دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 4 من 5
وضع القراءة:

أنفاسٌ معلقة

طرق آدم الباب برفق، وما إن سمع إذن الدخول حتى فتحه ودلفا إلى الداخل.
تجول بصر عامر في الغرفة، فرأى فتاتين تغمر الدموع وجهيهما، وقد بدا من هيئتهما أنهما لم تتوقفا عن البكاء منذ وقتٍ طويل.
اتجه آدم نحو بيسان، ثم نزع المحلول من يدها بعد أن تأكد من سماح الطبيب المناوب بخروجها، وسألها بلطف:
- كيف تشعرين الآن يا آنسة بيسان؟
رفعت بيسان رأسها ببطء، وكانت عيناها متورمتين من شدة البكاء، بينما بدا صوتها واهنًا وهي تقول:
- شكرًا لك... لكن أخبرني، هل وجدتم أختي؟
تبادل آدم وعامر نظرةً سريعة، ثم ارتسمت على وجه آدم ابتسامةٌ خفيفة تحمل شيئًا من الأمل.
قال بهدوء:
- نعتقد ذلك.
ثم أشار بيده نحو عامر وأردف:
- هل ترين هذا الطبيب؟
أومأت بيسان برأسها وهي تنظر إلى عامر بترقب.
- أجل.
ابتسم آدم ابتسامةً مطمئنة وقال:
- هو من عثر على طفلةٍ في البحر، ونرجو أن تكون أختك.
شهقت بيسان، واتسعت عيناها، ثم نهضت من مكانها بسرعة حتى كادت تفقد توازنها، وقالت بلهفةٍ امتزجت بالبكاء:
- حقًا؟! هل وجدتم نيسان؟ أرجوك... أخبرني أنها بخير.
تقدم عامر خطوةً نحوها وقال بصوتٍ هادئ، محاولًا بث الطمأنينة في قلبها:
- اهدئي... الطفلة بخير، وقد انتهت عمليتها قبل قليل.
وضعت بيسان كفيها على فمها، وانهمرت دموعها بغزارة، بينما أخذت تردد بين شهقاتها:
- الحمد لله... الحمد لله...
ثم نظرت إليه بعينين يملؤهما الرجاء وقالت:
- أرجوك... أريد رؤيتها.
تنهد عامر برفق، ثم أجابها:
- هي الآن في غرفة العناية المركزة، لكن بإمكانك رؤيتها لدقائق معدودة فقط، بشرط ألا تجهديها.
هزت رأسها بسرعة وقالت:
- لا أريد سوى الاطمئنان عليها.
ابتسم عامر ابتسامةً خفيفة، ثم قال وهو يشير لها أن تتبعه:
- حسنًا... تعالي معي.
سارت بيسان خلفه بخطواتٍ متعثرة، وما زالت دموعها تنهمر دون توقف، بينما كانت غزل تسير إلى جانبها، تسندها كلما شعرت أنها على وشك السقوط.
وقبل أن تدلف بيسان إلى غرفة العناية، التفتت نحو عامر وقالت بصوتٍ خافت:
- شكرًا لك... مهما قلت فلن أوفيك حقك.
هز عامر رأسه بابتسامةٍ متواضعة وقال:
- لا تشكريني... احمدي الله، فهو من كتب لها عمرًا جديدًا.
خفضت بيسان رأسها وهي تتمتم:
- الحمد لله...
ثم دخلت الغرفة بخطواتٍ مرتجفة.
ساد الهدوء المكان، ولم يكن يُسمع سوى أصوات الأجهزة الطبية المنتظمة.
تقدمت ببطء حتى وصلت إلى السرير.
وهناك...
رأت نيسان.
كانت الصغيرة ممددةً فوق السرير الأبيض، يلتف الشاش حول رأسها، بينما امتدت الأنابيب والأسلاك إلى جسدها الصغير، وكأنها تخوض معركةً صامتة من أجل الحياة.
ارتجفت شفتا بيسان، وشعرت بأن قلبها يتمزق لرؤية شقيقتها بتلك الحالة.
