مرايا لاتشبهني
مرايا لاتشبهني
جزء 30 من 35
وضع القراءة:

أحن إلى مرأتي القديمة

أحنّ إلى مرآتي القديمة
أحيانًا أشتاق إلى نفسي القديمة، لا لأنّ حياتي كانت أجمل حينها، ولا لأنّني أتمنّى العودة إلى كلّ ما مررت به، بل لأنّ هناك شيئًا في تلك المرأة ما زلت أبحث عنه بين تفاصيل أيامي. أشتاق إلى خفّتها، إلى ضحكتها التي كانت تخرج دون حساب، إلى قلبها الذي كان يفرح بسرعة، وإلى قدرتها على تصديق الأشياء الجميلة دون أن تبحث خلفها عن احتمال الخيبة.
أشتاق إلى المرآة التي كنت أقف أمامها دون أن أفكّر كثيرًا في ملامحي. كنت أرى وجهي وأمضي، لا أتوقّف عند كلّ تغيير، ولا أحمّل عينيّ مسؤولية التعب الذي أخفته الأيام فيهما. لم أكن أعرف أنّ الإنسان قد يتغيّر من الداخل إلى درجة أنّه يشعر أحيانًا بالغربة أمام صورته، وأنّ الملامح نفسها يمكن أن تحمل حكايات لا يعرف كيف يرويها.
اليوم، أنظر إلى نفسي فأرى أشياء لم أكن أراها من قبل. أرى الحذر الذي تعلّمته بعد الثقة، والصمت الذي جاء بعد محاولات كثيرة للشرح، والتردّد الذي أصبح يرافق بعض قراراتي بعدما دفعت ثمن قرارات اتّخذتها بقلبٍ لا يعرف الخوف.
أرى امرأة أكثر وعيًا، نعم، لكنّني أراها أيضًا أكثر تعبًا في بعض الأيام. امرأة لم تعد تمنح كلّ شيء قلبها منذ اللحظة الأولى، ولم تعد تصدّق كلّ وعدٍ لمجرّد أنّه قيل بنبرة جميلة. امرأة تعلّمت أن تراقب الأفعال، وأن تترك مسافة بينها وبين ما لا تفهمه، وأن تحمي مشاعرها من الاندفاع الذي كان يجعلها تمنح الآخرين أكثر ممّا يمنحونها.
ومع ذلك، حين أكون وحدي، أسأل نفسي: هل كان لا بدّ أن أتغيّر إلى هذا الحدّ؟ هل كان عليّ أن أفقد شيئًا من عفويّتي كي أكتسب الحكمة؟ وهل كان من الضروري أن أصبح أكثر حذرًا كي أفهم أنّ ليس كلّ من يقترب منّا يعرف كيف يحافظ علينا؟
لا أجد إجابة واحدة تكفيني.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة اختيار الطريقة التي نتعلّم بها. أحيانًا نتعلّم بالحبّ، وأحيانًا بالفقد، وأحيانًا بموقفٍ واحد يجعلنا نعيد النظر في أشياء كنّا نعدّها ثابتة. نخرج من التجربة ونحن نحمل معرفة جديدة، لكنّنا قد نترك عند بابها شيئًا من خفّتنا القديمة، ونمضي دون أن نعرف كيف نستعيده.
كنت أتمنّى لو أنّني أستطيع العودة إلى نفسي القديمة وإخبارها بما ينتظرها، لا لأخيفها من الحياة، بل لأعلّمها كيف تحبّ دون أن تنسى حدودها، وكيف تمنح دون أن تستنزف نفسها، وكيف تكون طيّبة دون أن تجعل طيبتها بابًا مفتوحًا لكلّ من يريد الدخول والخروج متى شاء.
كنت سأقول لها: لا تتغيّري كي يحبّك أحد، ولا تحاولي أن تكوني الشخص الذي يحتاج إليه الجميع على حساب الشخص الذي تحتاجين إليه أنتِ. لا تظنّي أنّ الصبر يعني أن تبقي في كلّ مكان يؤلمك، ولا أنّ التسامح يفرض عليك إعادة كلّ شخصٍ إلى المكان نفسه في قلبك.
لكنّني أعرف أنّها ربما لم تكن لتفهمني تمامًا. فبعض النصائح لا تجد طريقها إلى القلب إلا بعد أن يعيش التجربة بنفسه، وبعض الكلمات تبقى مجرّد كلمات حتى تأتي الأيام وتمنحها معناها الحقيقي.
