقلانية وهو يثبت يده على ذراعه:
- عامر... اهدأ، سوف يسمعون من بالخارج ويأتون إلى هنا، إنه يحاول استفزازك فقط.
أخذ عامر نفسًا عميقًا بصعوبة، محاولًا تهدئة أعصابه المنهكة، لكن عينيه بقيتا مشتعلة بالغضب.
اقترب شادي من حدوده أكثر، ثم مسح الدماء عن وجهه بطرف كتفه، وقال بسخرية:
- أنا أتحدث الحقيقة... لقد قمنا بتجهيزها حقًا، وهي الآن...
لم يكمل جملته، فقد اندفع عامر نحوه مرة أخرى، وأمسكه من عنقه بقوة، حتى تغيرت ملامح شادي من الألم، اقترب منه عامر، وصوته خرج كتهديد صريح:
- أقسم يا شادي... إن تفوهت بحرف آخر، سأدفنك حيًا هنا.
تركه بعد لحظات، ثم ابتعد عنه وهو يضع السلاح فوق رأسه، مخاطبًا إياه بحدة:
- الآن سوف تخبر من خلف الباب أن يبتعدوا... هل اتفقنا؟
نظر شادي إليه بتحدٍ رغم وضعه، ثم سأله:
- وإن لم أفعل؟
اقترب عامر بالسلاح أكثر، وأجابه ببرود:
- سأفرغ هذه الرصاصة في رأسك الخبيث.
ابتسم شادي بثقة، وكأنه متأكد من شيء ما:
- لا تستطيع فعل ذلك يا عامر.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه عامر، لكنها كانت تحمل تهديدًا واضحًا:
- جربني إذًا... هيا، لا تضيع الوقت يا شادي.
ظل شادي صامتًا لعدة ثوانٍ، لكن صمته لم يستمر طويلًا، فقد دوى صوت إطلاق نار مفاجئ بالقرب منه، كانت الرصاصة قد مرت بجانبه وكادت تصيبه بالفعل.
تجمد شادي في مكانه، انحنى عامر نحوه قليلًا، ثم سأله بهدوء:
- والآن... ما رأيك؟
في الخارج، انتبه الحراس إلى صوت الطلقة، وبدأوا بمحاولة فتح الباب، نظر عامر إلى شادي بترقب، أسرع شادي في الرد عليهم:
- لا تقلقوا... أنا بخير لكن ابتعدوا عن الباب يا رفاق.
انتظر عامر عدة لحظات، حتى تأكد من ابتعادهم، ثم أدخل يده إلى جيب شادي، وأخرج جهازًا صغيرًا للتواصل.
ابتسم بدهاء وهو يخفيه داخل جيبه، ثم سأله:
- كم رجلًا يوجد في الخارج؟
أجابه شادي بقلة حيلة، بينما يضغط على اسنانه بقوة وغضب:
- ثلاثة.
اتجه عامر نحو الباب، ثم فتحه ببطء شديد، وبقي مختبئًا خلفه، كان قد أمر آدم بالوقوف في الجهة الأخرى من الباب، اقترب أول الحراس، وما إن رأى شادي مقيد اليدين والقدمين حتى التفت خلفه باستغراب.
وفي تلك اللحظة...
خرج عامر بسرعة، وضربه بالسلاح خلف رأسه، ليسقط أرضًا فاقدًا للوعي، نظر آدم إلى الرجل الساقط، ثم أسرع بإمساك عصا كانت موجودة داخل الغرفة، وتوجه نحو الحارس الآخر، ليسقطه بضربة قوية.
بقي الحارس الثالث....انتظر عامر خلف الباب حتى لاحظ تغير ملامح شادي، وكأنه يحاول إرسال إشارة إلى أحدهم.
فهم الأمر فورًا، ظهر من خلف الباب بسرعة، ليجد الحارس يلتفت نحوه، وجه عامر سلاحه إليه مباشرة وصاح:
- قف مكانك... وإلا أطلقت النار.
رفع الحارس يديه فوق رأسه بخوف، فتقدم عامر نحوه، وأخذ سلاحه منه، ثم أجبره على الجلوس فوق الكرسي الآخر، بعد أن عاد إلى الغرفة، ساعد آدم في تقييد الرجلين، ثم توجه نحو شادي بعدما أغلق فم أحد الحراس حتى لا يصدر صوتًا.
