لم تكن النهاية.بل كانت البداية
لم أكن أعرف، حين بدأت أكتب عن نفسي، أنني سأصل يومًا إلى هذه الصفحة وأنا أشعر بأن شيئًا في داخلي قد تغيّر. كنت أظن أنني أكتب لأجمع شتات الحكايات التي تركتها الأيام في قلبي، ولأمنح الكلمات ما عجزت عن قوله في وجوه الآخرين. لم أكن أعلم أنني، بين سطر وآخر، كنت أقترب من نفسي أكثر، وأتعرف إلى امرأة عاشت طويلًا خلف أبواب مغلقة، تنتظر أن يسمح لها أحدهم بالخروج.
كتبت عن أشياء أخفيتها، وعن أشخاص مرّوا في حياتي وتركوا وراءهم أسئلة لم أجد لها إجابات. كتبت عن الخذلان، وعن الحنين الذي يأتي في أوقات لا نتوقعها، وعن الليالي التي نبدو فيها أقوياء أمام الجميع، ثم نعود إلى غرفنا لنكتشف كم نحن متعبون. كتبت عن نسخ كثيرة مني؛ نسخة حاولت إرضاء الجميع، ونسخة خافت من خسارة الآخرين، ونسخة صمتت حين كان الكلام ضرورة، ونسخة ابتسمت كي لا يلاحظ أحد أن قلبها يطلب قليلًا من الراحة.
واليوم، حين أنظر إلى كل تلك النسخ، لا أرغب في محاكمة أيٍّ منها. لقد كانت كل واحدة تحاول النجاة بالطريقة التي تعرفها. لم تكن ضعيفة لأنها خافت، ولا ساذجة لأنها وثقت، ولا قليلة القيمة لأنها منحت الحب لمن لم يعرف كيف يحافظ عليه. كانت إنسانة تتعلم، تخطئ، وتتألم، ثم تحاول مرة أخرى، حتى عندما لم تكن تعرف إلى أين ستقودها خطواتها.
أدركت أخيرًا أنني لا أحتاج إلى كره ماضيَّ كي أحب حاضري، ولا إلى إنكار أخطائي كي أتصالح مع نفسي. فالماضي جزء من الحكاية، لكنه ليس الصفحة الوحيدة فيها. وما حدث لي قد يفسر بعض ملامحي، لكنه لا يملك الحق في تحديد بقية عمري.
لقد حملت معي أشياء أكثر مما ينبغي. احتفظت بكلمات قاسية كأنها حقائق، وبمواقف قديمة كأنها أحكام نهائية على شخصيتي، وبخيبات ظننت أنها دليل على أنني لا أستحق ما تمنّيته. وكم مرة سمحت لذكرى مؤلمة أن تسرق من يومي الجميل سعادته، فقط لأنني لم أتعلم بعد كيف أضع لكل شيء مكانه الصحيح!
لكنني لم أعد أريد أن أعيش أسيرة لما مضى. لا لأنني نسيت، ولا لأن الوجع اختفى تمامًا، بل لأنني فهمت أن قلبي يستحق أن يتسع لأشياء أخرى غير الألم. يستحق أن يستقبل صباحًا جديدًا دون أن يفتش أولًا في أدراج الأمس، وأن يفرح دون أن ينتظر عقابًا، وأن يحب دون أن يتخلى عن نفسه، وأن يحلم دون أن يعتذر عن أحلامه.
لم أعد أطلب من الحياة أن تعيد إليَّ كل ما أخذته، ولا من الأشخاص أن يعودوا ليشرحوا لماذا رحلوا. بعض الأبواب ستبقى مغلقة، وبعض الأسئلة لن تجد جوابًا، وبعض الوجوه ستظل بعيدة مهما اشتقنا إليها. ولعل النضج الحقيقي هو أن نتوقف عن انتظار اكتمال الحكايات القديمة كي نسمح لأنفسنا ببدء حكايات جديدة.
هناك أشياء لن أستطيع تغييرها، مهما فكرت فيها. لن أعود إلى اللحظات التي تمنيت فيها لو أنني تصرفت بطريقة مختلفة، ولن أستطيع أن أستعيد الكلمات التي ابتلعتها خوفًا، أو الأيام التي قضيتها في محاولة إثبات قيمتي لمن لم يرها. لكنني أستطيع أن أغيّر الطريقة التي أحمل بها تلك الذكريات، وأن أختار ألا أكرر ما آلمني، وأن أتعلم من أخطائي بدل أن أجعلها سببًا لمعاقبة نفسي إلى الأبد.