لهذا لا ألومها على ما فعلت، ولا أريد أن أتعامل معها كأنّها امرأة ساذجة أفسدت حياتي. لقد كانت تحاول أن تعيش، وأن تحبّ، وأن تجد مكانًا تشعر فيه بأنّها مقبولة. كانت تظنّ أنّ حسن النيّة يكفي أحيانًا لحماية العلاقات، وأنّ الصدق وحده قادر على إصلاح سوء الفهم، وأنّ من نحبّهم سيعرفون يومًا ما قيمة ما نقدّمه لهم.
لم تكن تعرف كلّ ما أعرفه الآن، ولم يكن من العدل أن أطلب منها ذلك.
حين أشتاق إلى نفسي القديمة، أحاول أن أسأل نفسي عمّا أشتاق إليه تحديدًا. هل أشتاق إلى الأشخاص الذين كانوا حولي؟ أم إلى الأيام التي مرّت؟ أم إلى شعوري القديم بأنّ الحياة واسعة، وأنّ أمامي احتمالات كثيرة، وأنّ الأشياء الجميلة يمكن أن تحدث دون أن أستعدّ مسبقًا لاحتمال فقدانها؟
ربما أشتاق إلى الشعور أكثر ممّا أشتاق إلى الماضي نفسه.
أشتاق إلى أن أستقبل يومًا جديدًا دون أن أحمل إليه كلّ مخاوفي القديمة. أشتاق إلى محادثة لا أراجع بعدها كلّ كلمة قلتها، وإلى علاقة لا أحتاج فيها إلى تفسير نيّتي باستمرار، وإلى ضحكة لا أقطعها لأنّني تذكّرت فجأة شيئًا يؤلمني.
أشتاق إلى أن أكون حاضرة في اللحظة التي أعيشها، لا أن أعيشها بنصف قلبٍ مشغول بما قد يحدث بعدها.
وأنا أعرف أنّ هذه الأشياء لا تخصّ الماضي وحده. ليست العفويّة حكرًا على سنواتٍ مضت، وليست السعادة بابًا يُغلق إلى الأبد حين نتعرّض للخيبة. ربما تغيّرت طريقتي في رؤية الحياة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ عليّ أن أتخلّى عن قدرتي على الاستمتاع بها.
يمكنني أن أكون أكثر حذرًا وأن أظلّ قادرة على الثقة. يمكنني أن أعرف أنّ بعض النهايات مؤلمة، وأن أسمح لنفسي مع ذلك بأن أفرح بالبدايات. يمكنني أن أحفظ دروسي دون أن أحوّلها إلى جدرانٍ تمنع كلّ شيء من الوصول إليّ.
ليس عليّ أن أختار بين الحكمة والفرح، ولا بين النضج والبساطة، ولا بين حماية نفسي ومنحها فرصة أخرى للحياة.
ربما كانت المشكلة أنّني، حين تعلّمت الحذر، بالغت أحيانًا في استخدامه. صرت أبحث عن الخطر حتى في الأماكن الهادئة، وأتوقّع الخيبة حتى حين لا يوجد ما يدعو إليها، وأتهيّأ للرحيل قبل أن أعرف إن كان البقاء ممكنًا. كنت أظنّ أنّ الاستعداد للألم سيجعله أقلّ تأثيرًا فيّ، لكنّني اكتشفت أنّ الخوف المستمرّ من الخسارة قد يسلبنا متعة ما نملكه بالفعل.
كم من لحظة جميلة لم أعشها كما ينبغي لأنّني كنت أفكّر في نهايتها؟ وكم من شخصٍ صادق لم أمنحه فرصة الاقتراب لأنّني قست حضوره على غياب شخصٍ آخر؟ وكم من فرحة صغيرة أخّرتها لأنّني اعتقدت أنّ عليّ أولًا أن أتخلّص من كلّ ما يؤلمني؟
لا أريد أن أعيش هكذا إلى الأبد.
لا أريد أن أدفع ثمن أخطاء الآخرين في كلّ علاقة جديدة، ولا أن أجعل الماضي يتحدّث نيابةً عن الحاضر. ما حدث قد يعلّمني كيف أكون أكثر وعيًا، لكنّه لا ينبغي أن يقرّر عنّي كيف أستقبل كلّ ما يأتي.
أريد أن أمنح نفسي فرصة لأن تتغيّر من جديد، ولكن هذه المرّة نحو الخفّة، لا نحو المزيد من الخوف. أريد أن أضحك دون أن أشعر بأنّني أهملت أحزاني، وأن أستمتع بيومي دون أن أظنّ أنّني نسيت دروسي، وأن أفتح قلبي للحياة دون أن أتركه بلا حماية.