اقتربت منها على مهل، ثم جلست إلى جوارها، ومدت يدها المرتعشة تمسك بكفها الصغير بحنانٍ بالغ، قبل أن تطبع قبلةً طويلة على أصابعها.
انحدرت دموعها فوق يد نيسان، وهمست بصوتٍ اختنق بالبكاء:
- نيسان... صغيرتي... ها أنا قد أتيت.
مررت أناملها برفق على شعرها، ثم تابعت:
- هيا... أريد أن أرى ضحكتكِ الجميلة من جديد... أرجوكِ افتحي عينيكِ... لا تتركيني وحدي.
تنهدت بحرقة، ثم ابتسمت وسط دموعها وكأنها تحاول أن تمنحها الأمل.
- أعدكِ... لن أمنعكِ بعد اليوم من مناداتي بـ"أمي"... ناديـني كما تشائين، فقط استيقظي بخير.
ازدادت دموعها وهي تنظر إلى ملامحها البريئة.
- سنذهب معًا إلى مدينة الملاهي... أنا وأنتِ وغزل... وإن أرادت خالتي مروة أن ترافقنا فسوف نأخذها معنا أيضًا.
مسحت دموعها بطرف كمها، ثم أكملت بصوتٍ مرتجف:
- سأعمل بكل جهدي حتى أوفر تكاليف العملية التي تحتاجها أذناكِ الصغيرتان... وستسمعين صوتي كما كنتِ تتمنين... وستتحدثين معي متى شئتِ.
ابتسمت ابتسامةً باكية وهي تضيف:
- ولن يستطيع أحد أن يسخر منكِ بعد اليوم... سأجعلكِ أقوى من الجميع.
ثم انحنت تقبل جبينها برفق وهمست:
- وسنذهب معًا إلى أمي... وستراكِ وهي فخورةٌ بكِ، وسنساعدها على التخلص من ذلك الرجل الشرير الذي كنتِ دائمًا تشتكين منه...
توقفت لحظة، وانكسر صوتها تمامًا وهي تقول:
- لكن... استيقظي يا نيسان... أرجوكِ.
كانت الدموع تنساب بلا توقف، بينما بقيت تضغط على يدها الصغيرة وكأنها تخشى أن تفلت منها مرةً أخرى.
وفي تلك اللحظة...
كان عامر يقف عند الباب بصمت، يراقب ذلك المشهد الذي هز قلبه، ولم يستطع منع نفسه من الابتسام بحزن، فقد رأى أمامه أختًا لم تيأس رغم كل ما مرت به.
انتبهت بيسان إلى وجوده، فنهضت ببطء، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
- شكرًا لك.
أجابها برفق:
- لا شكر على واجب يا آنسة بيسان... هل أصبحتِ أفضل الآن؟
مسحت دموعها بطرف كفها، ثم أومأت برأسها كالأطفال وقالت:
- أجل...
وما إن أنهت كلمتها...حتى دوّى داخل الغرفة صوتٌ حاد صادرٌ عن جهاز مراقبة القلب.
ثم تحول الصوت فجأة إلى صفيرٍ متواصل مزق سكون المكان.
تجمدت بيسان في مكانها، واتسعت عيناها برعب، بينما اندفع عامر نحو السرير وهو يصيح بأعلى صوته:
- الممرضة! بسرعة... أحضروا عربة الإنعاش!
وفي لحظات، امتلأت الغرفة بالأطباء والممرضين، بينما بقيت بيسان واقفةً مكانها، تنظر إلى شقيقتها بعينين يغمرهما الذعر...
لتنطلق منها صرخةٌ مزقت أرجاء المشفى.
تردد صدى صرخة بيسان في أرجاء الممر، حتى بدت وكأنها مزقت جدران المشفى قبل أن تمزق القلوب.
لم تستوعب ما يحدث أمامها، فقد كانت قبل لحظاتٍ تمسك بيد شقيقتها وتحدثها على أمل أن تستيقظ، والآن يقف الجميع حولها، يحجبونها عنها.
اندفع عامر إلى جانب السرير بسرعة، بينما كان يثبت نظره على شاشة جهاز المراقبة.