أريد أن أعيش حياة تشبهني، لا حياة تبدو مثالية في عيون الآخرين. حياة أستطيع فيها أن أقول إنني متعبة حين أتعب، وأن أطلب المساعدة حين أحتاج إليها، وأن أرفض ما لا يناسبني دون أن أكتب مئة تبرير لرفضي. أريد أن أترك لنفسي مساحة للتجربة، وللتراجع، ولتغيير رأيي، وللبدء من جديد عندما أكتشف أن الطريق الذي اخترته لا يشبهني.
ولست أظن أنني سأصبح إنسانة لا تخاف أبدًا، أو لا تحزن، أو لا تتردد. أنا أعرف الآن أن الحياة لا تمنحنا ضمانات كهذه. قد تأتيني أيام أشعر فيها بأنني عدت إلى نقطة بعيدة، وقد توقظ كلمة واحدة وجعًا ظننت أنني تجاوزته، وقد أضعف أمام موقف لم أستعد له. لكن الفرق أنني لن أعتبر كل تعثر نهاية الطريق، ولن أطالب نفسي بأن تكون قوية في كل لحظة كي تستحق الاحترام.
سأتعلم أن أمد يدي إلى نفسي في الأيام الصعبة بدل أن ألومها على ضعفها. سأذكرها بأن التقدم لا يكون دائمًا واضحًا، وأن بعض الانتصارات لا يراها أحد: أن نغادر مكانًا يؤذينا، أن نكف عن ملاحقة من لا يريد البقاء، أن ننام بسلام بعد قرار صعب، أو أن نمر بيوم كامل دون أن نقلل من شأن أنفسنا.
هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تبدو إنجازات كبيرة في أعين الناس، لكنها بالنسبة إلى قلب قضى سنوات يحاول أن يجد مكانه، قد تكون بداية حياة كاملة.
وأنا لا أريد أن أنسى المرأة التي كنتها قبل أن أصل إلى هنا. لا أريد أن أخجل من خوفها، أو أن أتنكر لدموعها، أو أن أتحدث عنها وكأنها شخص غريب لا علاقة له بي. سأحتفظ بها في ذاكرتي برفق، كما نحتفظ بصورة قديمة لشخص نحبه؛ لا لنعود إلى الزمن الذي التُقطت فيه الصورة، بل لنتذكر المسافة التي قطعناها منذ ذلك الحين.
سأشكرها لأنها استمرت، حتى عندما لم تكن تعرف أن الأيام يمكن أن تحمل لها شيئًا أجمل. سأشكرها لأنها حاولت أن تحب رغم خيباتها، وأن تثق رغم مخاوفها، وأن تنهض رغم كل مرة ظنت فيها أنها لن تستطيع. وسأخبرها، ولو متأخرة، أنها لم تكن مطالبة بأن تعرف كل شيء، ولم يكن عليها أن تصل إلى هذه المرحلة دون أخطاء.
لقد فعلت ما استطاعت بما كان لديها من وعي وقوة، والآن جاء دوري لأكمل الطريق بمعرفة أكبر وقلب أكثر رحمة.
أما هذه المرايا التي حملتها بين الصفحات، فلم أعد أبحث فيها عن وجه واحد لا يتغير. صرت أعرف أن الإنسان ليس صورة ثابتة، وأننا نتبدل مع التجارب، وننضج مع الوقت، ونتعلم أن نرى في أنفسنا ما لم نكن قادرين على رؤيته من قبل. قد لا تشبهني صورتي القديمة، وقد لا أفهم بعض اختياراتي السابقة، لكنني لم أعد أحتاج إلى أن أنكرها كي أعرف من أكون.
أنا كل ما تجاوزته، وكل ما تعلمته، وكل ما ما زلت أتعلمه. أنا تلك التي أخطأت ثم حاولت أن تفهم، والتي حزنت ثم بحثت عن نافذة يدخل منها الضوء، والتي ظنت أحيانًا أنها فقدت نفسها، قبل أن تكتشف أنها كانت تقترب منها خطوة بعد خطوة.
وإذا كان لهذا الكتاب أن يترك في قلبي شيئًا، فأريده أن يترك يقينًا بسيطًا: لا أحد منا مضطر إلى البقاء في الصورة التي رسمها له الآخرون. لنا الحق في أن نتغير، وأن نعيد اكتشاف أحلامنا، وأن نختار طرقًا جديدة، وأن نمنح أنفسنا فرصة لم نمنحها لها من قبل.
