دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 15 من 19
وضع القراءة:

سبيل الوصول

تجمد عامر للحظةٍ وهو ينظر إلى الشخص الواقف خلف الباب، فقد كان آخر من توقع رؤيته في هذا المكان وفي هذا الوقت تحديدًا.
اتسعت عيناه بدهشة، ثم سرعان ما خفض نظره إلى الأرض وهو يفرك جبينه بإحراج، وكأنه يحاول استيعاب المفاجأة التي أمامه.
اندفع صوتها من خلف الباب بحماسٍ واضح، قبل أن تتوقف فجأة عندما أدركت أن الغرفة لم تعد كما توقعت، وأن جميع الأنظار اتجهت نحوها:
- لقد أتيــــ...
توقفت كلماتها في منتصفها، واتسعت عيناها عندما رأت الغرفة ممتلئة بالزوار، لتشعر بالإحراج من طريقتها في الدخول، ارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها، ثم وقفت مكانها لا تعرف أين تنظر من شدة الحرج.
لاحظت نادية ارتباكها، فسارعت بلطفٍ إلى تلطيف الأجواء حتى لا تبقى واقفةً بهذا الخجل:
- أهلًا ابنتي... تفضلي، لا تقفي عند الباب.
تحركت فداء بخطواتٍ مترددة، ثم اقتربت من السرير وهي تخفض بصرها قليلًا:
- أعتذر... ظننت أنكم بمفردكم.
ارتفع صوت جمال بضحكةٍ خفيفة وهو يحاول طمأنتها:
- لا عليكِ يا ابنتي، لا يوجد ما يستدعي الاعتذار... كيف حالك؟
ابتسمت فداء باحترام، ثم انحنت تقبل يده قبل أن تجيبه:
- بخير يا عمي... وكيف أصبحت أنت؟
ربت جمال على يدها بحنان، وقد بدت عليه الراحة لرؤيتها:
- بخير... بخير يا ابنتي، الحمد لله.
رفعت فداء عينيها نحو الموجودين، ثم عادت لتنظر إليه بخجلٍ من جديد:
- أعتذر مرةً أخرى عما بدر مني.
كانت بيسان تتابع الموقف بابتسامةٍ هادئة، فحركت رأسها للأعلى والأسفل إشارةً إلى أن الأمر لا يستحق الاعتذار.
استغرب عامر وجودها، فاستدار نحوها مستفسرًا، وقد بدا عليه بعض الاستغراب من حضورها:
- لماذا أتيتِ؟ ألم أخبرك صباحًا أن تبقي في المنزل؟
نظرت إليه فداء بهدوء، ثم تنهدت قبل أن تجيبه:
- لم أستطع البقاء كل هذا الوقت يا عامر... كان بالي مشغولًا بكم، ولم أطمئن حتى أتيت لأراكم.
أطلق عامر زفرةً خفيفة، ثم هز رأسه باستسلام:
- سامحكِ الله.
انتقلت عينا فداء إلى الطفلة الجالسة على قدم عامر، فلفت انتباهها وجودها، وظهرت على وجهها ابتسامة إعجاب:
- ومن هذه الجميلة؟
ابتسم عامر تلقائيًا، ثم نظر إلى الصغيرة بحنانٍ واضح وهو يربت على رأسها:
- هذه حلواي الجميلة.
ضحكت فداء بخفة، وقد أعجبتها عفوية عامر معها:
- هل أستطيع أكلها يا سيد عامر؟
ضحك الحاضرون على عبارتها، بينما ابتسم عامر وهو يحرك نيسان قليلًا لتنتبه إلى فداء، أشار لها برفق، ثم خاطبها بلطف:
- تريد الخالة أن تسلم عليكِ... هل تريدين أنتِ أيضًا؟
حركت نيسان رأسها بالموافقة بخجلٍ لطيف، ثم مدت يدها نحو فداء، ابتسمت فداء لذلك التصرف البريء، فأمسكت يدها وقبلتها بحنان، ثم انحنت قليلًا حتى تصبح قريبة من مستواها:
- ما اسمك أيتها الجميلة؟
وقبل أن تجيب الصغيرة، شعر عامر بقرب فداء منه أكثر مما توقع، فابتعد قليلًا بحذر، ثم أجاب عنها:
- نيسان.
ابتسمت فداء وهي تقرص وجنتي الصغيرة برفق:
- اسم جميل... أهلًا بكِ يا نيسان، أنا الخالة فداء.
