أستحق أن أكون سعيدة
أستحق أن أكون سعيدة
لم أكن أعرف متى بدأت أشعر بأنّ السعادة شيءٌ عليّ أن أستحقّه بعد عناء طويل، كأنّ الحياة لا تسمح لي بالفرح إلا إذا أنهيت كلّ ما يؤلمني، وأجبت عن كلّ الأسئلة التي تسكن رأسي، وأصلحت كلّ ما انكسر في داخلي. كنت أؤجّل سعادتي باستمرار، وأقول لنفسي إنّ الوقت لم يحن بعد، وإنّ هناك أمورًا كثيرة يجب أن أنتهي منها قبل أن أسمح لنفسي بأن أرتاح.
كنت أظنّ أنّ عليّ أن أكون بخير تمامًا كي أفرح، وأن أتجاوز الماضي كلّه كي أستمتع بالحاضر، وأن أجد تفسيرًا لكلّ ما حدث كي أستطيع المضيّ قدمًا. لم أفهم أنّ الحياة قد تبقى ناقصة في بعض جوانبها، وأنّ القلب قد يحمل حزنًا قديمًا وفي الوقت نفسه يجد سببًا للابتسام، وأنّ الإنسان يستطيع أن يكون متعبًا ويحتاج إلى الراحة، لا إلى مزيدٍ من الانتظار.
كنت أرى السعادة وكأنّها مكافأة تأتي في نهاية الطريق، بعد أن أتحمّل ما يكفي، وأصبر ما يكفي، وأثبت أنّني قادرة على تجاوز كلّ شيء. لذلك كنت أعيش أيّامي كأنّني في امتحانٍ طويل، أراقب نفسي وأحاسبها، وأنتظر اللحظة التي أستطيع فيها أن أقول إنّني فعلت ما يكفي، وإنّني أخيرًا أستحقّ أن أعيش بسلام.
لكنّ تلك اللحظة لم تأتِ بالطريقة التي تخيّلتها؛ لأنّني كلّما تجاوزت مشكلة ظهرت أخرى، وكلّما أغلقت بابًا وجدت أمامي بابًا جديدًا يحتاج إلى قرار. أدركت متأخّرة أنّ الحياة لا تخلو من المسؤوليات، وأنّ انتظار اختفاء المتاعب كلّها قبل أن أفرح يشبه انتظار البحر حتى يتوقّف عن الحركة كي أسمح لنفسي بالإبحار.
وهكذا، مرّت أيّام كثيرة وأنا أؤجّل لحظاتي الجميلة لأسباب تبدو معقولة في ظاهرها. أؤجّل الخروج لأنّني متعبة، وأؤجّل شراء شيء أحبّه لأنّ هناك ما هو أهمّ، وأؤجّل الاتصال بشخصٍ أشتاق إليه لأنّني أريد أن أنتهي من كلّ ما يشغلني. كنت أقول: لاحقًا، حين يصبح كلّ شيء أفضل، حين أرتاح، حين أجد الوقت، حين تتغيّر الظروف.
ولم أنتبه إلى أنّ العمر لا ينتظر اكتمال ظروفنا، وأنّ الأيام التي أتركها تمرّ لن تعود لتمنحني الفرصة نفسها.
لم يكن الخطأ في أن أتحمّل مسؤولياتي، بل في أن أتعامل مع نفسي كأنّها آخر من يستحقّ الاهتمام. كنت أعتني بما يحتاج إليه الآخرون، وأحاول أن أكون حاضرة حين يطلبني أحد، وأجد وقتًا لحلّ المشكلات التي لم أصنعها، لكنّني حين أصل إلى احتياجاتي أجد دائمًا سببًا لتأجيلها.
إذا شعرت بالتعب، قلت إنّ عليّ أن أكون أقوى. وإذا احتجت إلى الحديث، أقنعت نفسي بأنّ الآخرين لديهم ما يكفيهم. وإذا رغبت في الراحة، تذكّرت الأعمال التي لم أنجزها. وإذا تمنّيت يومًا هادئًا لا أفعل فيه شيئًا، شعرت بأنّني مقصّرة، وكأنّ قيمة الإنسان تُقاس بقدر ما ينجزه، لا بقدر ما يعيشه ويشعر به.