أمسك بالرباط الموجود أسفل قدمه، ثم حله، وأجبره على الوقوف، نظر إليه بحدة وهو يدفعه نحو الخارج:
- والآن... سوف تخبرني أين نحن؟ وأين أرسلتم بيسان؟
تحرك شادي تحت ضغط عامر، ثم أجابه مرغَمًا:
- نحن في المستودع الآخر... الموجود في أطراف المدينة.
توقف لحظة، ثم أكمل:
- أما بيسان... فهي في بيت الزعيم، أخذها شريف بنفسه.
وصلوا إلى المخرج، فالتفت عامر نحو آدم وقال بسرعة:
- آدم، خذ هاتفه وحاول الوصول إلى شريف.
أخرج آدم الهاتف من جيب شادي، وحاول فتحه، ثم رفع نظره إليه:
- ما الرمز يا شادي؟
أجابه شادي بكل بساطة:
- بيسان.
انعقد حاجبا عامر وآدم باستغراب، ابتسم شادي ابتسامة خفيفة، ثم أوضح:
- لا تستغربوا... الرمز بيسان، لقد أعجب بها قبل أن تتعرف عليها أنت يا عامر.
أغمض عامر عينيه بقوة، محاولًا السيطرة على غضبه، ثم فتحهما بعد أن أخذ نفسًا عميقًا، نظر إلى الهاتف الذي أصبح مفتوحًا، وسأل بسرعة:
- هل وجدت رقم شريف؟
ضغط آدم على الاسم الموجود أمامه، ثم أومأ:
- أجل... ها هو.
أخذ عامر الهاتف، وضغط زر الاتصال، ثم وضعه على مكبر الصوت، وهمس لشادي:
- أخبره أين أخذ بيسان... وأين هي الآن بالتحديد.
فتح شريف الخط. وصل صوته متسائلًا:
- ما الأمر يا شادي؟ هل كل شيء بخير؟ هل استيقظ عامر؟
نظر شادي إلى عامر، ثم أجاب:
- نعم، لقد استيقظ... وهو يصرخ بجنون، لكن لا تقلق يا سيدي، كل شيء بخير.
ثم تابع متسائلًا:
- لكنني أريد أن أسأل... هل بيسان عند الزعيم؟
جاء صوت شريف غاضبًا ومكتومًا:
- لقد وصل الآن... إنه يريدها بعد قليل.
شعر عامر بأن الدم يغلي في عروقه، لكن الصدمة الحقيقية كانت فيما سمعه بعد ذلك.
أكمل شريف حديثه:
- لكنني لن أسمح له بذلك...
ثم قال بامتلاك واضح:
- إنها لي... ولن أسمح لأي شخص بالاقتراب منها.
اشتدت قبضة عامر على الهاتف حتى كاد يحطمه، أما شادي، فراقب ملامحه بابتسامة مستمتعة، وبإشارة من عامر، أنهى شادي المكالمة سريعًا:
- حسنًا يا سيدي... سأغلق الآن.
جاء صوت شريف قبل إغلاق الخط:
- حسنًا يا شادي... أخبرني إن حدث أي شيء.
أغلق عامر الهاتف بغضب، ثم نظر إلى شادي بحدة، ابتسم شادي وكأنه يريد إضافة المزيد من الألم:
- لا تغضب يا عامر... شريف هو زوج والدة بيسان، لقد تزوج والدتها حتى يتقرب منها.
ثم أكمل:
- أما أنا... فقد أعجبت بها عندما كنت الحارس المتخفي لها بأمر من شريف.
تحرك عامر خارجًا، بينما كان شادي يسير أمامه تحت مراقبته، ثم سأله:
- هل تعلم من هو الزعيم؟
صمت شادي عدة ثوانٍ، ثم أجاب بمراوغة:
- لا يحق لنا أن نعلم من هو الزعيم... فقط شريف يعلم من يكون.
فتح آدم الباب، واتجهوا نحو سيارة شادي الموجودة بالخارج، صعدوا إليها، وانطلقوا نحو الموقع الذي حدده آدم من خلال هاتف شريف.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.