أريد أن أستعيد الأشياء التي أحببتها في نفسي، لا أن أعود إلى كلّ ما كنت عليه. فهناك فرق بين أن أحنّ إلى براءتي القديمة وبين أن أتمنّى لو أنّني لم أنضج. أنا لا أريد أن أنسى ما تعلّمته، بل أريد أن أتعلم كيف أعيش بهدوءٍ أكبر، وكيف أستفيد من تجاربي دون أن أبقى أسيرة لها.
وحين أفكّر في المرأة التي كنتها، أشعر أنّها لم تختفِ تمامًا. ربما أصبحت أكثر صمتًا، وربما صارت ضحكتها تحتاج إلى وقتٍ أطول كي تظهر، لكنّها ما زالت موجودة في تفاصيل صغيرة لا أنتبه إليها دائمًا.
أجدها حين أفرح بشيء بسيط، حين أساعد شخصًا دون انتظار مقابل، حين أستمع إلى أغنية قديمة فتوقظ في داخلي ذكرى جميلة، أو حين أرى مشهدًا عابرًا يجعلني أبتسم من أعماقي. أجدها حين أتوقّف عن التفكير قليلًا وأسمح للحياة بأن تفاجئني.
هي لم تتركني، بل ربما انتظرت طويلًا حتى أهدأ وأسمعها.
لم أعد أريد أن أبحث عنها في الصور القديمة وحدها، ولا أن أعتقد أنّ أجمل أيامي أصبحت خلفي. فالصورة تستطيع أن تحفظ ملامح وجهي، لكنّها لا تستطيع أن تخبرني بكلّ ما يمكن أن أصبحه. والماضي يستطيع أن يذكّرني بما عشته، لكنّه لا يملك الحقّ في أن يحدّد ما تبقّى من حياتي.
ما زال أمامي وقتٌ لأصنع ذكريات أحبّها، ولأتعرف إلى جوانب جديدة من نفسي، ولأعيش لحظاتٍ لا أحتاج فيها إلى أن أكون حذرة طوال الوقت. ما زال بإمكاني أن أجد أشخاصًا يشبهون الصدق الذي أبحث عنه، وأن أكتشف أماكن تمنحني الراحة، وأن أبدأ أشياء لم أجرّبها لأنّني كنت أظنّ أنّ الوقت قد فات.
لا أعرف إن كنت سأعود يومًا إلى الخفّة التي كنت أعيش بها من قبل، لكنّني لم أعد أرى ذلك شرطًا لسعادتي. ربما سأكون خفيفة بطريقة مختلفة، وأكثر نضجًا في اختياراتي، وأقلّ قسوة على نفسي حين لا تسير الأمور كما أريد.
سأسمح لنفسي بأن أشتاق، دون أن أجعل الشوق طريقًا للعودة إلى ما انتهى. سأحتفظ بالذكريات الجميلة دون أن أطلب من الزمن إعادتها، وسأحترم النسخة القديمة منّي دون أن أطالب النسخة الحالية بأن تشبهها تمامًا.
فأنا لا أحتاج إلى استعادة الماضي كي أستعيد نفسي. أحتاج إلى أن أعيش الحاضر بقلبٍ لا يخاف من كلّ احتمال، وأن أتذكّر أنّ الحياة لم تنتهِ عند التجربة التي غيّرتني، وأنّني ما زلت قادرة على التعلّم والفرح والبدء.
وفي المرة القادمة التي أقف فيها أمام المرآة، سأحاول ألّا أسأل أين ذهبت المرأة القديمة. سأبحث بدلًا من ذلك عن الأشياء الجميلة التي بقيت منها، وعن الأشياء التي نمت في داخلي منذ ذلك الحين، وعن المرأة التي ما زالت تتكوّن كلّما تعلّمت شيئًا جديدًا عن الحياة.
سأبتسم لوجهي كما هو، وأشكر السنوات التي مرّت، حتى تلك التي لم تكن سهلة، لأنّها أوصلتني إلى هذه اللحظة التي أستطيع فيها أن أقول إنّني لا أريد أن أعيش نادمة على ما كنت، ولا خائفة ممّا سأكون.
أحنّ إلى مرآتي القديمة، نعم، لكنّني لم أعد أريد أن أعيش داخل انعكاسها. أريد أن أرى نفسي اليوم، بكلّ ما تغيّر وما بقي، وأن أمنح هذه المرأة فرصة لتعيش حياةً تستحقّ أن تتذكّرها يومًا بحبّ.
لا أحتاج إلى أن أعود كما كنت؛ أحتاج فقط إلى ألّا أفقد أجمل ما فيّ وأنا أتعلّم كيف أتغيّر.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.