ومع الوقت، بدأت أفهم أنّني كنت أخلط بين المسؤولية وإهمال الذات، وبين التضحية وإنكار الاحتياجات، وبين الصبر على الظروف الصعبة وحرمان نفسي من كلّ ما يمكن أن يخفّف عنها.
ليس من الضروري أن أكون قد أنهيت كلّ أعمالي كي أستحقّ ساعة من الراحة. وليس عليّ أن أجد حلًّا لكلّ مشكلة كي أضحك. ولا يجب أن أنتظر اعتذارًا من شخصٍ ما حتى أسمح لنفسي بأن أعيش حياة جميلة. هناك أشياء قد لا تتغيّر، وأشخاص قد لا يفهموننا مهما حاولنا، وأبواب قد تبقى مغلقة مهما طرقناها، لكنّ حياتنا لا ينبغي أن تتوقّف أمام كلّ باب.
كنت أحتاج إلى أن أفهم أنّ السعادة ليست إعلانًا بأنّ كلّ شيء أصبح مثاليًا، وليست خيانةً للأحزان التي مررت بها. إنّها مساحة صغيرة أستطيع أن أعيش فيها رغم ما لم يُحلّ بعد، وأن أتنفّس فيها دون أن أشعر بأنّني أتجاهل واجباتي أو أنكر ما حدث لي.
أستطيع أن أحزن على شيء فقدته، ثم أفرح بلحظة جميلة. أستطيع أن أشتاق إلى شخصٍ غائب، ثم أستمتع بوجود شخصٍ آخر إلى جانبي. أستطيع أن أتذكّر فترة صعبة مررت بها، دون أن أسمح لها بأن تسرق منّي كلّ يومٍ جديد.
المشاعر لا تلغي بعضها بعضًا. ليس عليّ أن أتخلّص من الحزن كي أستقبل الفرح، ولا أن أنسى ما آلمني كي أقدّر ما يسعدني. يمكن للقلب أن يحمل أكثر من شعور في الوقت نفسه، ويمكن للإنسان أن يواصل حياته دون أن ينكر ما تركته التجارب فيه.
ولعلّ أصعب ما احتجت إلى تعلّمه هو ألّا أشعر بالذنب حين أكون سعيدة.
كنت أحيانًا أفرح، ثم أتذكّر ما ينقصني، فأشعر أنّ فرحتي لا تليق بظروفي. أضحك، ثم ألوم نفسي لأنّ هناك أمورًا لم أتجاوزها. أعيش لحظة جميلة، ثم أفسدها بالتفكير في كلّ ما لم يحدث كما تمنّيت. كأنّني كنت أخشى أن أطمئنّ إلى الحياة، فأدفع ثمن اطمئناني بخيبة جديدة.
لكنّني سألت نفسي ذات يوم: ماذا استفدت حين منعت نفسي من الفرح خوفًا من الحزن؟ هل جعلني ذلك أكثر استعدادًا للمصاعب؟ هل خفّف عنّي خسارةً حدثت؟ هل غيّر شيئًا في الماضي؟
لم يفعل.
كلّ ما فعلته أنّني عشت الحزن مرّتين؛ مرّة حين وقع ما يؤلمني، ومرّة حين حرمت نفسي من لحظة جميلة لأنّني كنت أخشى ألّا تدوم.
ومنذ ذلك الحين، بدأت أحاول ألّا أعاقب اللحظة الحاضرة بسبب ما قد يحدث في المستقبل. إذا جاء يومٌ هادئ، أسمح لنفسي بأن أستمتع به. وإذا وجدت سببًا للضحك، لا أفتّش عن سببٍ آخر للبكاء. وإذا شعرت بالامتنان لشيء صغير، أعبّر عنه دون أن أذكّر نفسي بكلّ ما ينقصني.
ليس لأنّني نسيت الصعوبات، بل لأنّني لم أعد أريد أن أمنحها سلطةً على كلّ ما أعيشه.