قال بصوتٍ حازم:
- ابدؤوا بالإنعاش... بسرعة!
أسرعت إحدى الممرضات بإحضار عربة الإنعاش، بينما بدأت الأخرى بفصل بعض الأجهزة، في حين أمسك آدم بجهاز التنفس وبدأ يثبت القناع على وجه الصغيرة.
نظر عامر إلى الشاشة مرةً أخرى، ثم قال بجدية:
- النبض يهبط... استمروا.
وقفت بيسان في مكانها، وقد فقدت القدرة على الحركة أو حتى البكاء، كانت تحدق في المشهد بعينين زائغتين، بينما أخذت قدماها ترتجفان بعنف.
اقتربت منها غزل بسرعة، واحتضنتها قبل أن تنهار أرضًا.
همست وهي تبكي:
- ادعي لها يا بيسان... الله لن يخذلها.
رفعت بيسان كفيها المرتجفتين إلى السماء، وقد اختنق صوتها من شدة البكاء.
- يا رب... لا تأخذها مني... أقسم أنني لن أطلب منك شيئًا بعد اليوم... فقط دعها تعيش... هي كل ما أملك... فلا تحرمني منها.
داخل الغرفة...
كان عامر يراقب شاشة المراقبة بكل تركيز، بينما بدأ النبض يعود ببطء.
ظهرت أول إشارة...
ثم الثانية...
ثم بدأ الخط المستقيم يتحول تدريجيًا إلى موجاتٍ صغيرة.
أطلق الجهاز صوتًا متقطعًا.
بيب...
ساد الصمت لثوانٍ...
ثم عاد الصوت مجددًا.
بيب... بيب...
تنفس عامر الصعداء، وأغمض عينيه للحظة وهو يحمد الله في قلبه.
ثم قال بصوتٍ خافت امتزجت فيه الراحة بالتعب:
- الحمد لله... عاد النبض.
أطلق جميع الموجودين زفرة ارتياح، بينما بدأت الممرضات بإعادة تثبيت الأجهزة ومراقبة علاماتها الحيوية.
خرج عامر من الغرفة بعد دقائق، ليجد بيسان تقف في الممر، ووجهها شاحب كأن الحياة غادرته.
ما إن وقع بصرها عليه حتى اندفعت نحوه بلهفة، وسألته بصوتٍ يرتجف:
- أخبرني... كيف أصبحت؟ هل هي بخير؟
ابتسم ابتسامةً هادئة رغم الإرهاق الذي بدا على ملامحه، ثم قال:
- اطمئني... لقد عاد النبض، لكنها ما زالت في مرحلةٍ حرجة، والساعات القادمة ستكون حاسمة.
أجهشت بيسان بالبكاء، لكنها هذه المرة كانت دموعًا امتزجت بشيءٍ من الأمل.
أغمضت عينيها وهي تردد:
- الحمد لله... الحمد لله يا رب.
نظر إليها عامر مليًا، ثم قال بلطف:
- أريد منكِ أن تكوني قوية من أجلها... عندما تستيقظ ستحتاج إلى أن تراكِ مبتسمة، لا منهارة.
مسحت بيسان دموعها بسرعة، وأومأت برأسها وهي تحاول أن تتمالك نفسها.
- سأكون قوية... من أجل نيسان.
ابتسم عامر ابتسامةً خفيفة، ثم غادر الممر متجهًا إلى مكتبه، بينما بقيت بيسان تراقب باب غرفة العناية بعينين لا تفارقانه، وكأن روحها بأكملها بقيت خلف ذلك الباب الأبيض.
وفي مكانٍ آخر...
كان رجلٌ يقف أمام باب المشفى، يراقب الداخل بعينين يملؤهما الحقد، ثم أخرج هاتفه من جيبه وقال بصوتٍ خافت:
- نعم... لقد تأكدت.
ساد صمتٌ قصير، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باردة وهو يضيف:
- الصغيرة ما زالت على قيد الحياة... لكن لا تقلق، لن تبقى كذلك طويلًا...
وأغلق الهاتف، قبل أن يتجه بخطواتٍ بطيئة نحو داخل المشفى...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.