حين تكلم الصمت
أحيانًا لا نحتاج إلى الكلام كي نفهم.
نظرة واحدة قد تخبرنا أن شيئًا تغيّر، وصمتٌ طويل قد يقول ما عجزت عنه آلاف الكلمات.
تعلمتُ أن للصمت لغات كثيرة.
هناك صمتٌ يأتي من التعب، حين لا يعود لدينا طاقة لشرح ما نشعر به.
وصمتٌ يأتي من الخوف، حين نخشى أن تكون الحقيقة أقسى من السكوت.
وصمتٌ يأتي من الخذلان، حين ندرك أن الكلام لن يغيّر شيئًا.
كنتُ أصمت كثيرًا.
ليس لأنني لم أملك ما أقوله، بل لأنني كنتُ أنتظر أن يشعر بي أحد دون أن أضطر إلى الشرح.
كنتُ أتمنى أن يلاحظ أحدهم تغير صوتي، وأن يسألني لماذا أصبحتُ أقل كلامًا، ولماذا لم تعد الأشياء التي كانت تسعدني تفعل ذلك.
لكنهم لم يسألوا.
فبدأتُ أفهم شيئًا مؤلمًا:
ليس كل من يحبنا يعرف كيف يقرأ صمتنا.
وليس كل من يلاحظ حزننا يملك القدرة على احتوائه.
وفي ليلة هادئة، جلستُ وحدي أمام المرآة.
نظرتُ طويلًا إلى وجهي، وشعرتُ أنني للمرة الأولى لا أستطيع الهروب مني.
لم أسأل: من الذي أوجعني؟
سألت:
لماذا بقيتُ صامتة كل هذا الوقت؟
لم تكن الإجابة سهلة.
كنتُ أخشى أن أخسر أشخاصًا إذا تحدثت، وأن أبدو حساسة إذا اعترفت، وأن يقال عني إنني أبالغ.
فاخترتُ الصمت.
لكنني اكتشفتُ أنني وأنا أحاول ألا أخسر الآخرين، كنتُ أخسر نفسي شيئًا فشيئًا.
منذ ذلك اليوم، قررتُ ألا أجعل الصمت سجني.
سأتحدث حين يؤلمني شيء.
سأقول «لا» حين لا يناسبني الأمر.
سأعترف بالاشتياق دون خجل، وبالحزن دون اعتذار.
فالصمت جميل حين يكون اختيارًا…
لكنه يصبح مؤلمًا حين يكون الطريقة الوحيدة التي نعرف بها كيف نحمي قلوبنا.
وربما لهذا بدأتُ أكتب.
لأن الكلمات التي لم أستطع قولها بصوتٍ عالٍ، وجدت أخيرًا طريقها إلى الورق.
وهنا…
لم يعد صمتي صامتًا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!