كانت بيسان تراقب المشهد بصمت، إلا أن انزعاجًا خفيفًا ظهر في عينيها من قرب فداء الشديد من عامر، التفتت نحو غزل لتجدها في عالمٍ آخر تمامًا، تحدق بآدم بشرودٍ واضح.
اقتربت منها قليلًا وهمست بضيق:
- غزل... انظري إلى الأسفل، ما هذه التصرفات الطفولية؟
التفتت غزل إليها، ثم أجابتها بالهمس نفسه وهي تشير بعينيها نحو آدم:
- انظري كيف يقف... وانظري الى ليل عينيه، بل إلى الهالة المحيطة به.
أغلقت بيسان عينيها للحظة وكأنها تستعين بالصبر، ثم تمتمت بضيق:
- أستغفر الله... كفي عن هذه التصرفات يا غزل، لستِ طفلة بـ
وقبل أن تكمل حديثها، جذب انتباهها اسم نيسان الذي خرج من فم فداء.
التفتت الأنظار نحو نيسان التي كانت تقف أمام فداء بصمت، بينما كانت الأخيرة تنظر إليها بابتسامةٍ حانية، وكأنها تحاول كسر حاجز الخجل الذي يحيط بها.
اقتربت منها قليلًا، ثم مالت نحوها برفق وهي تخاطبها بصوتٍ دافئ:
- لم لا تتحدثين؟ أريد أن أسمع صوتك الجميل أيتها الحلوى الشهية.
تجمدت بيسان في مكانها للحظة، وشعرت بأن حلقها قد جف فجأة، ارتبكت، ثم رفعت عينيها نحو عامر برجاءٍ واضح، وكأنها تطلب منه أن ينقذها من هذا الموقف.
لاحظ عامر نظرتها سريعًا، ففهم ما تخشاه، ليتدخل بهدوء قبل أن يزداد توترها، نظر إلى فداء محاولًا أن يبدو طبيعيًا، ثم تحدث بتلقائية:
- إنها تعاني من التهاب هذه الأيام... لذلك لا يخرج صوتها.
وبمجرد أن أنهى جملته، شعر بثقل كذبته الصغيرة، فاستغفر الله في داخله، لكنه لم يجد طريقةً أخرى لحمايتها من الإحراج.
نظرت إليه بيسان بامتنانٍ كبير، فقد فهمت أنه أنقذها دون أن يكشف أمرها، أما عمر فقد لاحظ ارتباكها، فاقترب منها قليلًا.
همست له بصوتٍ منخفض وهي تحاول السيطرة على مشاعرها:
- عمر... هيا لنذهب، أرجوك.
نظر إليها للحظات، ثم فهم رغبتها في الرحيل، فوقف من مكانه احترامًا للحاضرين، انحنى قليلًا نحو جمال يصافحه متحدثًا بأدب:
- نستأذن منكم الآن... وحمدًا لله على سلامتكم، ونسأل الله أن يمن عليكم بالشفاء العاجل.
نهض عامر هو الآخر مودعًا لهم، وقد شعر بشيءٍ من الضيق لانتهاء الزيارة بهذه السرعة، لكنهابتسم لهم باحترام وهو يرافقهم بنظراته:
- أهلًا بكم دائمًا... لقد سعدت كثيرًا بزيارتكم.
ثم اقترب من نيسان قليلًا، وانحنى حتى أصبح في مستواها، متأكدًا من أن فداء لا تنظر إليهما، همس لها بابتسامةٍ حانية:
- عديني أن تزوريني مرةً أخرى.
أشرقت ملامح الصغيرة بسعادة، وأومأت بسرعة:
- أعدك بذلك.
رفع عامر رأسه، ثم التقت عيناه بعيني بيسان للحظةٍ قصيرة، قبل أن يبعد نظره بسرعة، تحدث بصوتٍ هادئ:
- رافقتكم السلامة.
خرجوا من الغرفة واحدًا تلو الآخر، بينما بقيت فداء تتابع طيف بيسان حتى اختفت خلف الباب.
ظهر على ملامحها شيءٌ من الضيق والاستغراب، ثم التفتت نحو عامر بعد لحظات من الصمت، اقتربت منه قليلًا وهي تحاول إخفاء فضولها:
- من هؤلاء يا عامر؟
لم يتوقف عامر كثيرًا عند سؤالها، بل اكتفى بإجابة مختصرة وهو يتجاوزها متجهًا نحو الخارج:
- بعض الأصدقاء.