تعلّمت أيضًا أنّ السعادة ليست دائمًا حدثًا كبيرًا يغيّر حياتنا. أحيانًا تكون في فنجان قهوة نشربه على مهل، وفي رسالة تصل في الوقت المناسب، وفي حديثٍ لا نحتاج فيه إلى تبرير أنفسنا، وفي مساءٍ نعود فيه إلى البيت دون أن نحمل همًّا جديدًا. وقد تكون في لحظة صمتٍ نشعر فيها أنّنا لسنا مضطرّين إلى فعل أيّ شيء، ولا إلى إرضاء أحد، ولا إلى إثبات قدرتنا على التحمّل.
هذه التفاصيل الصغيرة لا تبدو مهمّة حين ننظر إليها من بعيد، لكنّها تمنح أيامنا معنى لا تستطيع الإنجازات الكبيرة وحدها أن تمنحه.
لم أعد أريد أن أحتقر الأشياء البسيطة لأنّني أنتظر شيئًا أعظم. لا أريد أن أقول إنّ حياتي لم تبدأ بعد، بينما هناك حياة كاملة تمرّ أمامي كلّ يوم. ولا أريد أن أؤجّل الامتنان إلى أن أحصل على كلّ ما أريد، لأنّني قد أمتلك اليوم أشياء تمنّيتها طويلًا، ثم أنشغل بما لم أصل إليه بعد.
أريد أن أتعلم فنّ ملاحظة ما لديّ، دون أن أتخلّى عن أحلامي. أن أفرح بما وصلت إليه، دون أن أتوقّف عن السعي. أن أقدّر خطواتي، دون أن أقارنها بخطوات الآخرين. فلكلّ إنسان طريقه وظروفه، وما يبدو متأخّرًا في حياة شخص قد يكون وصولًا في حياة شخص آخر.
لم أعد أريد أن أستخدم حياة الآخرين مقياسًا لحياتي. لا أريد أن أنظر إلى ما حقّقوه فأشعر بأنّني أقلّ منهم، أو أراقب سعادتهم فأظنّ أنّ نصيبي منها قد انتهى. ما أراه من حياة الناس ليس كلّ الحكاية، وما أعيشه أنا لا يحتاج إلى أن يشبه حكاية أحدٍ آخر كي يكون جميلًا.
قد لا أملك كلّ ما تمنّيته، لكنّني أستطيع أن أصنع لنفسي أيامًا تستحقّ أن أعيشها. قد لا أكون في المكان الذي حلمت به، لكنّ ذلك لا يعني أنّ عليّ أن أكره المكان الذي أقف فيه الآن. وقد لا أكون قد وصلت إلى السلام الكامل، لكنّني أستطيع أن أبدأ بخطوة صغيرة تجعل يومي أخفّ.
أستطيع أن أقول لا لما يستنزفني، وأن أطلب المساعدة حين أحتاج إليها، وأن أبتعد قليلًا عن الضجيج، وأن أختار صحبةً أشعر معها بأنّني مقبولة كما أنا. أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أرتاح دون أن أشرح سبب تعبي، وأن أغيّر رأيي إذا اكتشفت أنّ الطريق الذي اخترته لم يعد يناسبني.
وأستطيع، قبل كلّ ذلك، أن أتوقّف عن انتظار إذنٍ من العالم كي أكون سعيدة.
ليس مطلوبًا منّي أن أثبت أنّني عانيت بما يكفي، ولا أن أعدّ خساراتي قبل أن أسمح لنفسي بالبدء من جديد. لا يجب أن أكون قد بكيت عددًا معيّنًا من المرّات، أو تجاوزت كلّ جرحٍ قديم، أو أصبحت امرأة لا تتأثّر بشيء. أنا أستحقّ الفرح لأنّني إنسانة، ولأنّ الحياة ليست مجرّد سلسلة من الواجبات والاختبارات.
