وضع القراءة:

الوحوش التي لم تختر أن تكون وحوشاً

لم تكن كل القوات التي تتبع غوتيا من الشياطين. كانت طائفة الغول تجمع مخلوقاتٍ لا تنتمي إلى مملكةٍ واحدة: وحوشاً طُردت من أراضيها، وأنصافاً تغيرت أجسادهم بفعل التجارب، ومخلوقاتٍ ولدت بملامحٍ جعلت البشر يخافونها قبل أن تتكلم.
رأيتهم في طرف الوادي حين بدأت وحدات أنوس تتقدم. كانت هناك كلابٌ عظمية بأرجلٍ طويلة، وأجسادٌ ضخمة مغطاة بقشورٍ رمادية، ومخلوقاتٌ لها أذرع بشرية ووجوه لا تستقر على هيئةٍ واحدة. لم تكن جميعها تهاجم بالطريقة نفسها. بعضها يندفع نحو الصفوف، وبعضها يجرّ الجرحى من الخلف، وبعضها يقف بعيداً ويطلق أصواتاً تجعل المانا في أجساد الجنود ترتجف.
أدركت أن غوتيا لم تكن تقود جيشاً من الوحوش فحسب؛ كانت تجمع ما تركه العالم خلفه، ثم تعيد توجيه غضبه نحو البشر.
في أحد المواضع، رأيت مخلوقاً صغيراً يجرّ رجلاً مصاباً بعيداً عن الاشتباك. كان له وجهٌ مشوه وعينٌ واحدة، لكن حركته لم تكن حركة صيادٍ يحمل فريسة. كان يسحب الرجل نحو صخرةٍ آمنة، ثم يختبئ حين تمر الشياطين.
حاول جنديٌ أن يطعنه حين رآه. أوقفته.
قال: «إنه وحش!»
«إنه ينقذ الرجل.»
«قد يكون فخاً.»
لم أملك دليلاً. لكنني رأيت المخلوق يترك الرجل قرب الحاجز، ثم يختفي دون أن يلمسه مرةً أخرى.
لم تكن الرحمة شائعةً في ساحة الحرب، لكنها لم تختفِ تماماً.
بعد دقائق، عاد المخلوق نفسه. كان يحمل قطعة قماشٍ ممزقة، ويشير بها إلى ممرٍ جانبي. لم أفهمه فوراً، ثم رأيت ثلاثة جرحى يحاولون الزحف نحو الطريق. أشار إليهم، ثم ضرب الأرض بيده.
كان يحاول أن يخبرنا أن الطريق سينهار.
أرسلت رسولاً إلى رودان. لم أعرف إن كان سيصل في الوقت المناسب، لكنني لم أستطع تجاهل التحذير. حين عدت بنظري إلى المخلوق، كان قد اختفى.
قال الجندي الذي حاول طعنه: «لماذا لم تقتله؟»
أجبته: «لأنه لم يهاجمنا.»
«لكنه من طائفة غوتيا.»
«لا أعرف من يكون. أعرف فقط ما فعله أمامي.»
لم يقتنع. لم أطلب منه أن يقتنع. لكنني بدأت أفهم أن غوتيا لم تجمع المنبوذين لأنها تحبهم. كانت تعرف أن العالم تركهم بلا مكان، وأنها تستطيع أن تمنحهم هدفاً، حتى لو كان ذلك الهدف هو جعل الآخرين يختبرون الخوف نفسه.
حين ماتت لاحقاً، لم ينتهِ ما صنعته. بقيت الوحوش في الميدان، وبعضها لم يعرف لماذا كان يقاتل أصلاً.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.