بقيت فداء تنظر إلى مكانه باستغراب، بينما كانت نادية تتابع المشهد بابتسامةٍ صغيرة، أشارت إلى عامر وهو يغادر، ثم قالت له بنبرة أمٍ حنونة تريد أن تمازحه:
- اذهب يا بني لمرضاك... حتى أخرج من هنا بسرعة.
التفت إليها عامر مبتسمًا، ثم نظر نحو والده يريد معرفة ما الذي يجعله صامت حتى الان:
- سأذهب يا أمي.
لكن جمال لم تعجبه فكرة ذهابه بهذه السرعة، فظهر بعض الضيق على ملامحه وهو يناديه:
- ابقَ قليلًا يا بني.
حاول عامر كتم ضحكته من نظرة والده، ثم أجابه بلطف:
- أعتذر يا أبي... لكن هناك مرضى بانتظاري كما قالت أمي.
ثم أضاف وهو يغمز بخفة:
- لا تقلق... ستعتني بكم فداء.
رفع جمال حاجبه، بينما ابتسمت نادية على تصرف ابنها، التفت عامر نحو آدم، ثم أشار له بالخروج:
- هيا يا آدم... إلى العمل.
أومأت نادية لهما بابتسامة:
- رافقتكم السلامة.
بعد خروجهما، جلست فداء على الكرسي وهي ما زالت تفكر في الأشخاص الذين كانوا هنا، التفتت نحو نادية بفضولٍ واضح:
- خالتي... من هؤلاء الذين كانوا هنا؟
رفعت نادية كتفيها بهدوء، ثم أجابتها ببساطة:
- لا أعلم يا ابنتي... أظن أنهم بعض أصدقاء عامر، لا تشغلي بالك بالأمر.
أومأت فداء برأسها، لكنها بقيت شاردةً في تفكيرها
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
بعد أن وصلوا إلى المنزل، تفرق الجميع بهدوء، اتجه كل واحدٍ منهم إلى غرفته، فاليوم كان طويلًا بما حمله من أحداثٍ متعبة ومشاعر متناقضة.
وبعد أن اطمأنوا على مروة التي كانت قد غلبها النوم، توجهت بيسان إلى غرفتها لتبدل ثيابها، ثم توضأت واستعدت لأداء صلاتها.
وقفت على سجادة الصلاة، وبدأت تصلي بخشوعٍ كامل، تحاول أن تترك خلفها كل ما أثقل قلبها خلال هذا اليوم، لكن ما إن أطالت الوقوف بين يدي الله، حتى عادت إليها كل التفاصيل...
وجه نيسان البريء، خوفها عليها، نظرات الناس، عجزها عن توفير ما تحتاجه، وكل ذلك الألم الذي حاولت إخفاءه خلف صبرها.
انحنت في سجودها، وأخذت دموعها تتساقط بصمتٍ فوق سجادة الصلاة، تناجي ربها بقلبٍ أنهكه التعب، لم تكن تملك سوى باب الله لتطرقه، ولا ملجأً تلجأ إليه سواه.
رفعت يديها بقلبٍ منكسر، تدعوه أن يفرج همها، وأن يشفي شقيقتها الصغيرة، وأن يرزقها القدرة على جمع المبلغ المتبقي لعلاجها.
خرجت كلماتها بين شهقاتها، وهي تشكو ضعفها إلى من لا يخفى عليه شيء:
- يا رب... أنت أعلم بحالي، وأعلم بما أخفيه خلف ابتسامتي، اللهم اشفِ نيسان شفاءً لا يغادر سقمًا، اللهم لا تجعل عجز يدي يقف أمام حاجتها، ولا تجعل قلبي يرى ألمها وأنا لا أستطيع فعل شيء.
ازدادت دموعها وهي تردد دعاءها، تستمد قوتها من يقينها بأن الله يسمعها ويرى حالها، وبعد وقتٍ طويل، أنهت صلاتها، ومسحت دموعها بأنامل مرتجفة.
مدت يدها نحو هاتفها، ثم فتحت جهات الاتصال، لتتوقف عيناها عند اسم والدتها، بقيت تنظر إلى الاسم لثوانٍ طويلة، كان بداخلها شيءٌ يريد سماع صوتها، رغم كل الألم الذي تركته خلفها.
تنفست بعمق، ثم ضغطت على زر الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها.
مرت الثواني...ثم الدقائق...لكن لم يأتِ أي رد.
أغلقت الاتصال، ثم أعادت المحاولة مرةً أخرى، وكأنها تمنح قلبها فرصةً أخيرة لسماع صوتها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.