ربما يقرأ أحدهم هذه الصفحات فيجد بين كلماتها شيئًا يشبهه. ربما يتوقف عند سطر، ويتذكر موقفًا لم يخبر به أحدًا، أو يشعر للمرة الأولى أن ما يمر به ليس دليلًا على ضعفه. وإذا حدث ذلك، فسأكون سعيدة لأن هذه الكلمات لم تبقَ حبيسة تجربتي وحدها، بل أصبحت نافذة صغيرة يستطيع شخص آخر أن يرى من خلالها نفسه بوضوح أكبر.
لكنني أريد لكل من يصل إلى الصفحة الأخيرة أن يتذكر أن الكتاب يستطيع أن يرافقك، وأن يمنحك فكرة أو عزاءً أو شجاعة، لكنه لا يستطيع أن يعيش حياتك بدلًا منك. أنت من سيختار الخطوة التالية، وأنت من سيمنح أحلامه فرصة جديدة، وأنت من سيقرر متى يتوقف عن الاعتذار عن وجوده في هذه الحياة.
لا تنتظر أن تصبح خاليًا من الخوف حتى تبدأ، ولا أن يفهمك الجميع حتى تكون صادقًا مع نفسك، ولا أن تتوقف الحياة عن اختبارك حتى تسمح لقلبك بالراحة. ابدأ بما تملكه الآن، ولو كان قليلًا. امنح نفسك وقتًا، ولا تقارن بدايتك بمنتصف طريق شخص آخر. فما يناسب غيرك قد لا يناسبك، وما يتأخر في حياتك قد يأتي في الوقت الذي تكون فيه أكثر استعدادًا لاستقباله.
وإذا عدت يومًا إلى هذه الصفحات، فلا تقرأها بحثًا عن المرأة التي كنتها فقط، بل انظر أيضًا إلى المرأة التي أصبحتها، وإلى المرأة التي ما زلت تحلم بأن تكونها. لا تجعل الكلمات حدودًا جديدة تحاصرك، بل اجعلها تذكيرًا بأنك تستطيع أن تكتب فصولًا لم تتوقعها، وأن تمنح نفسك أسماء جديدة غير تلك التي أطلقها عليك الألم.
هنا تنتهي كلماتي، لكن حياتي لا تنتهي عند آخر سطر، ولا تتوقف رحلتي لأنني وصلت إلى نهاية كتاب. ما زالت أمامي أيام لا أعرف تفاصيلها، وقرارات سأحتاج إلى الشجاعة لاتخاذها، وأحلام قد تتغير حين أقترب منها. وسأمضي، لا لأنني أصبحت أعرف كل الإجابات، بل لأنني لم أعد أخاف من الأسئلة كما كنت.
لن أعد نفسي بأنني لن أنكسر مرة أخرى، لكنني سأعدها بألا أتركها وحيدة حين يحدث ذلك. لن أعدها بأن الطريق سيكون سهلًا، لكنني سأحاول ألا أكون أنا من يزيده قسوة عليها. ولن أعدها بأنني سأصبح إنسانة كاملة، لأنني لم أعد أؤمن أن الكمال هو الغاية؛ أريد فقط أن أكون إنسانة حقيقية، تعرف أخطاءها، وتحترم قلبها، وتواصل التعلم دون أن تفقد محبتها لنفسها.
لقد بدأت هذا الكتاب وأنا أحاول أن أفهم انعكاساتي، وأن أكتشف أي الوجوه يشبهني وأيها ارتديته كي أكون مقبولة. وأنهيه وأنا أعرف أنني لا أحتاج إلى مرآة تمنحني هوية جاهزة، بل إلى شجاعة تجعلني أعيش حقيقتي، حتى حين لا يفهمها الآخرون.
والآن…
لن أبحث عن نفسي في مرايا الآخرين.
لن أعيش وفق الصورة التي رسمها أحد لي.
سأكتب صورتي بيدي.
سأعيش كما أريد.
وسأحب دون أن أفقد نفسي.
سأرحل حين يجب.
وسأبقى حين أشعر بالأمان.
وسأغفر دون أن أنسى دروسي.
وسأفتح قلبي للحياة من جديد.
لأنني أدركتُ أخيرًا أن كل المرايا التي لم تشبهني، كانت تعكس ما أراده الآخرون مني.
أما المرآة التي أمامي الآن…
فهي تعكسني كما أنا.
وهذه المرة، لا أريد تغيير شيء.
مرايا لا تشبهني…
لكنني أخيرًا وجدتُ وجهي الحقيقي.
لم تكن هذه الصفحات نهاية حكايتي، بل كانت اللحظة التي توقفت فيها عن انتظار شخص ينقذني، وقررت أن أمسك بيدي وأبدأ.
«وهنا انتهت حكايتي، وبدأت حكايتك أنت…»
انتهى كتاب «مرايا لا تشبهني»
تأليف: نادية العلي
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!