أستحقّ أن أضحك دون أن أبرّر ضحكتي، وأن أحلم دون أن أخاف من وصف أحلامي بالبساطة، وأن أعيش لحظاتي الجميلة دون أن أعتذر عنها. أستحقّ أن أختار ما يمنحني الراحة، وأن أبحث عن الأشياء التي تضيء أيامي، وأن أترك لنفسي مساحةً تتّسع لما أحبّ، لا لما يجب عليّ فعله فقط.
وأعرف أنّ السعادة لن تستقرّ في حياتي إلى الأبد؛ ستأتي أيام صعبة، وستتبدّل الظروف، وربما سأمرّ بتجارب تجعلني أشكّ في قدرتي على الاستمرار. لكنّني لم أعد أطلب من السعادة أن تكون دائمة كي أسمح لها بالدخول. يكفيني أن أعيشها حين تأتي، وأن أستقبلها دون خوف، وأن أتذكّر أنّ اختفاءها المؤقّت لا يعني أنّني فقدت الحقّ فيها.
لا أريد أن أعيش بقية عمري وأنا أنتظر الحياة التي أستحقّها. أريد أن أبدأ بصنعها من الأشياء التي أستطيع تغييرها اليوم، من طريقة حديثي إلى نفسي، ومن القرارات الصغيرة التي تحترم احتياجاتي، ومن الأشخاص الذين أسمح لهم بالاقتراب، ومن قدرتي على رؤية النور دون أن أنكر وجود الظلال.
لقد تعبت بما يكفي من تأجيل الفرح، ومن محاسبة نفسي على كلّ لحظة راحة، ومن الاعتقاد بأنّ عليّ أن أكون قوية طوال الوقت. أريد أن أعيش، لا أن أكتفي بالنجاة. أريد أن أمتلك ذكريات جميلة، لا أن تكون كلّ ذكرياتي مرتبطة بما تجاوزته. أريد أن أتطلّع إلى يومٍ جديد بشيءٍ من الحماسة، لا أن أستقبله وكأنّه عبء آخر عليّ أن أحمله.
وربما لن تتغيّر حياتي كلّها دفعةً واحدة، لكنّني أستطيع أن أغيّر علاقتي بها. أستطيع أن أكون أكثر رحمةً بنفسي، وأن أمنح الفرح فرصةً قبل أن أبحث عن أسبابه للرحيل، وأن أترك بعض الأمور غير مكتملة دون أن أشعر بأنّ العالم سيتوقّف.
سأذكّر نفسي كلّما عاد ذلك الصوت القديم ليقول إنّ الوقت لم يحن بعد: ليس عليّ أن أنتظر حتى تصبح حياتي خالية من التعب. ليس عليّ أن أكون امرأة أخرى، ولا أن أمتلك ظروفًا مختلفة، كي أستحقّ لحظةً من السعادة.
أنا هنا، في حياتي الحقيقية، بما فيها من نقصٍ وأمل، ومن ذكرياتٍ وأحلام، ومن أشياء فقدتها وأخرى ما زلت أملكها. وهذه الحياة، رغم كلّ ما فيها، تستحقّ أن أعيشها بقلبٍ حاضر، لا بقلبٍ يؤجّل نفسه باستمرار.
سأمنح نفسي الحقّ في الفرح، وسأتعلم ألّا أشعر بالذنب حين أختار الراحة، وسأترك لنفسي فرصةً لأن تحبّ الأيام من جديد. لن أطلب من الحياة أن تعوّضني عن كلّ ما حدث دفعةً واحدة، لكنّني سأكون مستعدّة لاستقبال الأشياء الجميلة حين تأتي.
فقد فهمت أخيرًا أنّني لا أحتاج إلى أن أربح كلّ معاركي كي أستحقّ السلام، ولا إلى أن أحقّق كلّ أحلامي كي أفرح بما تحقّق، ولا إلى أن أصل إلى نهاية الطريق كي أستمتع بالخطوات التي أقطعها الآن.
أنا أستحقّ أن أكون سعيدة، لا حين تنتهي كلّ متاعبي، بل لأنّ حياتي تستحقّ الفرح حتى في الأيام التي ما زلت أحاول فيها.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!