مرايا لاتشبهني
مرايا لاتشبهني
جزء 16 من 29
وضع القراءة:

في منتصف الليل، يصبح كل شيء أكثر صدقًا.

تسكت الهواتف، تخف الأصوات، وينام العالم… إلا الأفكار.
هناك، تحت ضوءٍ خافت، لا أستطيع أن أهرب من نفسي.
كل ما تجاهلته طوال النهار يعود.
الأسئلة التي دفنتها تحت الانشغال.
الذكريات التي تظاهرتُ بأنها لم تعد تعنيني.
والأشخاص الذين قلتُ إنني نسيتهم، ثم اكتشفتُ أن قلبي ما زال يعرف أسماءهم.
منتصف الليل يعرف أسراري.
يعرف كم مرة فتحتُ محادثةً قديمة ثم أغلقتها.
يعرف كم رسالة كتبتُها ولم أرسلها.
يعرف كم مرة وضعتُ رأسي على الوسادة وقلتُ لنفسي:
«غدًا سيكون أفضل.»
ثم نمتُ وأنا لا أعرف إن كنتُ أصدق ذلك أم أحتاج فقط إلى تصديقه.
في الليل لا أحتاج إلى أن أبدو قوية.
لا أحد يراني.
لذلك أسمح لدموعي أن تسقط دون اعتذار.
وأسمح لقلبي أن يقول ما يخفيه طوال اليوم.
أعترف لنفسي أنني ما زلتُ أخاف.
أخاف من الفقد.
من الخذلان.
من أن أحب مرةً أخرى ثم أندم.
أعترف أنني أحيانًا أشتاق إلى أشياء أعرف أنها لم تعد تناسبني.
وأنني أحيانًا أحنّ إلى الماضي، رغم أنني أعرف جيدًا لماذا تركته.
لكنني تعلمتُ ألا أكره هذه المشاعر.
فالإنسان ليس آلةً تستطيع أن تضغط زرًا فتتوقف عن الحنين.
نحن نشعر.
نضعف.
نتعب.
ثم ننهض.
وهذا طبيعي.
في إحدى لياليّ الطويلة، كتبتُ جملة واحدة:
«أنا متعبة من محاولة أن أكون بخير طوال الوقت.»
ثم نظرتُ إليها طويلًا.
شعرتُ بشيءٍ داخلي يهدأ.
لأنني أخيرًا اعترفت.
لم يكن المطلوب أن أجد حلًا لكل شيء في تلك الليلة.
كان يكفيني أن أكون صادقة.
أغلقتُ دفتري، ومسحتُ دموعي، وقلتُ لنفسي:
«غدًا لن يكون مثاليًا… لكنه يومٌ جديد.»
وهذا كان كافيًا.
فربما لا نحتاج دائمًا إلى إجابات كبيرة.
أحيانًا نحتاج فقط إلى ليلةٍ صادقة…
نسمح فيها لأنفسنا أن نقول:
نعم، أنا متعبة.
ثم ننام.
ونترك للصباح مهمة أن يحمل لنا بدايةً أخرى
تعبتُ من التظاهر بأن الأشياء لا تؤثر بي.
تعبتُ من الضحك حين أريد البكاء، ومن قول «عادي» حين لا يكون الأمر عاديًا أبدًا.
تعبتُ من أن أكون الشخص الذي يلجأ إليه الجميع، بينما لا يعرف أحد أين ألجأ أنا عندما أتعب.
كنتُ أظن أن القوة تعني أن أتحمل كل شيء.
أن أكون موجودة للجميع.
أن أستمع لمشاكلهم، وأطمئنهم، وأمنحهم الكلمات التي يحتاجون إليها، ثم أعود إلى وحدتي وأحاول أن أجمع نفسي بصمت.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يكون قويًا طوال الوقت.
حتى أكثر القلوب صبرًا تتعب.
في يومٍ ما، توقفتُ عن التظاهر.
لم أبتسم عندما لم أرغب بالابتسام.
لم أقل «لا بأس» حين كان هناك الكثير من الأشياء التي تؤلمني.
ولأول مرة، سمحتُ لنفسي أن أقول:
أنا تعبت.
كانت جملة بسيطة، لكنها شعرتُ وكأنني أخرج من غرفةٍ مغلقة منذ سنوات.
لم يحدث شيء مخيف.
لم ينهَر العالم.
لم يبتعد الجميع.
بل حدث شيء أجمل…
شعرتُ أنني اقتربتُ من نفسي.
اكتشفتُ أنني لا أحتاج دائمًا إلى تفسير حزني.
أحيانًا يكفي أن أشعر به.
ولا أحتاج إلى أن أبرر حاجتي للراحة.
فالراحة ليست كسلًا.
ولا البكاء ضعفًا.
ولا الصمت دائمًا علامة على أنني بخير.
تعلمتُ أن أقول:
«اليوم لا أستطيع.»
«أحتاج إلى بعض الوقت.»
«هذا الشيء أوجعني.»
«أنا بحاجة إلى أن يسمعني أحد.»
ولم أشعر بالخجل.
فأنا إنسانة، ولستُ جدارًا لا يتأثر بما يحدث حوله.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحتُ أكثر رحمةً بنفسي.
إذا تعبتُ، أرتاح.
إذا حزنتُ، أبكي.
إذا اشتقتُ، أعترف.
وإذا احتجتُ إلى الابتعاد، أبتعد.
لم أعد أريد أن أعيش حياةً كاملة وأنا أحاول إقناع الآخرين بأنني بخير.
أريد فقط أن أكون صادقة.
لأن أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا…
هو أن نتوقف عن التظاهر.
أن نخلع الأقنعة التي أثقلتنا طويلًا.
وأن نقول دون خوف:
هذه أنا… أتعب أحيانًا، وأنكسر أحيانًا، لكنني دائمًا أحاول أن أعود إلى نفسي.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.